الرباط ـ «القدس العربي»: كثيرة هي الحكايات والأحجيات التي تحفل بشخصيات منقذة، بأبطال يغيرون أحوال الناس ويحققون أحلامهم في لمحة بصر، والثقافة المغربية لا تخلو من هذه الحكايات التي يخطف بها رواة، محترفون وهواة، انتباه الأطفال ويدهشونهم. غير أنه لم يحدث أن خطفت حكاية عقول آلاف الناس حتى صدقوها وساروا يبحثون عن «الكنز المنقذ» مسافة طويلة على الأقدام في يوم مشمس وهم صائمون، وبين الحشد اجتمعت كل الأعمار، أطفال وشيوخ وشباب. حدث هذا في صبيحة يوم 26 من رمضان، الذي يحمل رمزية في الثقاقة الدينية الشعبية، في قرية تدعى سرغينة، تقع وسط المغرب. المنطقة واسمها كثير من المغاربة لم يكن يعرفه، حتى طفت فجأة إحداثياتها على خريطة المغرب، وصارت حديث الناس عن حكاية بدأت بوعد مشوق واستفاق منها البطل بصوت أساور الدرك الملكي عوض الذهب، فماذا حدث؟
هناك كنز، وهذا الكنز يوجد في سفح جبل، في ضواحي سرغينة التابعة لبولمان. هذا ما راج طيلة أسبوعين في منطقة لا تبدو عليها آثار كنز التنمية الحكومي. انتشر الحلم بين الحالمين بنصيب من الثروة التي قيل لهم أنها ذهب يوجد في سفح الجبل، وكان الموعد هو 26 رمضان اليوم المثقل بتمثلاث دينية وثقافية كثيرة، للكشف عن الكنز الموعود. فحج الناس من كل فج عميق لجبال بولمان وحتى من خارج الإقليم ، واحتشد أزيد من خمسة آلاف مواطن ومواطنة، فخطب فيهم بطل الحكاية، وهو شاب في عقده الرابع، متزوج وأب لطفلين، كان يجوب البيوت بيتا بيتا ويخبرهم بحلمه وباليوم الموعود لتحققه ومن صدقه من الناس يرافقه لطرق أبواب أخرى، إلى أن وصل يوم الحقيقة فوقف يخطب في الناس على سفح الجبل قائلا أن الكنز الذي حدث به الناس هو أرفع قيمة من الذهب: «الناس يظنون أن الكنز الذي يوجد وسط الجبل هو ذهب، لكنني أقول أنه أكثر من الذهب، وهو ملك للعالم وليس فقط لساكنة سرغينة» يقول الشاب ملتحفا العلم الوطني للناس الذين احتشدوا في يوم ظنوا أنهم سيشيعون فيه الفقر إلى مثواه الأخير وستنفرج أزمات المغرب بلا مخططات حكومية ولا قروض لا حراكات اجتماعية.
الواصلون إلى الجبل وصلوا إليه بشق الأنفس نظرا لصعوبة تضاريس المنطقة وبعده عن قلب القرية حوالي عشرة كيلومترات، فقد توافد الناس على القرية منذ الليلة السابقة عن اليوم الموعود من مناطق مغربية عديدة تبعد عن سرغينة كيلومترات، غير أن الذين التفوا حول لحسن، وهو اسم المبشر بالكنز ويقطن في مدشر قريب من الجبل، هم فقط من استطاعوا تحمل عناء الرحلة الشاقة، أما الحشود الأخرى فقد حلت في القرية لكنها لم تصل إلى المكان. والمثير أن السلطات هي الأخرى سبقت إلى المكان بساعات قبل الموعد ولم تمنع الناس ولا لحسن الذي سبق أن تم توقيفه مرة واحدة خلال حملة الدعاية التي كان يديرها، وأخلي سبيله ليكمل حملته في أمان.
وجلس الناس ينصتون إلى بطل الحكاية، وهو يخبرهم أنه سيتوجه نحو المغارة التي يوجد فيها الكنز رفقة بعض أفراد عائلته الذين اختارهم من بين الحشد، وبعدها سيلتحق به الآخرون، هذا ما حدث بالفعل. وبعد عملية تنقيب طفيفة كتب لحسن على حجرة كبيرة كلمة «الله» وقال للناس: انظروا هذا هو الكنز، وأن المفاتيح التي كان يحكي عنها في روايته هم الآباء والأمهات، إذن فمن أراد معرفة الله عليه أن يبتغي رضى الوالدين كمفاتيح لهذا الكنز، ثم طلب من الناس مغادرة الجبل وكل واحد سيتوصل بنصيبه من الكنز في بيته. أخبر الناس أنه سيغادر رفقة العائلة والأقارب ثم يتبعه الباقي وهذا ما حدث حيث انتهى المشهد بانسحابه رفقة رجال الدرك الملكي، تم فتح تحقيق في القضية ووفق مصادر يقال أنه تم إيداعه مستشفى الأمراض العقلية بفاس.
المغارة التي كان يتحدث عنها بطل الحكاية لا أحد كان يراها حسب حفيظ تيليلوت وهو صحافي وناشط جمعوي في الإقليم، حضر الواقعة وقال لـ»القدس العربي» أن لحسن استطاع أن يقنع الناس أنه يرى أشياء لا يرونها، مؤكدا أن الحدث أثار ردة فعل وسط الفاعلين الجمعويين في المنطقة الذين استغربوا كيف ما زال الناس يصدقون روايات خرافية من هذا القبيل، كما نجمت عنه حالة تذمر وسط الساكنة بفعل السخرية التي نشبت على مواقع التواصل الاجتماعي وأساءت للمنطقة على حد قوله.
تيليلوت يقول، بالرغم من التناول الساخر للحدث ورغم ما يمكن أن يقال عن الشخص إلا أن لحسن «استطاع نسج سيناريو ذكي حول مكان حساس وهو مقلع للحصى يوجد بقلب الجبل» وغلبت الخرافة على الرسالة وهي لفت الانتباه إلى خيرات المنطقة المتمثلة في مقلع كبير فتح لحسن عينيه وأمضى معظم عمره وهو قبالة ذلك الجبل الذي يقابل مكان سكنه. يقول تيليلوت إن الحدث في العمق يعبر عن واقع اجتماعي ومعاناة بطريقة يتداخل فيها المعيش اليومي للساكنة مع المقدس الذي يرتبط برمزية ليلة القدر.
هذا الحدث استأثر بالنقاش على وسائل التواصل الاجتماعي لأنه كان الأبرز والمفاجئ فيما اعتاد الناس تداوله كلما حلت ليلة القدر وما يرافقها من طقوس جزء منها مرتبط بالتدين وآخر بالثقافة الشعبية عموما. وإلى جانب الكنز تشاطرت مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يتحدث مصوروه على ملائكة طافت سماء مدينة مكناس، الواقعة وسط المغرب. غير أن حكاية الكنز بعثت بشكل أقوى النقاش حول الواقع الاجتماعي للناس الذين آمنوا بمعجزة ستخرجهم من الفقر وحول الموروث الثقافي الذي يحفل بحكايات ووقائع التنقيب عن «الكنوز في المقابر التي يحرسها الجن» وعن «عقيدة المغارات» في الثقافة الشعبية المغربية والتي كتب عنها الأنثروبولوجي هنري باسي، دراسة في أواخر القرن التاسع عشر. نقاش يجمع بين الدراما والكوميديا في ختام ليالي رمضان التي كتب الكثيرون عن استيائهم مما تقدمه التلفزيونات المغربية خلالها، فكسرت مواقع التواصل الاجتماعي النمطية في «الفرجة» من خلال حــكــاية «مغارة سرغينة» وبطـلها الذي انتهى على غير ما تنتهي به عادة الحكايات التي تروى عن المنقذين وأصحاب «البركات».
سعيدة الكامل