عمان- «القدس العربي»: لا يمكن أردنيا إلا إظهار التقدير لـ «الفزعة» التي تتميز ببعض الغموض من النادي السعودي على أمل تمكين البلاد من تجاوز البعد المالي في الأزمة الاقتصادية التي شاهدها ثم إهتم بها العالم. ويقدر خبراء من طبقة رجال الدولة الأردنية بان «نوعية الحراك» الشعبي الأردني التي برزت مؤخرا من الصنف الذي «لفت « أنظار الجميع.
وكلمة الجميع هنا تعني تلك الدول «الغربية» تحديدا التي ترى أن مدنية الحراك معادل نقيض للعنف والفوضى في بلدان مجاورة للأردن. كما تعني بعض الدول الصديقة والخليجية تحديدا التي تقدر بان موجة «الربيع» برتقالية اللون ومدنية السلوك مؤخرا في الأردن يمكن ان تتحول إلى «خصم عنيد» أو «فيروس» يعيد بعض صور الربيع العربي وقد يعرقل مشاريع «الثورات المضادة». إنطلاقاً من هذا الفهم بدأت فعلاً عملية إقليمية ودولية للحفاظ على استقرار الأردن وعدم المجازفة بمشكلاته بعدما لمح الملك عبدالله الثاني شخصياً في مداخلة مثيرة جداً إلى أن عدم تمكن بلاده من معالجة الوضع المستجد قد يؤدي إلى «قفزة في المجهول».
لا أحد إطلاقاً في جوار الأردن له مصلحة بـ»المجهول الأردني» في الجوار الإقليمي لأنه مفتوح على كل الاحتمالات خصوصاً بعد هبة رمضان الحراكية الأخيرة. وعليه انشغل الجميع فعلاً بالأزمة الأردنية بعدما تمكنت الطبقة الوسطى الأردنية من إعادة إجلاس الدولة الأردنية «على الطاولة» إقليميا بعد فترة واسعة امتدت لأشهر من تجاهل تام مع إقصاء للدور الأردني. وإلتقط تلك الإشارة القيادي البارز في جماعة الإخوان المسلمين الأردنية الشيخ مراد العضايلة وهو يخاطب رئيس الوزراء المكلف الجديد الدكتور عمر الرزاز قائلاً: شعبنا قاد تفكيك العزلة المفروضة على البلاد فأعيدوا أنتم في الحكم له مكانته ودوره. وحتى رجال دوائر القرار في عمان «لا ينكرون» دور الحراك المدني الذكي والفاعل في استقطاب الإعلام ودوره في إخافة اصدقاء الأردن وحلفائه على الوضع العام في جغرافيا يمكن ان تـقلب كل المعـايير والمـوازين.
احتمالات عودة «الربيع»
وكذلك دوره في تحسب احتمالات عودة موجة ربيع باللون البرتقالي اليوم يمكن ان تهدد كل ترتيبات ما بعد الثورات المضادة على الربيع العربي السابق والتي قادتها علناً كل من السعودية والإمارات. وبكل حال أظهر الأردن «صلابة» غير متوقعة في الاتجاه المعاكس للهشاشة المفترضة حيث يهتف المتظاهرون للملك وللدولة وللعلم الأردني وهم في حالة اعتراض شديدة الاحتجاج وحيث رجال أمن ودرك يصطفون للصلاة في الميدان خلال شهر رمضان المبارك خلف إمام من المتظاهرين.
تلك الصلابة قد تكون فاجأت من يضمرون الخير أو الشر للأردن على حدٍ سواء وأسست لنموذج ناجح يمكن ان يعبر ويهدد دولاً أخرى في النموذج الحضاري المدني نفسه. النتيجة قرع حراك شباب الطبقى الوسطى في الأردن جرس الإنذار فتغير موقف صندوق النقد الدولي وعقد ما سمي باجتماع مكة. طبعاً مباشرة بعد صدور البيان الخاص باجتماع مكة الرباعي المخصص لدعم «الشقيق الأردني»، عبّر الشارع الأردني وفوراً عن الامتنان للمساعدة السعودية والخليجية حيث لا يمكن لأي عابث إلا التعبير عن الامتنان بصرف النظر عن حجم المساعدة ومستواها الضئيل وطبيعتها. ويبقى المهم ان الشعب الأردني شاهد فرِحاً ومسروراً الملك عبدالله الثاني يؤدي «عمرة سياسية» جديدة بامتياز محاطاً بعدد إضافي من رجال الحرس الوطني السعودية وبرفقته ولي عهده الأمير حسين بن عبدالله.
غاب هذا «الطقس الأخوي» مؤخرًا لعدة مواسم وعودته تؤذن عملياً بأن الحليفين السعودي والأردني في طريقهما للعودة والفضل قد يعود للحراك الشعبي وأداء الدولة الأردنية عندما أظهرا نموذجاً «مخيفاً» في حال تفعيله. وقبل ذلك لطبقة سياسيين قد يكون من بينهم رئيس الوزارة الجديد في الأردن عمر الرزاز ورئيس الوزارة المخضرم الأقدم عبد الكريم الكباريتي وهما يتحدثان عن معالجة سياسية للأزمة الاقتصادية عبر «الإنفتاح على آخرين» في الإقليم والمنطقة والمقصود طبعاً النظام السوري وإيران وتركيا.
«سحور مكة»
عقد «سحور مكة» بعد العمرة السياسية للملك عبدالله الثاني تماماً بعدما حصلت بعض المستجدات فقد أبرقت دمشق بعد الحراك الشعبي الأخيرة تقول بأنه لا مصلحة لها بالفوضى في الأردن وهي منفتحة على مقترحات تواصل من بينها مساهمة شركات أردنية في إعادة إعمار حلب.
وفي الطريق كان الرئيس رجب طيب اردوغان يتواصل هاتفياً مع ملك الأردن ويعرض اي أمكانية للمساعدة. حتى في إسرائيل تقلصت تلك الاصوات المغامرة التي تتحدث عن إستهداف المملكة بسبب شغبها في ملفات القدس. مهم في الأثناء ملاحظة أن عنصر «التأزيم» المفترض للعلاقة مع الأردن غاب عن المشهد فالأمير محمد بن سلمان لم يحضر اجتماع مكة والشيخ محمد بن زايد وضع الملف بين يدي صهر الأردنيين الشيخ محمد بن راشد والكويت تحمست للغاية وكانت صاحبة المبادرة والملك سلمان بن عبد العزيز هو من اتصل وبادر.
الأردن ذهب إلى «اجتماع مكة» مرتاحاً في الجزئية الأمنية ومزوداً بأقوى سلاح يتمثل في شعب متضامن مع دولته وقيادته حتى عند الاعتراض. وعليه اندفع لقاء مكة في اتجاه تقديم مساعدة مالية عاجلة للأردن تقول تفصيلاتها بأنها برمجت على قاعدة «لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم» بمعنى ان المطلوب من الأردن أن لا ينهار اقتصادياً ولا يشعر بـ «الشبع» كما يقول المحلل الإعلامي ناصر قمش وهو يحاول قراءة وتحليل تداعيات اجتماع مكة مع «القدس العربي».
في رأي قمش ثمة ما هو مطلوب سياسياً من الأردن في مساحات محددة من بينها إيران وسوريا واليمن. لكن الوقت لا يتسع لمناقشة مثل هذه الأجندة السياسية في الأردن وإن كان مبلغ المليارين ونصف المليار دولار والتي قدمت كمساعدة عاجلة يساعد في وقف تدهور الأزمة المالية الجديدة ويساند تجربة رئيس الوزراء الجديد لكنه مبلغ لا يؤدي لفارق كبير وعميق في معادلة الاقتصاد الأردني خصوصاً أن اجتماعات مكة تغيب عنها الأمير الشاب بن سلمان حتى بصفته الرئيس المكلف بما سمي قبل ثلاث سنوات مجلس التنسيق الثنائي المشترك.