طرابلس: يبدو المشهد في ليبيا منذ بداية شهر رمضان مختلف هذا العام، في ظل أوضاع اقتصادية متأزمة تعيشها البلاد، تحت وطأة صراع سياسي ألقى بظلاله على عادة الكرم لدى الليبيين، التي كانت تميزهم خلال الشهر الكريم.
الأوضاع الاقتصادية المضطربة، تسببت في تراجع أعداد موائد الرحمن المخصصة لإطعام الفقراء في الشهر الكريم، بشكل ملحوظ هذا العام.
ففي مدينة بنغازي (شرق) التي اشتهر أهلها بالكرم على مدى العقود الماضية، لم يكن هناك سوى 20 مائدة فقط بحسب رصد لمراسل “الأناضول”، مقارنة مع أكثر من 50 سابقا.
وتدهورت الأحوال المعيشية بشدة في البلاد منذ أكثر من ثلاث سنوات، مع معدل تضخم يبلغ نحو 30 بالمائة وتراجع سعر صرف العملة المحلية في السوق السوداء، وانعدام السيولة النقدية في جميع المصارف.
وانخفضت احتياطيات النقد الأجنبي إلى 67.5 مليار دولار بالمقارنة مع 123.5 مليار دولار في 2012، وفقا لتقديرات البنك الدولي.
وليبيا منقسمة منذ 2014 بين مؤسسات متنافسة، وفصائل متحاربة في شرق البلاد وغربها.
** غلاء الأسعار
يقول “ناجي بوطلاق” أحد القائمين على إحدى موائد الرحمن، إن غلاء أسعار السلع هو السبب الرئيس وراء تراجع عدد موائد الرحمن، مع ندرة المتبرعين بشكل أصبح من الصعب تجميع الفقراء وإطعامهم.
“بوطلاق” يذكر في حديثه مع “الأناضول”، سببا آخر لندرة موائد الرحمن، إذ يقول إن “المصارف تعطي فقط 500 دينار (370 دولارا) من الراتب الشهري، وهي لا تكفي في ظل الغلاء الفاحش لإطعام أسرة لمدة أسبوع، فكيف سيتبرع الناس لموائد الرحمن”.
وموائد الرحمن، هي موائد خيرية كبيرة تنصب في الشوارع لإطعام الفقراء والمساكين مجانا، خلال شهر رمضان، معتمدة على تبرعات أهل الخير والإحسان أو تبرعات رجال الأعمال.
ويقول “بوطلاق” إن أزمة السيولة المالية التي ظهرت في ليبيا منذ ثلاثة أعوام ألقت بظلالها ليس فقط على الفقراء في شهر في رمضان بل في عموم العام.
واستدرك: “لكن رغم ذلك هناك متبرعون.. نعم هم قليلون ولكن الخير ما يزال في أهل بنغازي”.
** زيادة الفقراء
من جانبه، قال فرج المهدي مدير مائدة رحمن في بنغازي، إن المشكلة هذا العام ليست نقص موائد الرحمن فقط، بل زيادة عدد الفقراء الذين يتجمعون للبحث عن تلك الموائد القليلة”.
“المهدي” يضيف للأناضول: “هذا العام هناك أعداد كبيرة من الليبيين الذين تقطعت بهم السبل في الشهر الكريم، بسبب غلاء الأسعار ونقص السيولة، وهم بحاجة لمن يمد لهم يد العون ويطعمهم ويطعم أولادهم خلال شهر رمضان”.
ويتهم المهدي رجال الأعمال في بلادة باستغلال الوضع المنفلت في ليبيا، وغياب الرقابة الحكومية ليرفعوا أسعار السلع واصفا إياهم بــ “تجار حروب “.
على جانب آخر، يدافع رجل الأعمال “وان الغاوي” عن فئة التجار قائلا للأناضول: “الحكومة هي السبب، إنها تمنح اعتمادات (دولار بسعر مخفض لغرض استيراد سلع) للتجار بالمحسوبية والواسطة”.
وأضاف غاوي قائلا: “فاسدون في مصرف ليبيا المركزي يمنحون بعض التجار الفاسدين اعتمادات، والتجار الفاسدون بدورهم إما أن يبيعوا الدولار في السوق الموازية بسعر مرتفع لتحقيق مكاسب، أو يستوردون سلعا ويبيعونها بسعر مرتفع رغم حصولهم على اعتماد”.
وتابع: “التاجر العادي لا يستطيع الحصول على اعتمادات ويضطر لاستيراد سلع بعد أن يشتري الدولار من السوق السوداء بسعر أكثر من 6 دنانير (4.4 دولارات)، مقارنة مع أقل من دينارين للسعر الرسمي، بالتالي تصل البضاعة بسعر مرتفع، ويضطر لبيعها أيضا بسعر مرتفع”.
واختتم قائلا: “كل ذلك وسط غياب لرقابة الدولة.. بالتالي الحكومة والبنك المركزي وديوان المحاسبة هم المسؤولون عن أزمة المواطن وليس التجار فقط”.
ويكشف ديوان المحاسبة الليبي في تقريره السنوي أصدره، الأسبوع الماضي، عن وجود فساد مالي في معظم مؤسسات الدولة، إضافة إلى فساد لبعض التجار والشركات فيما يخص الاعتمادات المالية. (الأناضول)