إحراق أصوات العراقيين… نيران تلتهم مخازن صناديق الاقتراع شرق بغداد

حجم الخط
2

بغداد ـ «القدس العربي» : بدا الوضع في العراق، أمس الأحد، مرشحا الى المزيد من التعقيد، فبعد ساعات على محاولة فاشلة من قبل رئيس الجمهورية، فؤاد معصوم، لإيجاد تسوية بخصوص فرز أصوات المقترعين في الانتخابات الأخيرة، وقع حريق كبير في أكبر مخازن صناديق الاقتراع الواقعة في الرصافة، في الجانب الشرقي من مدينة بغداد.
ولم تحدد السلطات أسباب اندلاع الحريق، لكنه جاء بعد قرار البرلمان إعادة العد والفرز لأكثر من 10 ملايين صوت بشكل يدوي، إثر مزاعم عن حصول عمليات تزوير كبيرة خلال الانتخابات التشريعية التي جرت في 12 أيار/ مايو الماضي، وفاز فيها التحالف الذي يقوده الزعيم الشيعي مقتدى الصدر.
المتحدث باسم وزارة الداخلية، اللواء سعد معن، قال في فيديو قصير وزعه مكتبه الإعلامي: «نقف الآن أمامنا المخازن الثلاثة التي تضم صناديق الاقتراع (…) نحاول الحد بينها وبين المخزن المحترق».
وأكد أن «المخزن الذي احترق يضم أجهزة وووثائق تابعة لمفوضية الانتخابات وبعض صناديق الاقتراع، لكنه أوضح أن «المخازن المهمة التي تضم فقط صناديق لم يطاولها الحريق».
فرق الدفاع المدني قامت بإخراج الصناديق التي احترق عدد منها من داخل المخازن.
ووجه ضابط برتبة عقيد، نداء يطلب فيه إرسال شاحنات لنقل صناديق الاقتراع التي تم إخراجها من موقع الحريق.
وحاول مرشح الانتخابات الخاسر، فتاح الشيخ دخول مكان الحريق من دون جدوى، واصفاً ما حصل بـ«الجريمة».
وأضاف «من زور الانتخابات، هو من يقف وراء هذا الحريق». وخاطب من حوله قائلاً «ستترحمون على صدام (حسين) والأمريكيين».
وقال المهندس أحمد خوام مدير عام بلدية مركز الرصافة بعد مغادرته موقع الحريق، إن «الحريق كبير جدا وأدى إلى احتراق مخزّنين بالكامل وجزء من مخزن ثالث».
واكد احتراق عدد كبير من صناديق الاقتراع مع التمكن من إنقاذ عدد كبير آخر في الوقت نفسه.

«طمس التزوير»

وعلى أثر الحادث، دعا رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري، إلى إعادة إجراء الانتخابات البرلمانية، معتبراً أن ما حصل «متعمد» ويهدف لـ»طمس التزوير».
وقال في بيان إن «جريمة إحراق المخازن الخاصة بصناديق الاقتراع في منطقة الرصافة، إنما هو فعل متعمد، وجريمة مخطط لها، تهدف إلى إخفاء حالات التلاعب وتزوير الأصوات وخداع الشعب العراقي وتغيير إرادته واختياره».
وطالب بـ «إعادة الانتخابات بعد أن ثبت تزويرها والتلاعب بنتائجها وتزييف إرادة الشعب العراقي بشكل متعمد وخطير».
كما حث الأجهزة الأمنية في بغداد على «اتخاذ إجراءات تحقيقية وأمنية صارمة تتناسب وحجم هذه الجريمة المشينة (الحريق) وكشف ملابساتها».
وتزامن الحادث مع قرار مجلس القضاء الأعلى تعيين قضاة للإشرف على عمليات العد والفرز اليدوي بدل أعضاء مجلس المفوضين الذين أأاوقفوا عن العمل. وقال القاضي عبد الستار بيرقدار، المتحدث الرسمي باسم مجلس القضاء الأعلى، إن «جلسة مجلس القضاء الأعلى شهدت تسمية القضاة المرشحين للانتداب للقيام بصلاحيات مجلس المفوضين في المفوضية العليا المستقلة للانتخابات حسب أحكام المادة (4) من قانون التعديل الثالث لقانون الانتخابات والقضاة المرشحين لإشغال مهمة مدراء مكاتب المفوضية في المحافظات».
وبعد ادعاءات بالتزوير، تمكن البرلمان المنتهية ولايته من عقد جلسة الأربعاء قرر خلالها تجميد عمل المفوضية وإحالة ملفها على القضاء للإشراف على عمليات العد والفزر اليدوي بدلا من الإلكتروني. وكان قانون المفوضية القديم لا يسمح بهذا الإجراء، لكن البرلمان تمكن من إجراء تعديل للقانون وإقراره ما جعل الأمر ممكنا.
وقرر البرلمان كذلك إلغاء أصوات الخارج التي يعتقد أنها شهدت أكبر عمليات تلاعب.
في الموازاة، أخفق رئيس الجمهورية فؤاد معصوم في إقناع الرئاسات الثلاث، ورؤساء الكتل السياسية بفرز وعدّ 25% فقط من الأصوات، وليس جميعها. ولم يخرج الاجتماع الأخير في قصر «السلام» الرئاسي بأي اتفاق.
مصدر سياسي مطلعّ على ما دار في الاجتماع الأخير الذي دعا إليه معصوم، قال لـ«القدس العربي»، إن «حجم الخلاف بين آراء المجتمعين كان واضحاً»، مبيناً أن «المجتمعين منقسمون إلى فريقين، واحد مؤيد لقرار البرلمان الأخير، والآخر معارض ويسعى لتعديله».
وأضاف: «رئيس الجمهورية فؤاد معصوم ينتمي إلى حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، الذي يعدّ من أبرز المعترضين على قرار البرلمان، كونه سيُحرم من أصوات البيشمركه، وقد تكون نتائج الفرز والعدّ اليدوي سلبية عليه، في كركوك والسليمانية».
وطبقاً للمصدر، فإن معصوم يحاول قدر الإمكان أن يكون متوازناً في طروحاته، لكن من الواضح جداً إنه يميل إلى «مصلحة حزبه»، في موقفه من تعديل قانون الانتخابات، إضافة إلى تأخره أكثر من 25 يوماً في المصادقة على قانون الموازنة المالية لعام 2018، بكونها تضمنت تخفيض نسبة إقليم كردستان من 17% إلى 12.6%.
وضم الاجتماع كلا من رئيس الجمهورية فؤاد معصوم ونائبيه أسامة النجيفي ونوري المالكي، فيما غاب نائبه الثالث إياد علاوي، ليحضر كاظم الشمري المتحدث باسم القائمة الوطنية، بزعامة علاوي، نيابة عنه.
وجلس إلى يمين معصوم، بعد العبادي، زعيم تحالف «الفتح» هادي العامري، يليه ضياء الأسدي، مسؤول المكتب السياسي لزعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، فالشمري.
وعلى يسار معصوم، جلس نائبه، زعيم تحالف القرار أسامة النجيفي، تلاه رئيس المكتب السياسي لحزب الدعوة الإسلامية / تنظيم العراق، خضير الخزاعي، وبعده زعيم جبهة الحوار العراقية – المنضوية في قائمة الحوار الوطني صالح المطلك.
في الجانب الآخر، جلس رئيس البرلمان سليم الجبوري وإلى يمينه نائبه الأول، زعيم المجلس الأعلى الإسلامي همام حمودري، تلاه نائبه الثاني، القيادي في كتلة التغيير آرام الشيخ محمد، فيما جلس إلى شمال الجبوري، زعيم تيار الحكمة الوطني عمار الحكيم، تلاه القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني، وزير الثقافة الحالي، فرياد راوندوزي، ثم القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني شوان محمد طه.
ويعدّ ممثلو الحزبين الكرديين الحاكمين في الاجتماع، «الفريق» المعارض لإعادة الفرز والعدّ اليدوي، فيما يتفق بقية الحضور مع تعديل قانون الانتخابات.

نقطة محورية

وفور انتهاء الاجتماع، أصدرت رئاسة الجمهورية بياناً أكدت فيه أن الاجتماع خرج بالتشديد على أهمية «تطويق» أي تداعيات والحفاظ على الاستقرار السياسي، والعمل «بشكل مسؤول» من أجل تطويق أي تداعيات والحفاظ على الاستقرار السياسي والأمني واحترام أصوات الناخبين.
وحسب البيان الرئاسي، فإن الاجتماع شهد «نقاشات صريحة بشأن ظروف ونتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، والتعديلات القانونية التي أجراها مجلس النواب وما تبعها من إجراءات».
معظم الحاضرين أكدوا، طبقاً للبيان، على أهمية «(…) احترام أصوات الناخبين والتقيد بالدستور والقوانين السارية، وتعزيز مبدأ الفصل ما بين السلطات والحيلولة دون حدوث أي فراغ دستوري».
ورغم «دبلوماسية» البيان الرئاسي، غير أن رئيس البرلمان سليم الجبوري، كشف عن اتفاق رؤساء الكتل السياسية على نقطة محورية، تنص على عدم السكوت على «التلاعب» بإرادة الناخبين.
وقال في حديث لعدد من وسائل الإعلام، عقب الاجتماع، إن «اللقاء كان حول تداعيات الانتخابات. الجميع اتفق على عدم السكوت على عملية التلاعب بإرادة الناخبين، واحترام الإجراءات القانونية التي تم اعتمادها».
وأضاف: «يجب النظر للمرحلة المقبلة بتأنٍ ومحاولة إيجاد المخارج العملية والقانونية للمشكلات التي نواجهها».
وبشأن تحركات البرلمان الأخيرة، قال إن «هناك من انتقد توجه البرلمان، وهناك من أيده وقال إنه إجراء ضروري ولازم، لمواجهة المشكلة التي نواجهها».
أما زعيم ائتلاف دولة القانون، نوري المالكي، فقال إن «الاجتماع (…) كان حول تداول المسؤولين والمواطنين لموضوع سلامة الانتخابات وما تتعرض له من اتهامات وطعون»، موضّحاً إنه تمت «مناقشة كل الإجراءات الممكن اتخاذها من أجل تصحيح القضية الانتخابية حتى ننتهي من الإشكالات ونتجه الى تشكيل الحكومة».

امتعاض تركماني

التركمان سجلوا اعتراضهم على «تهميشهم» في اجتماع الرئاسات الثلاث وقادة الكتل السياسية، وعدم دعوتهم له، متهمين رئاسة الجمهورية بـ»عرقلة» كشف الحقائق، وما وصفوه «التزوير الهائل» الذي شهدته العملية الانتخابية.
وقال نواب الجبهة التركمانية في مجلس النواب، في بيان لهم: «بعد الخطوة التاريخية لمجلس النواب العراقي وتعديله قانون انتخابات مجلس النواب الذي سيعمل تطبيقه على كشف المزورين، فوجئنا (…) بدعوة رئيس الجمهورية لبعض قادة الكتل واستثناء المكون التركماني وبعض الكتل من الدعوة والعمل على تفريغ القانون من محتواه».
وأضافوا: «لقد حذرنا سابقاً من أن رئاسة الجمهورية ابتعدت عن الحياد وأصبحت تتصرف للدفاع عن مصالح حزبية وتعطي رسالة سلبية للعراقيين في أكثر من مناسبة، من أنها تعرقل كشف الحقائق والتزوير الهائل الذي حصل في العملية الانتخابية وخاصة في محافظة كركوك». وتابع النواب «نأمل من الكتل كافة دعم الخطوات التي ستؤدي الى كشف الأطراف التي زورت في الانتخابات والحفاظ على إرادة الناخب في اختيار ممثليه في مجلس النواب العراقي، وان تكون الاجتماعات التي تدعو لها رئاسة الجمهورية شاملة لكل المكونات والكتل السياسية». واعتبر التركمان أن الكتل المجتمعة في القصر الرئاسي هي «ضد المزورين» ومع «كشف الحقائق»، كونها لم تخرج في بيان موحدّ بعد الاجتماع.
وأوضحوا «إننا على ثقة مطلقة بحيادية ونزاهة القضاء العراقي الذي اضطلع بمهمة تاريخية ونحن على يقين بأن هذه المؤسسة ستساهم في كشف الحقائق والخروقات التي أكد عليها مجلس الوزراء بعد مصادقته على توصيات اللجنة العليا المشكلة للتحري في الخروقات الانتخابية، والتي توصلت الى معلومات خطيرة يرقى بعضها الى مستوى الإدانة، وعلى الادعاء العام المباشرة باتخاذ الإجراءات القانونية ضد كل من تورط في التزوير»، داعين الجميع الى «مساعدة القضاء العراقي لإنجاز مهمته في أقصر فترة ممكنة وعدم وضع العراقيل أمام العد والفرز اليدوي لكل المحطات وفي كل المحافظات العراقية».

دور القضاء

وتدفع «الجبهة العراقية للحوار الوطني» بزعامة صالح المطلك، «بقوة» نحو تنفيذ الفقرات التي نصّ عليها التعديل الثالث لقانون الانتخابات التشريعية، ومنح السلطة القضائية الصلاحية كاملة لتأدية دورها ومهمتها الأساس في فرز وعدّ الأصوات «يدوياً».
وقالت الجبهة، في بيان لها، إن «تعديل قانون الانتخابات الذي أقره مجلس النواب قد جاء متوافقا، والحاجة لتصويب العملية الانتخابية بعد الخروقات والتزوير الذي حصل فيها شوّه نتائجها، وبالتالي فإن هذا التعديل يتوافق والإرادة العامة بتصحيح مخرجات الانتخابات ووضع حد للمزورين الذين يغامرون بمستقبل البلد».
وأضافت أن «أي محاولة للضغط على القضاء ووضع العراقيل أمام تنفيذ التعديل سوف تؤدي الى مزيد من التشكيك بنتائج الانتخابات وبالعملية السياسية»، داعية القضاء العراقي إلى «العمل على تنفيذ التعديل ووضع الأمور في نصابها الصحيح».

إحراق أصوات العراقيين… نيران تلتهم مخازن صناديق الاقتراع شرق بغداد
معصوم يفشل في إقناع رؤساء الكتل بفرز جزئي
مشرق ريسان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية