رحبت روسيا على المستوى الرسمي بنتائج مباحثات زعيمي الولايات المتحدة وكوريا الشمالية في سنغافورة، ولكنها دعت إلى تطويرها أكثر لكي تكتسب عملية تسوية الوضع في شبه الجزيرة الكورية طابعا دوليا أوسع وعدم حصر نطاقها بين واشنطن وبيونغ يانغ، وضمان خروج نتائجها إلى حيز التنفيذ. من ناحيتها رأت دوائر المراقبين المحليين، إن نتائج مباحثات دونالد ترامب وكيم جونغ أون، غير ذات قيمة ولا تشكل ضمانة لحل النزاع في شبه الجزيرة الكورية. وهناك إجماع في موسكو على إن لقاء ترامب ـ كيم حدث تاريخي نظرا لكونه لقاء شخصي زعيمين من نظامين متنافرين، وهذا تطور هام بقدر ما أن النظام الأمريكي مؤسساتي ويعمل وفق آلية أن صناعة القرار ليس بيد شخص بمفرده مهما حاول ترامب تغيير ذلك، أما الوضع في كوريا الشمالية فعلى العكس من ذلك، فصناعة القرار بيد بشخص بمفردة، والآن تم اللقاء بينهما.
الموقف الرسمي الروسي ينطوي على منطلقين، الأول الترحيب باللقاء والثاني المتحفظ على طبيعة اللقاء ويدعو لتطويره. واعتبر تعليق لدائرة الإعلام والصحافة في وزارة الخارجية الروسية: «إن تطبيع العلاقات الأمريكية / الكورية الشمالية، التي عكسها البيان الختامي المشترك، يعتبر جزءا من مجموع مشكلة التسوية في شبه الجزيرة الكورية التي من بينها مشكلة السلاح النووي». كما قيمت الخارجية الروسية إيجابا إعلان الرئيس الأمريكي ترامب عن أن من غير المناسب إجراء مناورات عسكرية خلال عملية المباحثات. وأعربت المؤسسة الدبلوماسية الروسية عن القناعة أن: «وقف الأعمال الاستفزازية خطوة ضرورية باتجاه خلق مناخ الثقة». وحث التعليق على المباشرة في «وضع صيغة لمشاورات متعددة الأطراف يكون هدفها النهائي إنشاء آلية ثابتة للسلام والأمن على أساس احتساب المصالح المشروعة لجميع دول شمال ـ شرق».
وتجسد الموقف الرسمي أيضا في تصريح نائب وزير الخارجية الروسية سيرغي ريابكوف لوكالة أنباء «تاس» الرسمية حيث قال: «إن موسكو تنظر بإيجابية للقمة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، لكن «الشيطان يكمن في التفاصيل». وأضاف، إن روسيا مستعدة للمساعدة في تنفيذ ما اتفق عليه الجانبان من العمل على نزع السلاح النووي بالكامل من شبه الجزيرة الكورية وتأمل أن تفتح تسوية الأزمة النووية الباب أمام التعاون الاقتصادي الطبيعي.
ويستنتج من كلام ريابكوف ان روسيا تريد أن تكون إلى جانب الصين والقوى الدولية الفاعلة الأخرى طرفا مشاركا في عملية تطبيع الوضع في شبه الجزيرة الكورية ككل، وعدم حصرها بيد اللاعب الأمريكي، واقتصار جدول عملها على العوامل التي تؤجج العلاقات الكورية الشمالية/ الأمريكية. لذلك فان موسكو تدعو إلى إحياء «المباحثات السداسية» السابقة، بكونها قريبة من شبه الجزيرة الكورية، وان التطورات هناك تمسها بهذا الشكل أو ذاك.
وضمن هذا السياق أيضا شكك مسؤول روسي آخر في عدم تراجع الولايات المتحدة وكوريا عن ما تم التوصل إليه من اتفاقات في سنغافورة. وفي الوقت نفسه يحث هذا المسؤول وهو رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الفدرالية (المجلس الأعلى للبرلمان الروسي) والمقرب من الكرملين قسطنطين كوساتشوف، على عدم المبالغة بالشكوك بالنجاح الذي تحقق خلال القمة في سنغافورة. وقال في صفحته على الانترنت: «ليست هناك ثقة في أن الولايات وكوريا الشمالية ستباشران فورا في تطوير نجاح قرارات سنغافورة» منوها إلى ان كلمات ترامب بشأن عملية نزع السلاح في شبه الجزيرة الكورية ستبدأ «قريبا، قريبا جدا» لا تعدو غير تمنيات كبير، وليس الواقع». ولفت كوساتشوف إلى أهمية دور المجتمع الدولي في عملية التسوية السلمية في شبه الجزيرة الكورية.
ونرصد في ردود مراكز التحليل السياسي تركيزا على إن اللقاء انطوى على بعد «مسرحي» أكد خلاله كلا الزعيمين شخصيته، وفق ما تمثلت في تصافح الأيادي وتوزيع الابتسامات والتصريحات الصاخبة. في الوقت ذاته يجمع غالبية المراقبين الروس على أن الإيجابيات في لقاء زعيمي الولايات المتحدة وكوريا تنحصر في انطلاقة عملية المباحثات التي أبعدت شبح سيناريو الحرب إلى المرتبة الثانية. وان هذا التطور يصب في صالح الأمن الروسي. ولكن من الناحية السياسية تبقى موسكو كما ينم من التعليقات، تتطلع إلى مشاركتها في العملية، في مراحلها المقبلة. وربما ستكون المسألة في جدول أعمال لقاء الرئيس فلاديمير بوتين الذي يدور الكلام عنه بكثافة هذه الأيام، بنظيره الأمريكي رونالد ترامب.
ويقول مدير اللجنة الوطنية لبحوث مجموعة بريكس بروفيسور معهد العلاقات الدولية التابع لوزارة الخارجية جيورجي ترولويا: «إن في قمة الزعيمين الأمريكي جانبان الأول استعراضي وقد أداه المشاركون على وجه حسن، حيث شاهد العالم تصالح خصمين وتصافح زعيمين حازمين وناضجين ربتَ أحدهما على ظهر الآخر وتعهدا بعدم التورط في حرب وسيقيمان العلاقات وينفذان التزاماتهما. من هذه الناحية تحقق إنجاز كبير للطرفين. واستدرك بالقول: ولكن في الواقع لم يجرِ شيء ذو قيمة. وحسب تقديره إن الوثائق التي جرى التوقيع عليها تنطوي على طابع عمومي إلى أقصى حد.
وعلى حد قراءة ترولويا فقد تيسر لكيم كسب بعض النقاط لصالحه، أولا: نصت الوثيقة على صيغة «التقدم نحو جعل شبه الجزيرة الكورية خالية من الأسلحة النووية». ولم تتضمن الصيغة الأمريكية «بلا عودة» و«التحقق». وثانيا، جرت الإشارة فيها عن» ضمان أمن» كوريا الشمالية، وهذه الصيغة لم تكن موجودة سابقا، فقد دار الكلام عن «الوعود» ولكن «الضمان» فكرة كوريا الشمالية أيضا. ولعب ترامب ورقته أيضا حيث أعاد الأذهان إلى حقوق الإنسان في كوريا الشمالية خلال الحوار مع كيم، وعن المواطنين اليابانيين المختطفين، واكد أن الجانبين يسعيان لإنشاء نظام سلام بمشاركة كوريا الجنوبية والصين، وعلى هذه الشاكلة ستشعر الأطراف الأخرى بالرضا ولن تنسف نتائج القمة.
وترجح القراءات الروسية أن كوريا الشمالية ستتوقف عن توسيع احتياطياتها النووية والصاروخية ولن تستفز الولايات المتحدة، وربما ستقوم بتقليص احتياطيات المواد الانشطارية وتوقف إنتاج أنواع جديدة من المواد المتفجرة وبعض أنواع الصواريخ العابرة للقارات. إلى جانب ذلك فإن كوريا الشمالية نالت الاعتراف بكونها دولة نووية ما دامت المباحثات جارية، وان الولايات المتحدة استسلمت لواقع عجزها عن سحقها ويتعين التعايش معها.
في الوقت نفسه يجمع المراقبون على أن روسيا تتطلع إلى أن لقاء زعيمي الولايات المتحدة وكوريا الشمالية سوف يساعد على تخفيض التوتر وانطلاق المباحثات، وتراجع سيناريو الحرب وهو جانب إيجابي من دون شك وخاصة للبلدان المجاورة لكوريا الشمالية التي من بينها روسيا والصين واليابان وكوريا الجنوبية. وفي الوقت ذاته يشيرون إلى أن رفع الولايات المتحدة العقوبات المفروضة على كوريا الشمالية ستكون عاملا هاما لتكثيف روسيا علاقاتها الاقتصادية مع الكوريتين.
ويقول اندريه كازانتسوف خبير مركز التحليل السياسي في معهد الدراسات الدولية في موسكو: «إن خسائر فادحة ستلحق بروسيا في حال نشوب نزاع مسلح بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة» مشيرا إلى أن موسكو تراهن في الفترة الأخيرة على الشراكة الآسيوية. موضحا «في حال تخفيف التصعيد سيتسارع الإنماء الاقتصادي في شرق آسيا، مما سيمنح روسيا الفرصة لتعزيز العلاقات الاقتصادية أكثر في المنطقة».
11HAD
فالح الحمراني