قمة سنغافورة: كيم عاد محملا بالهدايا والشرعية وترامب بذكريات حبه مع الزعيم «الموهوب»

حجم الخط
0

يعني اسم جزيرة «سينتوسا» بلغة الملايو الهدوء والسلام، لكن خلف الوداعة التي تخفيها الفنادق وملاعب الغولف وأماكن الجذب السياحي التي يزورها حوالي 20 مليون سائح في العام، هناك تاريخ قاتم للجزيرة الصغيرة في سنغافورة التي كانت يوما جزءا من الفدرالية الماليزية. فقد كانت تعرف باسم «بولاو كالنغ ماتي» أي «جزيرة ما وراء الموت» ذلك أنها كانت في القرن التاسع عشر مقرا للقراصنة وفي القرن العشرين تحولت لقاعدة عسكرية بريطانية وسجنا جمعت فيه القوات اليابانية الغازية أسرى الحرب الصينيين في أثناء الحرب العالمية الثانية.
ولم تتحلل الجزيرة من تاريخها الأسود إلا في عام 1972 حيث استعادت اسمها الأول وقامت حكومة سنغافورة بتطويرها وتحويلها إلى منطقة سياحية. ومن هنا يضفي تاريخ الجزيرة دلالة رمزية على القمة «التاريخية» بين زعيم ما يطلق عليه العالم الحر، دونالد جي ترامب، رئيس الولايات المتحدة وكيم جونع أونغ ـ أون، سليل عائلة كيم التي تتوارث كوريا الشمالية.
فسنتوسا هي خلفية رمزية لعلاقة الحب التي نشأت بين ترامب وكيم وجاءت ضمن سياق تخليص شبه الجزيرة الكورية من أسلحتها النووية. والقمة القصيرة وإن خرجت باتفاقيات ودعوات للتعاون بين البلدين ودعوة أمريكية لكيم كي يزور واشنطن وأخرى لزيارة ترامب بيونغيانغ، عاصمة كوريا الشمالية، إلا أن خلف بريق قمة سنغافورة وما نظر إليه الكثير من المحللين على أنه برنامج من تلفزيون الواقع التي تخصص بها تاجر العقارات ترامب قبل وصوله إلى البيت الأبيض، غابت التفاصيل والأجندة حول كيفية تدمير البرامج النووية الكورية الشمالية وتبعات كل هذا على علاقة الولايات المتحدة بحلفائهم في كوريا الجنوبية الذين كانوا وراء هذه القمة، فلولا جهود المصالحة التي قام بها مون جا ـ إن لما حصلت القمة في المقام الأول. ولا بد من النظر للقمة بمثابة عرض مسرحي اكتمل بفيلم فيديو من 4 دقائق ترامب ـ كيم والعلاقات الجديدة بين البلدين، بل وتعامل ترامب مع كل القمة على أنها فرصة للاستثمار السياحي وبناء التجمعات السكنية على شواطئ كوريا الشمالية العذراء. والسؤال وسط «الصخب والضوضاء» هو ماذا بعد سنغافورة؟ فكعادة ترامب وبالضرورة إدارته تحدث بلغتين، تلك التي تعبر عنها المؤسسة الأمنية والعسكرية، أما الأخرى فهي الواردة في تصريحات ترامب وتغريداته آخر الليل. وعادة ما تتكيف المؤسسة مع رغبات الرئيس في النهاية. إلا أن خطورة قمة سنغافورة ليست نابعة من العمومية والضبابية حول المرحلة المقبلة، بل في تداعياتها على حلفاء أمريكا. فقد جاءت بعد المواجهة مع حلفاء أمريكا التقليديين في قمة الدول السبع الكبرى وتهديد ترامب بفرض تعرفة جمركية على الفولاذ والألمنيوم وما تبع ذلك من تغريدات ناقدة لرئيس الوزراء الكندي جاستين ترودو الذي وصف بـ «الضعيف والمخادع» في تغريدة للرئيس الأمريكي.

من القزم إلى المحبوب

وعلى العموم فالنظرة العامة للقمة هي أن ترامب منح الرئيس الذي كان يصفه بالمجنون والمتهور و«الرجل القزم» وهدد بتدميره شرعية دولية وخروجا من حالة «المنبوذ» التي عاشتها كوريا الشمالية. وفجأة وجد كيم نفسه رمزا على الساحة الدولية، الكل يتودد له ويريد مقابلته بل وشوهد وهو يتجول في شوارع الجزيرة وينظر لسيارة ليموزين ترامب. وخلف كل الصورة، فالصين هي الرابح الأول من القمة، خاصة أن كيم قام بأول زيارتين للعالم الخارجي منذ توليه الحكم عام 2011 وظلت الصين راعيته والمسؤولة عن غالبية تجارة كوريا مع العالم الخارجي.

تنازلات

ولهذا رأت صحيفة «الغارديان» (12/6/2018) أن ترامب قدم لكيم تنازلات كبيرة مقابل أشياء قليلة. وكما قال معلق بلغة حادة إن اللقاء الذي جاء من أجل حل الملف النووي الكوري بدا «كحفلة ترحيب كبيرة لنادي تسلح نووي» وقدم فيها ترامب الهدية وراء الهدية مقابل إرضاء ذاته المتضخمة و «لم يكن يعرف أو مهتما في أن بلاده عادت أفقر من رحلة الذهاب» وكانت اللغة في البيانات أضعف من محاولات أمريكية سابقة مع كوريا الشمالية بفارق وحيد وهي أنها تملك برنامجا نوويا متقدما. وكعادته في ضرب حلفائه استجاب ترامب لمطلب كيم وقف المناورات العسكرية مع الكوريين الجنوبيين بل وألمح لسحب القوات الأمريكية التي يظل وجودها ورقة ضغط في أي مفاوضات. وربما كانت القمة نتاجا للخطاب الحربي الذي تبناه ترامب ضد كيم «الموهوب» الذي يقوم بمهمة صعبة لإدارة البلد. ولم يكن لترامب على ما يبدو الوقت لكي يؤكد موقف بلاده الدائم من المشروع النووي وضرورة وقفه بشكل كامل والتأكد من التخلص منه وللأبد. ولكن مع العرض في قمة سنغافورة لا تتوقع الكثير، سواء في اللقاءات الثنائية الأسبوع المقبل أو في واشنطن وبيونغيانغ. فقد يقول الرئيس الأمريكي «أثق به ويثق بي» ولكن إن كان ترامب ساذجا فكيم بالتأكيد ليس كذلك. وفي الوقت الذي اكتشف فيه حلفاء الولايات المتحدة أنهم لا يستطيعون الاعتماد عليها والثقة بها بعد تمزيق ترامب الاتفاقية النووية مع إيران ورفضه التوقيع على بيان قمة الدول السبع فإن قمة يوم الثلاثاء كشفت عن أمر مقلق ومثير، وهي أن الأمريكيين أيضا لا يمكنهم الاعتماد على رئيسهم.

يرتاح مع الطغاة

فهو على حد تعبير «نيويورك تايمز» (12/6/2016) كان في أعلى تجلياته ومنحته علامة عشرة من عشرة. وقالت إن لحظة الانتصار الترامبية تصل النشوة عندما يتعامل مع الطغاة ومنتهكي حقوق الإنسان بل كان مع كيم متغزلا وباسما ومربتا على الظهر. وكان على ما يبدو مشغولا بتفكيك لقاء حب بدون ترتيب أكثر من تحليله لقاء دبلوماسيا «هناك كيمياء عظيمة بيننا». وتعتقد «نيويورك تايمز» أن هذا الأداء المدهش في حضرة الطغاة هو تعبير عن إعجابه بهم ولأنه يرى نفسه زعيما قويا فكلما أظهروا وحشية وقسوة كلما نالوا إعجابه بهم.
فحقيقة أن كيم «الموهوب» ملطخة يداه بدماء شعبه يجب أن لا تكون عائقا أمام عقد صفقة معه. ولعل احترامه لفلاديمير بوتين وردريغو دوترتي، رئيس الفلبين وكيم المنبوذ الذي يقود دولة فقيرة محطمة نابع من شعوره بالثقة والتفوق أمام هؤلاء مقارنة مع حلفاء أمريكا الطبيعيين الذي عليه التعامل معهم على قدم المساواة. والفارق في الطول بين ترامب وكيم مهم من منظور الرئيس الأمريكي. وهذا الإعجاب ليس منفصما عن شعور ترامب بأنه صانع الصفقات الكبيرة وبطريقته الخاصة. وفي الشؤون الداخلية اكتشف صعوبة القيام بهذا بدون معارك ومناوشات مع الكونغرس، بخلاف السياسة الخارجية التي يشعر أنه حر وبدون قيود. ولا بد من الإشارة إلى أن ترامب يحب المخاطرة والبحث عن الأمور الكبيرة. فلو فشل في مهمته مع كوريا الشمالية فلن يلومه أحد، فهي مهمة كبيرة غلبت سابقيه. ولو نجح فهذا مدهش. لكل هذا لم يقاوم ترامب الرغبة في التعامل مع كيم «فهناك الكثير من اللاعبين الأشرار والأنظمة الخطيرة حول العالم. لكن أي منها هو الأكثر جنونا؟ ولو استطاع ترامب كسره فسيحصل على المديح وبالتأكيد جائزة نوبل التي يتطلع لها».

لماذا نسي؟

يحب ترامب على حد تعبير «واشنطن بوست» (13/6/2018) ومنذ لقائه بكيم نشر الكثير من الأمور غير الصحيحة من مثل أن الشعب الكوري الشمالي يحب زعيمه، وفي هذا يتجاهل أن من لا يظهر حماسا للزعيم ينتهي في معسكرات الاعتقال. وأي شخص ينتقده لا يتوقع البقاء حيا. ومن يشك في ولائه يسجن أو يقتل مع عائلته أو عائلتها. وهناك ما بين 80.000 ـ 120.000 شخص في معسكرات الاعتقال لم ينج منهم أحد أو يطلق سراحه. فتقرير وزارة الخارجية لعام 2017 عن حالة حقوق الإنسان في العالم وصف ما يواجهه الكوريون الشماليون وفي كل المناحي: «قتل فوري واختفاء قسري وأشغال شاقة والتدخل في الخصوصية العائلية والمراسلات وحرمان من حرية التعبير والتجمع وممارسة الشعائر الدينية وحرية التنقل وما إلى ذلك. وعلى ما يبدو نسي ترامب ما قاله في تشرين الثاني (نوفمبر) عندما قال في سيؤول أن الكثير من الكوريين يفضلون أن يباعوا كرقيق والعيش كعبيد في الخارج على البقاء في بلادهم. وتقول الصحيفة أننا لا نعرف إن نسي كل هذا عندما قابل كيم ـ الذي يعبده شعبه وكل ما نعرفه أن آلافا من الكوريين المساجين ومن يتطلع من الشعب الكوري للحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية سيفقدون الأمل في المستقبل ويشعرون بالخيانة وهم محقون في هذا الشعور. وكما يرى دانيال راسل في «فورين أفيرز» (12/6/2018) فقد لعبت مقامرة ترامب لصالح كيم. فالرئيس الأمريكي محق في أنه صنع التاريخ بمقابلة الزعيم الكوري لكن علينا أن ننتظر إن كان قد قام بإنجاز تاريخي أو مهزلة تاريخية. فلم يغامر أي رئيس من قبله بمقابلة كهذه بدون تحضير لها وبوعود لكسر التعاون الدفاعي مع كوريا الجنوبية. ومن جانبه فإن كيم يمكنه أن يفاخر بتحقيق ما لم يحققه والده أو جده ـ بناء قدرات نووية والحصول على دعم دولي من «رجل نبيل» أي الرئيس الأمريكي. ويقول راسل إن البيان الموقع بين الطرفين في نهاية القمة هو نسخة معدلة من بيانات سابقة في أعوام 1992 و 1994 و 2005. وبناء على سجل كوريا الشمالية والتزاماتها في الاتفاقيات السابقة فإن ما يزعم الطرفان تحقيقه في الوقت الحالي قائم على أهداف يمكن أن تتحقق في المستقبل. فأولويات كيم تقوم على تخفيف برنامج العقوبات الاقتصادية ومنع عملية وقائية أمريكية ضد المشاريع النووية بالإضافة لوقف التعاون الدفاعي الأمريكي ـ الكوري الجنوبي بشكل يخرج بيونغيانغ من عزلتها. ومنحت قمة سنغافورة كيم ما يريده. وحتى لو انتهت علاقة ترامب ـ كيم الغرامية بالدموع فلن تستطيع واشنطن فرض عقوبات جديدة على كوريا الشمالية بوجود الثنائي الصين وروسيا في مجلس الأمن، ولن يستطيع فرض الحل العسكري نظرا للمعارضة الكورية الجنوبية التي كانت تخاف حتى في عز الأزمة من آثار عملية عسكرية عليها. وتظهر الاستطلاعات في كوريا الجنوبية أن كيم أكثر شعبية بين المواطنين من ترامب. وبعد حملة العلاقات العامة التي قام بها الرئيس الشمالي فإن عملية وقائية أمريكية ستواجه معارضة من الطرف الجنوبي. ويأتي نجاح كيم الباهر أنه قلل من إمكانية المناورات العسكرية الأمريكية ـ الكورية التي يراها ترامب مكلفة. وتم هذا بدون تخلي كوريا الشمالية عن مناوراتها العسكرية أو حتى اختباراتها الصاروخية. وكان من أهداف نظام بيونغيانغ الدفع باتجاه نهاية التعاون العسكري ـ الأمريكي من خلال معاهدة دفاع مع الجنوب. ولكنه ليس بحاجة لمعاهدة في ضوء تأكيدات ترامب على سحب القوات من شبه الجزيرة الكورية.

الصين الرابحة

وفي النهاية فما جلبه معه كيم من سنغافورة كاف لأن يعزز موقفه في الداخل وفوق كل هذا فقد كانت المقابلة الودية الحميمة مع الرئيس الأمريكي بمثابة تطبيع وشرعنة لكوريا الشمالية المتسلحة بالسلاح النووي. أما الصين فقد تنفست الصعداء فلم تعد كما ناقش إيفان اوسنوس في «نيويوركر» (12/6/2018) بحاجة لكيم كي يقوم بالعمل نيابة عنها، بل جاءت الكلمات من فم الرئيس. فلطالما طلبت من الأمريكيين وقف النشاطات العسكرية في شبه الجزيرة الكورية.

11HAD

قمة سنغافورة: كيم عاد محملا بالهدايا والشرعية وترامب بذكريات حبه مع الزعيم «الموهوب»

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية