عمان- «القدس العربي» من بسام البدارين: يلتقط مخضرم أردني عائد للتو إلى البلاد بعد العمل مطولاً في منابر دولية مهمة من وزن الدكتور طالب الرفاعي ما هو جوهري في المشهد الوطني الأخير وهو يتحدث عن ضرورة ادراك الأردنيين جميعاً لأهمية الرسالة التي التقطها العالم مؤخراً من وجود شعب حي ومتحرك يرغب في مستقبل أفضل ويتحرك في الشارع معترضاً ينشد الإصلاح وبأداء راقٍ وحضاري ومدني.
تلك برأي الرفاعي الأمين العام الاسبق لمنظمة السياحة العالمية جزئية مهمة ليس في إعلان الأردن الجديد فحسب، ولكن في ظهور التجربة والحالة الأردنية في أفضل وأجمل تعبيراتها امام عدسات العالم.
وتلك فرصة للأردنيين على مستوى الشارع والمؤسسات وفرها للجميع برأي الرفاعي الذي سمعته «القدس العربي» مباشرة مرتين على الأقل في اطار التقييم الوطني الايجابي الهادف لشباب الحراك الحضاري وهم يعرضون رسالتهم في الداخل والخارج وأمام الجميع خصوصًا وهم يتوحدون مع دولتهم وسط مرونة التعاطي الأمني الإيجابي.
يريد الرفاعي وهو من الشخصيات المقدرة التي يحترمها الأردنيون وفي كل الزوايا الانتباه والاسترسال للطاقة الإيجابية سياسياً وتجاهل السلبيات عبر الانتقال للبناء على ما حصل ومنح الإيجابية الناتجة فرصة لالتقاط ذكي.
المقصود عملياً قد يكون التحريض على مغادرة مساحة التشخيص لمشكلات الواقع باتجاه البحث عن حلول في اطار عملية منطقية ترتقي لمستوى حضارية الحراك الأخير. وهذا واجب يشمل الجميع في الدولة والشارع ويشمل أيضاً النخب التي اما تستقر في الصمت واللامبالاة او تشارك في الاستعراضات التي تنكر الواقع ولا تجيد قراءته. لفت الأنظار إلى ان طريقة وتقنية تشكيل الحكومة وهوية ورمزية رئيسها الجديد الدكتور عمر الرزاز مؤشرات في غاية الأهمية في رأي الرفاعي وغيره.
استثمار في الصورة
وهو تقدير سانده رئيس الوزراء الأسبق المخضرم طاهر المصري وعلى أساس ان العالم لا ينتبه فقط اليوم لأزمة الاقتصاد الأردني الخانقة بقدر ما ينتبه لأنظف حراك سلمي وديمقراطي وقانوني ظهرت خلاله صور نمطية بمنتهى الإيجابية عن حقيقية وحدة الأردنيين وإمكاناتهم في الدعوة للتغيير والإصلاح سلماً وبصيغة يقابلها استرخاء في الإدارة الأمنية يستحق الاشادة.
كثيرون في هوامش القرار المركزي الأردني يتحدثون اليوم عن الانتقال الفوري لعملية تفاوض ماهرة تستثمر في تلك الصورة التي التقطها وبكثافة ليس فقط صناع القرار او الخائفون من عدوى الحراك الشعبي السلمي في الجوار بل الأصدقاء والحلفاء في الدول الغربية أيضا وعلى اساس مقاربات ومقارنات تقول بأن الشعب الأردني مختلف ويستحق الدعم، وإن الأردن ساحة تستحق الدعم والانتباه والمساندة لأنها تخلو من العنف والدم والخشونة حتى عند الاعتراض والمواجهات بين السلطة والشارع كما كان يحصل في شريط الدول العربية المجاورة وتحديداً العراق وسوريا وليبيا ومصر.
الأردن بهذا المعنى مختلف فعلاً والسؤال اليوم وهو سياسي بامتياز: كيف نستثمر على مستوى صناعة القرار في هذا الاختلاف؟
الشكوك موجودة في طبيعة الحال ومتاحة وعلى أساس سجل كامل من مغامرات السلطة تحت بند الإصلاح والتغيير انتهت بمجازفاتها بين الحين والآخر عبر المراوحة ما بين القبضة الامنية الناعمة وشقيقتها الخشنة. يريد الأردنيون اليوم عدم التوقف عند قواعد حسن النوايا التي تظهرها السلطة.
ولا عند خطاب رئيس الوزراء الجديد التواصلي والذي يعلن بدوره بأن السياسات العامة ستفرد على طاولة الشارع وقواه وبأن الحكومة تقبل الامتحان بناء على قواعد الكتاب المفتوح وبأن القرارات الاقتصادية لن تتخذ بعد الان بدون حوارات وطنية ومعمقة.
مسألتان
هذه المعطيات في نوايا السلطة وخطابات رئيس الوزراء العلنية توحي ضمنيًا بأن أحداث ما سمي بالدوار الرابع انتقلت إلى مستوى مفصلي لا علاقة له فقط بالشأن المحلي الداخلي. ولكن يعيد تموقع المملكة في خارطة اهتمام الإقليم والدول الغربية وبصورة أدت وفوراً إلى «أقلمه ثم تدويل» ازمة الاقتصاد الأردني.
ما يريده الشارع اليوم ويتضح ذلك من مجمل تداعيات وسائط التواصل الاجتماعي هو ادلة وقرائن وافعال محددة تقترن بالأقوال مع وجود بعض مظاهر الخشية من مسألتين.
الأولى لها علاقة بأن يكون المشهد الذي حصل مرتب وله علاقة بهندسة تكتيكية أمنية وليس بقواعد عمل مبدئية مبنية على الإيمان واليقين بضرورة التغيير.
والمسألة الثانية لها علاقة بالهجمة السعودية المباغتة على المستوى الخليجي وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي وهي أطراف دخلت فجأة على حسابات ما بعد احداث الدوار الرابع في الأردن واندفعت في موجة تضامن وغزل وبصورة مريبة وتحتاج لتفسير لأن الأزمة الاقتصادية الأردنية نتجت اصلاً وقبل كل شيء عن تنكر الأطراف نفسها لواقع ازمة الخزينة الأردنية.
هنا يريد الشارع الحائر قليلاً تفكيك ألغاز حالة الحنين والتضامن السعودي والدوري المباغت. وبطبيعة الحال تطرح تساؤلات في الأفق السياسي عن الخلفية والثمن والكلفة المرتقبة وإذا ما صدقت بعض القراءات هنا فالفرصة قد تكون قريباً للمقايضة الأخطر إقليمياً وبصيغة تلفت نظر الأردنيين لان مساعدتهم اقتصادياً ومالياً مرتبطة بشرط سياسي.
ما فعله الحراك الشاب المدني في العاصمة عمان منذ أسبوعين أجلس المفاوض الرسمي الأردني على الطاولة مجدداً. لكن هذا الحراك قد يكون الإجهاز عليه ثمناً لمعالجة اقتصادية بدأت تقترحها دول عربية غنية ليس سراً انها تخشى انتقال فيروس الحراك السلمي المعتدل إلى شعوبها وهو الأخطر بكل حال من اي حراك عنيف او خشن.
خلاصة المشهد تقول أن الانطلاق نحو المحطة التالية في الاصلاح والتغيير في الأردن يتطلب التوثق أولاً من وجود يقين داخل مراكز القرار العميقة بالخوض في ملف الإصلاح حقاً لا قولاً وعلى اساس القناعة واليقين وليس تمرير والتنفيس والتكتيك وهنا يمكن ان ينجح الرزاز بكفاءة.
وثانياً لا بد من التأكد من نوايا التضامن المفاجئ في المحور الخليجي وبعض المؤسسات الدولية وعلى اساس تضامن يخلو من الغرض السياسي.
خلال أيام فقط او أسابيع في أكثر الأحوال تتضح الرؤيا أكثر وعندها قد يفهم الأردنيون قبل غيرهم «لغز» أحداث الدوار الرابع.