الشاعر العراقي نبيل ياسين: ليس لدينا حركة نقدية والشعر اليوم قصيدة نمطية مكررة

حجم الخط
0

يعد الشاعر العراقي نبيل ياسين صوتا شعريا متفردا، لا يأبه بالشهرة والجوائز، فالشعر وحده هو الأبقى والأهم. ورغم تنوع الاهتمامات ما بين السلك الأكاديمي، والمؤلفات الفكرية والمشاركة السياسية، وقد كلفته الأخيرة الكثير، إلا أن عالمه الشعري وصوته المتمرد، سيظل هو الأعلى. وبمناسبة صدور أعماله الشعرية مؤخراً، متضمنة قصائد تمثل تجربة تمتد نحو أربعة عقود، كان هذا الحوار..

■ ما هي الأعمال التي تضمنتها إصداراتك الشعرية الأخيرة؟
□ تحتوي الأعمال الشعرية على جميع الدواوين الصادرة والتي لم تصدر. أولها مجموعتي الأولى «البكاء على مسلة الأحزان» الذي صدر مطلع عام 1970، ديوان «الشعراء يهجون الملوك» عام 1978 بعد منعه لمدة أربع سنوات. كما تحتوي على «قصيدتان» الصادرة في بيروت عام 1981. و«أحلام شاقة» الصادرة في دمشق وقبرص عام 1987، وكذلك «الأخوة ياسين» لندن عام 1994 و«صهيل في غرفة» التي صدرت عن الهيئة العامة للكتاب في مصر عام 2002، إضافة إلى قصيدة بلاد الرافدين التي صدرت في ديوان صغير في لندن عام 1996. بجانب عدة دواوين كانت معدة للطبع، ولكن سوء حظي مع الناشرين حال دون صدورها، منها «طقوس إلى الأبد»، «وردٌ ورمل»، «دعوني أعبر هذا العالم»، «حدث بين النهرين»، و«بغداد – نيويورك» وأخيرا «العشاء العباسي».
■ وكيف كانت استجابة النقاد؟
□ لم تكن الاستجابة بحجم الأعمال الشعرية، وهذا أمر واقعي وطبيعي اليوم. فأنا لا أجيد تسويق نفسي. أنا أكتب شعرا. هذه هي وظيفتي الإبداعية، أما من يكتب أو لا يكتب فهذا يتعلق بمستوى الحركة النقدية. إن حركة النشر نفسها لم تعد طبيعية في عالمنا العربي. فالنشر العربي يعيش على الترجمة أولا، ويعيش على الكتاب الديني ثانيا، ثم الكتاب السياسي، ثم الرواية، إضافة إلى ضعف مستوى النقد واعتماده على مجموعات ضيقة متضامنة نفعيا. فليس لدينا حركة نقدية، كما أنه ليس لدينا حركة شعرية، فما لدينا هو غياب للمرجعيات اللازمة لكل حركة، ولذلك لا يمكن القول إن لدينا حركة نقدية أو حركة شعرية، بعد أن تشظت هذه المرجعيات وحلت محلها افتراضات اعتباطية لكل فريق. فقد كانت للحركة الشعرية مرجعيات معروفة لها تقاليدها، «الآداب» ووراءها سهيل إدريس و«مواقف» ووراءها أدونيس و«الكرمل» ووراءها محمود درويش و«جماعة أبوللو» في مصر، و«البرنامج الثاني» في إذاعة القاهرة وغيرها، ولم تكن محتكرة لجماعة وإنما منفتحة على كل اسم وكل تجربة. اليوم لم يعد لدينا شيء من هذا، وإنما مجاميع مثل الكثبان الرملية، تتحرك وتحمل جوائزها الملفقة وتقييماتها الزائفة معها من مكان إلى آخر، وأقول بدون تردد إن دولا غربية أصبحت تتدخل في من يكون الشاعر ومن يكون الروائي ومن يكون المفكر للعرب.
■ وكيف تقيّم الواقع الشعري العربي حاليا؟
□ رغم هذا الكم الهائل من الشعر المكتوب، حتى يبدو وكأنه قصيدة واحدة، نمطية، مكررة، تجريدية، وتعبيرعن انعدام الإلهام الذي ارتبط بالشعر منذ أرسطو، رغم أن لا احد يستطيع أن يقول كيف نكتب الشعر. فالشعر هوية لوجدان الإنسان وكينونته على الأرض.
■ في «أوجاع الوردة.. سيرة قصيدة.. سيرة رأي» قدمت سيرة لا تعتمد على السرد الحياتي، وإنما على السرد الذي يقود إلى التعرف على المرجعيات والأصول الشعرية لقصائدك وفكرك. كيف قدمت هذ الرؤية؟
□ «أوجاع الوردة» التي نشرت منها أربعة فصول لأول مرة في «القدس العربي» 1996 سيرة معقدة للوصول إلى مصادر ومرجعيات شعري وأفكاري، في العائلة، في بغداد، في الأم، في النهر، في ليل بغداد، في الأساطير الرافدينية، في الطقوس، في المنفى، في الطفولة، في المخيلة التي تختزن أساطير وقصص وخرافات البلاد، في التحولات التي عانى منها شعب يخرج من التاريخ ليدخل فيه من جديد، يخرج من الدمار والخراب والنكبات ليدخل فيها من جديد. إنه نص في عشرة فصول سعيت فيه لأعرف من أنا ومم تكونت وكيف عشت وكيف كتبت.
■ هل تعتقد أن هناك تفاعلا بين الفلسفة والشعر؟
□ حين لم يكن العرب منشغلين في الفلسفة كان شعرهم يتضمن مواضيع الفلسفة، من الحكمة والطبيعة وما بعد الطبيعة. وأعتقد أن دراستي للفلسفة وانشغالي بها، أضاف كثيرا منها في شعري. فالشعر تعبيرعن فلسفة الشاعر، إنها ترقى بالشعر ما يسميه الجاحظ التقاط الساقط وتحويله إلى ذهب.
■ كيف يمكن تحليل المجتمعات العربية سياسيا واجتماعيا؟
□ هناك تقدم في دراسة المجتمعات العربية على الصعيد الاجتماعي والسياسي، ولكن المشكلة هي عدم تحديد أي العلوم الأكثر قدرة في هذه الدراسة. خذ المجتمع العراقي مثلا، خذ دراسات عالم الاجتماع والمؤرخ الاجتماعي علي الوردي. لقد أنجز كثيرا في شأن دراسة طبيعة الشخصية العراقية والمجتمع العراقي، ولكن في تقديري، ومن خلال كتابي الذي أشتغل عليه منذ خمس سنوات لدراسة طبيعة المجتمع العراقي بعد علي الوردي، وهذا هو عنوان الكتاب، أن علم الاجتماع لا يكفي وحده لدراسة العوامل المؤثرة في الشخصية العراقية، وأنا اعتقد أن علم الاجتماع السياسي هو العلم الأصلح لدراسة مجتمع مثل المجتمع العراقي. إن ما شهده العالم العربي هو انهيار البنية الثقافية للحضارات التاريخية. كما أن انهيارات مماثلة للدولة كمنظومة حامية وضامنة لوحدة المجتمع ضمن تعددياته الدينية والإثنية والمذهبية التاريخية، قد حدثت لتعم ما سمته الولايات المتحدة بعد إسقاط صدام حسين، «الفوضى الخلاقة» التي أثمرت العنف والاحتراب الوطني في دول عديدة، هذه الفوضى لم تحدث إلا لإعادة توزيع جديد للمنطقة، بإنهاء ما أعلنته الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) بعد سقوط الموصل، بإلغاء سايكس بيكو، ليس كهدف قومي كما كانت الحركة القومية العربية، ومن ضمنها حزب البعث وشعاراته «أمة عربية واحدة» تنادي به وإنما كهدف ديني لإعادة الخلافة.
■ وماذا عن كتاب «الدين والعلمانية» الذي تناولت فيه حركة الإصلاح التي نادى بها الأفغاني وجماعته؟
□ الكتاب عبارة عن بحث فلسفي حول الدين، والدين والعدالة، والدين والأخلاق، والعلمانية باعتبارها فلسفة حقوقية سياسية ليبرالية للنظام الديمقراطي المعاصر. لقد واجهت حركة الإصلاح الديني مفهوم فصل الدين عن الدولة، وهو رافعة الحداثة العلمانية، وهناك مستويات مختلفة في حركة الإصلاح بين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي ثم رشيد رضا، كما إن هناك محاولة الشيخ محمد حسين النائيني وهو مرجع ديني مرموق في العراق في الثلث الأول من القرن العشرين، وألف كتابا هو «تنبيه الأمة وتنزيه الملة» يعد في تقديري مقدمة لكتاب علي عبد الرزاق «الإسلام وأصول الحكم» الذي صدر عام 1909 في العراق. فهو كتاب يفكك العلاقة بين الاستبداد السياسي والاستبداد الديني، وهو يقتفي خطى الكواكبي في «طبائع الاستبداد» ولكنه يتجاوزه إلى البحث في شكل نظام الحكم بشكل واضح. أما حركة الإصلاح فكان الإصلاحيون يبحثون كيفية التعايش مع الحداثة الغربية التي تتطلب التعامل مع مفردات جديدة ــ من خلال لغتهم ــ مثل البرلمان والتعددية وسيادة القانون وفصل الدين عن الدولة والعقد الاجتماعي والمواطنة وحرية العقدة والعدالة وفلسفات عميقة لفلاسفة الفكر السياسي الليبرالي، وهو ما أوقع الخطاب الإصلاحي في ورطة أنهاها محمد رشيد رضا بالعودة إلى مفهوم الخلافة.
■ وهل يمكن عودة هذه الحركة بعد قرن ونصف القرن على انطلاقها؟
□ لا يمكن بدون توفر شروط الديمقراطية. أعني أن حركة الإصلاح في الأصل هي حركة ديمقراطية، والديمقراطية تحتاج إلى فلسفة هوبز وعقد اجتماعي لكل من لوك وروسو، وإلى ليبرالية جون ستيورات ميل، وإلى نقض الأدلة العقلية ولكنها غير العقلانية عن الدين التي نقضها أيمانويل كانت ليصبح مؤمنا، وتحتاج إلى محاججة أيمانويل كانت ومحاججة دوركهايم، وهي هل أن المنظومة الأخلاقية نتاج الدين أم لا، وهل أن التنظيم الاجتماعي خرج من التنظيم الديني أم لا؟ كما تحتاج إلى هايدغر وهابرماس في نظريته عن المجال العام. القضية لا تتعلق بالإيمان والكفر، كما يعتقد بعض السطحيين وإنما تتعلق بارتباط الدين بالعدالة.
■ هل لدينا في تراثنا شيء من هذا؟
□ نعم. هناك فلاسفة مهمون عالجوا مثلا في الأخلاق: هل هي طبيعية، أم مكتسبة؟ وهي تقترب من نظرية الحقوق الطبيعية التي قامت عليها شرعة حقوق الإنسان، ولدينا فلاسفة مهمون في هذا السجال مثل مسكويه والغزالي والفارابي وابن حزم وابن صاعد وغيرهم. فعلينا أن نقترب أكثر من الحداثة عبر طرح المشكلات في المجال العام، بعد ذلك نحتاج إلى الوضوح. فنحن نفتقر إلى الوضوح.
■ وفي الأخير .. ماذا عن الجوائز؟
□ «يضحك» لا ولله الحمد، لم أحصل على جائزة. وسأرفض أي جائزة إذا ما رشحت لها، فمعايير الجوائز تشبه ما يقال، إنه أصلها اللغوي كما ورد في «الجمهرة» لابن دريد حيث يقال إن قائدا وقف أمام عدوه وبينهما نهر فقال من يجتاز هذا النهر فله كذا وكذا من المال فكان من يعبر يأخذ جائزة عبوره. أنا ما أزال أسبح في نهر الشعر ولا أريد جائزة.

الشاعر العراقي نبيل ياسين: ليس لدينا حركة نقدية والشعر اليوم قصيدة نمطية مكررة

حاوره: مهدي السعيد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية