مئات آلاف المواطنين الأردنيين ملأوا شوارع المدن في المملكة في مظاهرات عاصفة، حتى كتابة هذه السطور لم يتم كسر ركبة أي متظاهر، لا قبل الاعتقال ولا في المعتقل. هذا إذا كانت هناك اعتقالات. لم يخرج أي رئيس بلدية ضد المتظاهرين الذين جاؤوا من خارج مدينته بذريعة أنهم محرضون. كل ذلك من دون التطرق إلى المظاهرات على الحدود في قطاع غزة. فهناك يوجد من ينفعل من عدد الاشخاص الذين بقوا على قيد الحياة بفضل القناصة الإسرائيليين الرحيمين.
إذا كانت الحقيقة هي التي تقود التاريخ فقد حان الوقت للإعلان بصوت عال أن الأردن، وليس إسرائيل، هي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط. بالمناسبة، المقاربة الوحشية هنا ضد المتظاهرين، باستثناء المستوطنين، هي من نصيب الجميع، متظاهرو الاحتجاج الاجتماعي، المتظاهرون ضد الفساد ومتظاهرو الطائفة الاثيوبية. هكذا تكفي تغذيتنا بمقولة أننا لو كنا في دولة عربية لما كنا نستطيع التظاهر. هنا الأردن تفوق على إسرائيل، ملكه أكثر ديمقراطية، شرطته تدير حواراً محترماً مع المتظاهرين، أيضاً زي الشرطة الأردنيين ودي أكثر. هنا كل شرطي هو وحدة فولاذ متحركة.
إضافة إلى ذلك، الأردن الفقير بالموارد الطبيعية استوعب أكثر من مليون لاجىء سوري، وقبل ذلك عدداً مشابهاً من اللاجئين العراقيين، ولم يتم سماع أي احتجاج على فقدان الطابع الأردني للدولة. هكذا إذا كان هناك مثال يحتذى فإن الأردنيين هم المثال. في إسرائيل فقط 35 ألف لاجىء يثيرون في الدولة كل الشياطين العنصريين والدولة تقوم بإبعادهم إلى السجون، بعيداً عن العين وبعيداً عن القلب.
إضافة إلى ذلك، بعد الربيع العربي خسر الأردن حسب أقوال الملك عبد الله، 4 مليارات دولار بسبب وقف تزويد الغاز المصري والحروب المستمرة في سوريا والعراق التي تنهك اقتصاد الأردن.
الآن السعودية تريد إقناع الأردن بالموافقة على «صفقة القرن» التي اخترعها الأمريكيون. إذا تم تنفيذ هذا المشروع فإنه سيقوّض المملكة. هذا الأمر يشبه شخصا يريد منك بكل أدب أن توافق على أن يقتلك. وإذا قلت «لا» فغضب العالم كله سيصب عليك.
حسب التقارير في وسائل الإعلام، الأمير السعودي محمد بن سلمان وبّخ الملك عبد الله في زيارته الأخيرة إلى السعودية لأنه تجرأ على معارضة نقل السفارة الأمريكية إلى القدس. وحسب وسائل الإعلام، الأردن كان يجب أن يحصل من السعودية ودول الخليج على 5 مليارات دولار خلال خمس سنوات، لكن كل شيء توقف بتوجيهات من أعلى، في حين أن البنك الدولي الذي يتصرف مثل أزعر في السوق السوداء يريد أمواله الآن. الملك عبد الله غمز إلى أن جهات معينة قالت له إن الامور ستتحرك فقط إذا وافق على نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.
في الأردن الصفوف تزيد، القرارات الحكومية هذه المرة تمس الطبقة الوسطى، لكن عندما يخرج الناس إلى الشوارع فإن جرساً داخلياً يدق بقوة في أوساط جميع المتظاهرين وفي أوساط النظام أيضاً، بأن لا يتم تجاوز النقطة التي لا رجعة عنها. القصد هو عدم جعل الاحداث تشبه الاحداث التي جرت في الربيع العربي والتي دمرت دولاً وخلقت مآسي. في حديث مع وسائل الاعلام الأردنية، لم يحاول عبد الله حتى الغمز، مثل أي زعيم عربي آخر، بأن هناك مؤامرة خارجية ضده. الملك نسب كل الذنب للحكومة والفساد وكسل عدد من الوزراء (يا حسرة علينا، كلما كان الوزراء هنا أقل نجاعة، فإن العالم يبدو أجمل). إضافة إلى ذلك، قال عبد الله إن الأردن يجب عليه الحفاظ على نظام الأحزاب لأن هذه هي الطريقة الوحيدة من أجل الحفاظ على الاستقرار السياسي.
ها هم العرب، خلافاً لادعاء الفيلسوف هيغل، يتعلمون من التاريخ.
هآرتس 11/6/2018
عودة بشارات