احتجاج آلاف المتظاهرين في الأردن هو ذروة أزمة سياسية في المملكة تطورت منذ كانون الثاني/يناير 2018. الاحتجاج موجه ضد نية الحكومة تطبيق جباية ضرائب بصورة مشددة ورفع نسبة الضرائب وأسعار سلع مختلفة.
إن إقالة رئيس الحكومة هاني الملقي ربما ستهدىء لفترة قصيرة، لكنها لن تحل المشكلة الأساسية التي يجب على الملك وعلى كل رئيس حكومة يقوم بتعيينه مواجهتها: كيف يتم تخليص الأردن من الحلقة المفرغة لتراكم الديون وقدرة متضائلة على سدادها. توجد لإسرائيل مصلحة كبيرة في استقرار الأردن ونظامه، على الرغم من السلوك العلني للأردن في الساحة الدولية في موضوع النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني الذي يثير غضبها. من المهم الإشارة إلى الإسهام المباشر وغير المباشر في أمن إسرائيل الذي تمثل في السنوات الاخيرة بكون الأردن منطقة فاصلة بين إسرائيل وداعش.
إسرائيل يمكنها ويجب عليها مساعدة الأردن اقتصاديا عن طريق التعاون في مجال الصناعة والتجارة والمياه والزراعة والكهرباء. منذ بضعة أيام يتظاهر آلاف الأردنيين ضد الحكومة وضد هاني الملقي الذي ترأسها حتى الرابع من حزيران/يونيو.
المتظاهرون يحتجون على نية الحكومة فرض جباية ضرائب أكثر تشدداً ورفع نسب الضرائب وأسعار سلع الطلب عليها غير مرن تقريبا. منها الكهرباء والوقود. المتظاهرون يطالبون باستقالة الحكومة وإلغاء التعديلات المقترحة من قبلها.
رئيس الحكومة تمت إقالته، وفي هذه المرحلة جنّد الملك تطبيق قرارات الحكومة، لكن الضائقة المالية والنقدية بقيت على حالها ومثلها أيضاً المعضلة التي تواجه النظام وهي كيفية التغلب عليها.
في دولة عديمة مصادر دخل هامة مثل الموارد الطبيعية أو صناعة متقدمة، الأردن يعتمد على المساعدات المالية الخارجية التي مصدرها في الاساس الولايات المتحدة وعدد من الدول الاوروبية والدول العربية المنتجة للنفط في الخليج واليابان ومؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي. ازاء الزيادة في نفقات الحكومة كأكبر مشغل في السوق الأردنية، يضاف إلى ذلك العبء المرتبط باستيعاب مليون ونصف لاجيء سوري والوقف شبه التام للمساعدة من دول الخليج وعبء الدين الملقى على الأردن، زاد إلى درجة عدم القدرة على تسديد الدين. في 2016 أجرى صندوق النقد الدولي مفاوضات مطولة مع الأردن، تم اجمالها باستعداد الأردن لتبني عدد من الخطوات المالية، التي تستهدف مواجهة عبء الدين الحكومي، الذي يبلغ 40 مليار دولار، أو حسب تقديرات أخرى، 95 في المئة من الانتاج المحلي الخام. المشكلة التي تواجه دولاً مثل الأردن ليست حجم الدين فقط، بل القدرة على التسديد. في الولايات المتحدة مثلا نسبة الدين للناتج الاجمالي المحلي تصل إلى 105 في المئة. ولكن القليلين يشكّكون في قدرة الولايات المتحدة على التسديد. في تموز/يوليو 2017 عاد صندوق النقد الدولي لمناقشة وضع الأردن. القلق من وضع الأردن ظهر من الصيغة المعتدلة للبيان الذي أُعطي لوسائل الاعلام بعد النقاش. في هذا البيان تمت الاشارة إلى بطالة (رسمية) تقدر بـ 18.2 في المئة (استطلاعات مختلفة تشير إلى بطالة أكثر من 30 في المئة في أوساط أبناء جيل 30 فما فوق وفي أوساط النساء)، وإبطاء المساعدة من دول الخليج وعبء اللاجئين السوريين. إدارة الصندوق زادت حدة الرسالة التي أرسلتها إلى السلطات في الأردن قبل سنة من أجل الحاجة إلى الغاء المعفيين من دفع ضريبة الاستيراد وضريبة البيع (المعروفة في إسرائيل بضريبة القيمة المضافة)، وكذلك ضرورة تحسين وتعميق جباية الضرائب وتقليص نفقات الحكومة.
هذه التوصيات وغيرها دفعت الحكومة الأردنية إلى تبني جزء منها في بداية 2018. في كانون الثاني/يناير تم توحيد المستويات الدنيا لضريبة البيع من 8 – 14 في المئة إلى مستوى 10 في المئة، ورفع الضريبة على الوقود والسجائر. وبعد بضعة أيام تم إلغاء الدعم على الطحين. خطوة مشابهة أدت في العام 1996 إلى المظاهرات والاضطرابات على أرض المملكة.
فعلياً، منذ كانون الثاني/يناير 2018 ثارت النيران السياسية في الأردن ووصلت إلى نقطة الغليان عندما قدمت الحكومة مشروع القانون الذي تضمن التغييرات في ضريبة الدخل (تحديد عتبة 7 آلاف دينار أي ما يعادل 11 ألف دولار لبداية فرض الضريبة، رفع ضريبة الشركات من 35 إلى 40 في المئة، اضافة إلى رفع ضرائب أخرى)، للمصادقة عليه من مجلس النواب والأعيان.
مظاهرات غير مسبوقة
هذه كانت الإشارة لاندلاع المظاهرات بحجم لم يعرف الأردن مثله منذ سنوات كثيرة. المظاهرات التي نظم معظمها من قبل النقابات المهنية جرت عشرات آلاف المشاركين وتميزت بأمرين: ركزت على مشروع القانون وعلى رئيس الحكومة. ولم تكن عنيفة سواء من ناحية المتظاهرين أو من ناحية قوات الامن، والتي كالعادة في أوضاع كهذه تواجدت بأعداد كبيرة. المتظاهرون لم يرفعوا شعارات ولم يطلقوا نداءات ضد الملك. إضافة إلى ذلك، صورة ولي العهد، الأمير حسين بن عبد الله، وهو يتواجد في إحدى المظاهرات في الدوار الرابع في عمان، ظهرت في الشبكات الاجتماعية. هذه الميزات تقود إلى استنتاج بأن النظام لا يواجه خطراً. رغم أنه يقف في امتحان جدي يتعلق بالقدرة على الخروج من وضع سبق للأردن أن وجد نفسه فيه في السابق.
ولكن أبعاد الازمة الحالية أكبر بأضعاف من السابق بالنسبة لعوامله الاقتصادية. يشار إلى أنه في أعقاب مظاهرات «الربيع العربي» التي جرت في الأردن في 20112012 (التي لا توجد علاقة بينها وبين المظاهرات الحالية) تم تغيير البرلمان الأردني كجزء من الإصلاحات التي وافق عليها الملك نتيجة لذلك. النظام يحظى بقدرة قليلة على المناورة والتأثير على قراراته بالنسبة للماضي. قبل إقالة رئيس الحكومة اقترح رئيس البرلمان على الملك عقد جلسة طارئة بعد أن يتم إسقاط مشروع القرار بالتصويت. هذا، وبعد أن أعلن 90 عضواً من بين الـ 130 نائباً في البرلمان أنهم سيصوتون ضد مشروع القرار. يصعب علينا تذكر وضع فيه البرلمان الأردني يسقط تبني خط اقتصادي حكومي، الذي لا يوجد شك في أن الملك أعطى موافقته عليه.
إقالة مهدئة
إن اقالة رئيس الحكومة هاني الملقي ربما تهدئ لفترة قصيرة الوضع، لكنها لن تحل المشكلة الاساسية التي يجب على الملك وكل رئيس حكومة يعينه مواجهتها: كيفية تخلص الأردن من الدائرة المفرغة لتراكم الديون وتضاؤل القدرة على السداد. الحل في المستويات الثلاثةالقصير والمتوسط والبعيديوجد في جزء منه في الأردن وفي جزء آخر في المجتمع الدولي. لا يوجد بديل للأردن، لكل تنوع طيفه الديموغرافي والاقتصادي، لا يتضمن مكونات دواء صندوق النقد الدولي. يمكن تمديد تطبيق السياسة التي يطالب بها الصندوق على مدى فترة طويلة أكثر، لكن ليس هناك حل سحري آخر. أيضاً لنقابة الأطباء ونقابة المهندسين ونقابة المحامين في الأردن لا يوجد حل راديكالي آخر، ومن المعقول الافتراض أنه خلال الحوار الذي يجرونه مع الملك والحكومة الجديدة سيتوصلون إلى تسويات لا تبتعد بصورة جوهرية عن وصفة صندوق النقد الدولي.
يوجد للمجتمع الدولي بالطبع دور مركزي في تعافي الوضع الاقتصادي للأردن. توجد للدول العربية المنتجة للنفط مصلحة واضحة في استقرار الأردن. رغم الانخفاض المتراكم في أسعار النفط، من 100 دولار للبرميل إلى اقل من 70 دولاراً حسب السعر الحالي، توجد لهذه الدول قدرة على تجديد المساعدات المالية السنوية للأردنفي 2011 قررت منظمة التعاون لدول الخليج منح الأردن 5 مليارات دولار على مدى خمس سنوات. يمكن مساعدة الأردن من قبل منظمات مختلفة من أجل التسهيل عليه لاستيعاب اللاجئين السوريين. على ضوء وضوح الوضع البائس بأنهم لا ينوون العودة إلى بلادهم في المستقبل القريب. المجتمع الدولي يجب بناء على ذلك الاستعداد لحلول دائمة للاجئين في أماكن تواجدهم الحالية، وفي هذا الاطار زيادة المساعدة للدول المستضيفة ومنها الأردن. توجد لإسرائيل مصلحة كبيرة في الحفاظ على استقرار الأردن والنظام فيه. على الرغم من سلوك الأردن العلني في الساحة الدولية في موضوع النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني والذي يثير غضب إسرائيل. من المهم الاشارة إلى المساعدة المباشرة وغير المباشرة لأمن إسرائيل، التي تمثلت في السنوات الاخيرة بكونه منطقة فاصلة بين إسرائيل وتنظيم الدولة الاسلامية (داعش). إسرائيل يمكنها مساعدة اقتصاد الأردن وميزانيته، مثلا من خلال استيراد منتجات اقتصادية وصناعية من الأردن مثل الاسمنت بكميات أكبر، خفض أسعار المياه المباعة للأردن، نقل جزء من التصدير إلى الشرق الاقصى عبر ميناء العقبة والاستعداد لشراء كهرباء مولدة بالطاقة الشمسية من الأردن. السياحة هي مصدر دخل هام بالنسبة للأردن ومجال يمكن للتعاون بين الدولتين أن يرفع العدد الاجمالي للسياح الذين يأتون إلى المنطقة.
نظرة عليا 12/6/2018
عوديد عيران