القاهرة ـ «القدس العربي»: حمل تشكيل الحكومة المصرية الجديدة، أمس الخميس، العديد من المفاجآت، أبرزها تغيير وزيري الدفاع والداخلية، فيما يبدو أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يحاول الاستحواذ بشكل حديدي على الوزارات السيادية، خاصة الأمنية منها.
حكومة مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أدت اليمين الدستورية أمام السيسي. وشمل التغيير 12 وزارة، هي إضافة إلى الدفاع والداخلية، الصحة، والبيئة، والزراعة، والمالية، والتجارة والصناعة، والتنمية المحلية، والطيران، والشباب والرياضة، والاتصالات، وقطاع الأعمال العام.
وجاء في التشكيل الجديد تعيين محمد معيط، وزيرا للمالية، ويونس المصري وزيرا للطيران المدني، وعمرو طلعت وزيرا للاتصالات، وهالة زايد لوزارة الصحة.
وضم التشكيل أشرف صبحي وزيرا للشباب والرياضة، وعمرو نصار وزيرا للتجارة والصناعة، وعبد العزيز أبو ستيت وزيرا للزراعة، وهشام توفيق وزيرا لقطاع الأعمال العام، ومحمود شعراوي وزيرا للتنمية المحلية، وياسمين فؤاد وزيرة للبيئة.
والحكومة الجديدة هي الأولى في الولاية الثانية للسيسي، والثالثة منذ توليه مهام منصبه رئيسًا للبلاد، حيث سبقتها اثنتان في الولاية الأولى (2018 -2014) حيث تولى إبراهيم محلب رئاسة الحكومة (من يونيو/حزيران 2014 حتى سبتمبر/ أيلول 2015)، ثم شريف إسماعيل الذي أجرى 4 تعديلات وزارية آخرها في يناير/كانون الثاني الماضي.
وكانت استقالة حكومة إسماعيل خطوة متوقعة، قبيل تشكيل حكومة جديدة بعد فوز السيسي بفترة رئاسية ثانية في الانتخابات التي جرت في مارس/آذار الماضي.
وأثار تغيير وزير الدفاع جدلاً واسعا، خاصة أن الدستور الذي استفتى عليه الشعب المصري عام 2013، ينص في مادته 234 على :»يكون تعيين وزير الدفاع بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وتسري أحكام هذه المادة لدورتين رئاسيتين كاملتين اعتبارا من تاريخ العمل بالدستور».
وحسب ما نقلت مواقع إخبارية معارضة عن مصادر ، فإن «إعداد هذه المادة كان من أجل السيسي، إبان توليه وزارة الدفاع، وعدم رغبته في الترشح لرئاسة الجمهورية، ومن ثم تحصين وجوده في الوزارة خشية أن يأتي أحد المرشحين وينجح في الانتخابات ويقوم بالإطاحة به، إلا أن هذا السيناريو انتهى خاصة أن السيسي تراجع عن رغبته وترشح للرئاسة وفاز بها لمرتين حتى الآن».
البعض أعتبر أن المادة لا تتيح للسيسي الإطاحة بصدقي صبحي، لأنها نصت بشكل صريح على دورتين رئاسيتين، فيما رأى آخرون أن المادة اشترطت موافقة المجلس العسكري على التغيير، وفي حال موافقته يمكن للرئيس الإطاحة بصدقي صبحي، ما يعني أن السيسي حصل على موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة لتعيين وزير دفاع جديد.
«دولة الفجور»
وكتب يحيى القزاز، استاذ الجيولوجيا في جامعة حلوان والمعارض المصري، على صفحته الرسمية على «الفيسبوك»: «وزير الدفاع لم يعف اليوم من منصبه، بل أعفي يوم وافق على التفريط في جزيرتي تيران وصنافير وظل جثمانا محنطا في موقعه. واليوم أزيح من موقعه.. تلك هي الحقيقة».
وأضاف إن «تغيير وزير الدفاع فيه تحد صارخ للدستور، وإعلان سافر لدولة الفجور، أو بالدقة فإن السيسي يعلن أنه هو الدولة والدولة هي هو».
وأوضح أن كلامه ليس حبا ولا تعاطفا مع الفريق أول صدقي صبحي، لكنه «ملاحظة دستورية هامة تجاوزها السيسي».
وتابع: «الدستور يحصن منصب وزير الدفاع لمدتين رئاسيتين لم ينقض منهما إلا واحدة. عموما ليست المرة الأولى التي يعتدي فيها السيسي على الدستور، لكنها المرة الأوضح والأوقح التي لا لبس فيها، والحقيقة أن وزير الدفاع صدقي صبحي عزل عن منصبه ليس اليوم بل منذ وقوفه بجوار السيسي متخليا عن تاريخ وشرف العسكرية المصرية متواطئا مع السيسي وموافقا له في التفريط في جزيرتي تيران وصنافير».
السيسي استقبل صبحي و«تقدم بخالص الشكر» له، وفق ما أعلن السفير بسام راضي، المتحدث الرسمي بااسم رئاسة الجمهورية ، مشيراً إلى أن الرئيس المصري أشاد بـ»الجهود الكبيرة والمخلصة التي تم بذلها خلال المرحلة الماضية على صعيد مكافحة الإرهاب وترسيخ الاستقرار في مصر، ومؤكداً تقدير سيادته والشعب المصري لما يبذله رجال القوات المسلحة من جهود وتضحيات للحفاظ على أمن الوطن واستقراره والإصرار على اقتلاع جذور الإرهاب».
وحضر اللقاء الفريق محمد زكي، وزير الدفاع الجديد، حيث أعرب السيسي «عن تمنياته له بالتوفيق والنجاح في أداء مهام منصبه الجديد».
وكان قد شغل منصب قائد قوات الحرس الجمهوري في 8 أغسطس/ آب2012 في عهد الرئيس الأسبق محمد مرسي، ويعد شاهدا رئيسيا بحكم منصبه، في قضية التخابر المتهم بها مرسي وآخرون، وكان قد تمت ترقيته بقرار من السيسي في يناير/ كانون الثاني 2017.
وذهب البعض إلى أن الإطاحة بصبحي حلقة من حلقات تخلص السيسي من قيادات الجيش، حيث سبق وأصدر في أكتوبر/ تشرين الأول، قراراً بتعيين الفريق محمد فريد حجازي رئيساً لأركان حرب القوات المسلحة، خلفا لصهره الفريق محمود إبراهيم حجازي، الذي شغل المنصب منذ مارس/ آذار عام 2014.
وزير للقمع
المفاجأة الثانية التي تضمنها التشكيل الجديد، تمثلت في الإطاحة باللواء مجدي عبد الغفار من منصب وزير الداخلية، وتعيين وكيل جهاز الأمن الوطني اللواء محمود توفيق خلفا له.
ويأتي اختيار وزير الداخلية الجديد من جهاز الأمن الوطني، في وقت يخشى النظام المصري من خروج احتجاجات شعبية على القرارات الاقتصادية المتلاحقة التي يتخذها تنفيذا لشروط البنك الدولي برفع الدعم عن السلع الاستراتيجية مقابل الحصول على قرض قيمته 12 مليار دولار، فرغم قرار النظام المصري بزيادة أسعار تذاكر قطارات الأنفاق والكهرباء، إلا أن النظام يستعد لاتخاذ قرار هو الأكثر صعوبة على المواطنين يتمثل في زيادة أسعار الوقود، ما سيؤدي بالضرورة لزيادة أسعار المواصلات والسلع، ويخشى النظام من أن تشهد مصر احتجاجات شعبية شبيهة بما شهدها الأردن خلال الأسابيع الماضية. وكتب عماد حمدي القيادي في حزب «تيار الكرامة» على صفحته الرسمية على «الفيسبوك»، أن «النظام اختار وكيل جهاز الأمن الوطني لتولي مسؤولية وزارة الداخلية، في ظل استعداده لفرض إجراءات اقتصادية بمنتهى القسوة وعزمه قمع أي اعتراضات عليها، وبالتالي فإن اختيار وكيل جهاز الأمن الوطني هو الأنسب لقمع أي اعتراضات محتملة». وشغل توفيق العديد من المناصب حتى وصل إلى منصب مساعد الوزير لقطاع الأمن الوطني، منذ أن تخرج في كلية الشرطة عام 1981 وعمل في عدد من قطاعات الوزارة حتى التحق بقطاع الأمن الوطني وتدرج في المناصب حتى شغل منصب وكيل جهاز الأمن الوطني.
مرحلة جديدة
الخبير العسكري المصري البارز، اللواء المتقاعد طلعت مسلم، قال إن تغيير وزيري الدفاع والداخلية «لم يكن متوقعا، وأعتقد أن هذا تعبير عن مرحلة جديدة من استراتيجية الأمن».
هذا التغيير، وفق المصدر «يؤكد أن الرئيس السيسي رغم علاقاته القوية بالفريق أول صدقي صبحي ليس لأحد عنده فواتير يسددها (أي مجاملات) وفعلا الأمر مع رئيس الأركان الفريق محمود حجازي (أقاله منذ أشهر) رغم صلة النسب بينهما، وكذلك أجرى تغييرات سابقة في الجيش». أما المحلل السياسي حسن نافعة، فبين أن إقدام السيسي على هذا التغيير في هاتين المؤسستين، يشير الى أمرين، أن «هناك عدم رضا أو مقدمة لتغيير في السياسيات لا سيما الداخلية»
وأضاف أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، أن «اختيار السيسي لقائد الحرس الجمهوري وزيرا للدفاع، هو استمرار لاختيارات رئاسية تختار الأقرب شخصيا، على نحو ما رأينا في تعيين مدير مكتبه الرئاسي عباس كامل قائما بأعمال رئيس المخابرات العامة مؤخرا، وكذلك الأمر في اختيار شخصية من قطاع الأمن الوطني الأهم في البلاد».
خلاف داخلي
واستدرك «لكن في ظل غياب المعلومات وعدم الشفافية فالاحتمالات في هذا السياق كثيرة يمكن أن تفتح تساؤلات مشروعة عن وجود خلاف داخلي، أم أن هناك ارتباطا بين هذا التغيير وإقدام السيسي على ما تحدث عنه مؤخرا من تنمية للحياة السياسية وإصلاح لها وفتح الباب لكل المصريين باستثناء من انخرطوا في عنف».
ورأى أن «كل شيء وارد في مصر بما فيه التحضير لما بعد الولاية الثانية والأخيرة للسيسي بحسب الدستور، وإمكانية تحضير صدقي صبحي لرئاسة البلاد أو تعديل الدستور بخصوص فترة الرئاسة أو مدتها».
اللواء المتقاعد، علاء عز الدين، المدير السابق لمركز الدراسات الاستراتيجية في أكاديمية ناصر العسكرية (رسمية) أعتبر أن هذا التغيير «أمر طبيعي جدا قائم على تداول السلطة وتجديد الدماء والأفكار والتطوير ولا يحمل أي دلالة أخرى».
وأكد أن «وزيري الداخلية والدفاع قدما إنجازات كبيرة في مجال الأمن في عهدهما»، مستدركا «لكن المسألة لا تتوقف على النجاح فقط ولكن تجديد الدماء، وتوراث الأجيال وبالتالي ليس مفأجاة».
ومن مفاجآت تشكيل الحكومة أيضاً، تسلّم اللواء محمود شعراوي وزارة التنمية المحلية، رغم أن الأخير كان قد أقيل من منصبه كرئيس للأمن الوطني. ففي أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أصدر وزير الداخلية عدة قرارات شملت إقالة شعراوي، واللواء هشام العراقي مساعد الوزير لقطاع أمن الجيزة. كما تمت إقالة مدير إدارة الأمن الوطني في الجيزة، ومدير إدارة العمليات الخاصة في الأمن المركزي آنذاك.
ضمت المفاجآت ايضاً، احتفاظ رئيس الوزراء لأول مرة في مصر بوزارته، حيث احتفظ مصطفى مدبولي بوزارة الإسكان، فيما تفاجأ الجميع باستمرار علي المصيلحي وزيرا للتموين، رغم أزمة رشوة مستشاريه، في القضية المعروفة إعلاميًا «رشوة التموين».
رجال البنك الدولي
وتولى محمد معيط، نائب وزير المالية في الحكومة المنتهية ولايتها، قيادة الوزارة ليحل محل عمرو الجارحي الذي ساعد في توجيه الإصلاحات الاقتصادية المرتبطة بقرض قيمته 12 مليار دولار يقدمه صندوق النقد لمصر على مدار ثلاث سنوات. وبدأ برنامج الصندوق في أواخر 2016 مع تعويم للجنيه المصري، الذي انخفضت قيمته إلى النصف مما أثر بشدة على المواطن العادي. ويشيد صندوق النقد بالإصلاحات، ويرى خبراء اقتصاديون بارقة أمل في إنعاش الاقتصاد الذي تحسن ناتجه المحلي الإجمالي في الآونة الأخيرة مقارنة بالسنوات السابقة.
وتأمل مصر كذلك في جذب مزيد من الاستثمارات في قطاع الطاقة، وتريد أن تصبح مركزا لتصدير الغاز الطبيعي إلى أوروبا بعد اكتشاف مكامن بحرية ضخمة من الغاز.
بيد أن الإصلاحات الأخرى المتوقعة في ظل الحكومة الجديدة، مثل خفض دعم الوقود، ستغضب المصريين على الأرجح.
وسببت زيادة حادة في سعر تذاكر مترو الأنفاق في القاهرة والذي يستخدمه ملايين المصريين استياء عاما، إذ نظمت احتجاجات عفوية خارج محطات المترو الشهر الماضي. وألقت الشرطة القبض على عدد من الأشخاص.
وحظرت مصر المظاهرات في 2013، وألزمت الذين يريدون تنظيم احتجاجات بالحصول على إذن من وزارة الداخلية.