تونس ـ «القدس العربي»: يشكل النشاط الزائد عند الأطفال أكبر التحديات التي تواجه الأسر مع أطفالهم، إذ يزداد نشاط أبنائهم في سنوات نموهم الأولى وبالتحديد مع بداية تعلم الطفل المشي والسير وأثناء اكتشافه لمحيطه الخارجي. ولكن يصبح هذا السلوك مشكلة تؤرق الأمهات عندما لا يقدرن على التحكم في نشاط أطفالهن وذلك مع بروز أعراض أخرى تنبئ بأن الطفل يعاني مشكلة نفسية وان حركته الزائدة ليست مجرد نشاط أو حيوية طبيعية. والسؤال الذي يطرح نفسه هو، كيف يمكن التفريق بين النشاط الزائد الطبيعي وبين مرض فرط الحركة وتشتت الانتباه الذي بدأ يشهد ارتفاعا ملحوظا خلال السنوات الماضية بسبب تأثيرات عديدة متصلة بنوعية الحياة الحديثة التي نعيشها؟
تشتت الانتباه
علميا، يعرف علم النفس فرط الحركة بأنه حالة بدنية يكون فيها الفرد نشيطا بصورة غير طبيعية. أما نقص الانتباه مع فرط النشاط فهو اضطراب نفسي من نوع تأخر النمو العصبي يبدأ في مرحلة الطفولة عند الإنسان، وهي تسبب نموذجا من تصرفات تجعل الطفل غير قادر على إتباع الأوامر أو على السيطرة على تصرفاته. وتقول الدراسات ان عدد المصابين بهذا المرض يصل إلى حوالي 5 في المئة حول العالم.
وتقول الدكتورة ايمان بوغانمي الاخصائية التونسية في طب نفس الأطفال لـ «القدس العربي» انه ليس من السهل على الأسرة اكتشاف الفرق بين النشاط الطبيعي أو الزائد عند أطفالها وبين مرض «فرط الحركة وتشتت الانتباه» وفي الغالب فان توصيف المرض يبدأ بعد العامين من حياة الطفل حينما تبرز بقوة أعراض هذا المرض. وتضيف: «فمن الطبيعي مع نمو الطفل ان تزداد حركته ونشاطه من أجل اكتشاف محيطه الخارجي والاجتماعي، ولكن هناك أعراضا معينة نستطيع من خلالها التفريق بين الحيوية والنشاط الطبيعي وبين المرض الذي يتطلب متابعة مع مختصين. فبعض الأطفال قد تكون حركتهم في حدود المستوى الطبيعي ولكن هناك عوامل خارجية مؤثرة قد تكون خلقت لديهم اضطرابا يحدث الحركة الزائدة مثل نقص التواصل مع العائلة أو ضيق مساحات اللعب أو عدم وجود نشاطات رياضية وترفيهية ينفس خلالها الأطفال عن طاقاتهم ونشاطهم وتسبب حركتهم الزائدة مصدر إزعاج للمحيطين به». وتتابع الدكتورة: «هنا نتحدث عن أسباب الحركة الزائدة عن الطفل العادي ولكن عندما نقول مرض فرط الحركة وتشتت الانتباه فإننا نعني بذلك مجموعة عوامل نفسية ووراثية قد تؤدي إلى وجود المرض الذي ينتشر أكثر لدى الذكور من الإناث».
وحسب محدثتنا فإن لا يمكن اعتبار الطفل يعاني مشكلة سلوكية إلا بتوفر عدة أعراض تترافق مع زيادة الحركة لديه مثل قلة الانتباه والتركيز والشرود طويلا وعدم قدرته على انهاء نشاط معين لمدة زمنية وانتقاله بشكل تلقائي إلى نشــاط آخر بسبب احساسه بالملل وأيضا نسيان أين يضع أغراضه أو ألعابه. ومن الأعراض أيضا الاندفاع وعدم قدرة المريض على انتظار دوره في نشاط ما».
اما عن الأسباب فقالت: «هناك أسباب نفسية وعوامل خارجية قد تزيد حالات الإصابة بهذا المرض مثل مشاهدة التلفزيون واستعمال الالكترونيات الحديثة في سن مبكرة وما تحمله من تأثيرات على دماغ الطفل في مراحل النمو المبكرة وخاصة خلال الأعوام الأولى من عمر الطفل. من شأن كل هذه العوامل ان تؤثر بشكل مباشر على ازدياد الحركة وعلى ظهور هذا المرض بمستويات متعددة». وتتابع: «فهناك أطفال قد يتضررون من مشاهدة التلفزيون أو استعمال الهواتف الذكية أكثر من أندادهم». وتضيف ان هناك عوامل وراثية تلعب دورا أيضا مثل الإصابة بالأنيميا الوراثية أو ضعف الغدة الدرقية ونقص السكر في الدم. إضافة إلى عوامل نفسية قد تكون لها علاقة بالتفكك الأسري أو العنف في المحيط العائلي».
أي حلول
تؤكد بوغانمي ان المرض «فرط الحركة وتشتت الانتباه» يحمل تأثيرات سلبية على الدراسة والتعلم لدى الطفل. وتشدد على أهمية البدء بالعلاج في سن مبكرة وتضيف بالقول: «التشخيص المبكر للمرض يساعد على سرعة الشفاء. لكن الوقاية هي أهم من العلاج، لذلك فإن تجنب استخدام الوسائل الالكترونية الحديثة والألعاب الالكترونية هو أهم خطوة في هذا المسار. إذ يمنع منعا باتا مشاهدة التلفزيون وقنوات الأطفال قبل عمر العامين. وبعد العامين تصبح مشاهدة التلفزيون مسموحة لنصف ساعة في اليوم في المقابل فان ممارسة النشاطات البدنية والرياضية تساعد كثيرا في العلاج».
من ناحية أخرى يجب إبعاد الطفل عن الأغذية المصنعة والتي تحتوي على مواد معدلة وراثيا أو ملونات طبيعية واتباع غذاء صحي قائم على تناول الخضر والفواكه وكذلك الأسماك التي تحتوي على مادة الأوميغا 3. كما يمكن تناول هذه المادة كعقاقير موجودة في الصيدليات.
ولكن الأهم – بالنسبة لمحدثتنا – هو دور العائلة في العلاج من خلال إعطاء وقت أكثر للطفل وتقديم أفضل الرعاية النفسية والإحاطة اللازمة للمريض وعدم تعنيفه لان ذلك يمكن ان يسبب نتائج سلبية. وقالت ان دفء العائلة والتواصل الإيجابي مع الطفل يمثل الحصانة له من كل الأمراض النفسية الخطيرة التي بدأت تهدد مجتمعاتنا.
روعة قاسم