لندن ـ «القدس العربي» من نسرين سيد أحمد: ليس خلق عالم كابوسي بجديد على المخرج اليوناني يورغوس لانثيموس، فهو خالق الكابوس بامتياز، وخالق الأسرة ذات العالم المفكك المضطرب بامتياز. وفي فيلمه «ناب الكلب» (2009) يقدم لانثيموس أسرة تبدو للوهلة الأولى عادية طبيعية، ولكننا نجد أنفسنا أمام أسرة مختلة معتلة يتحكم ربها في أبنائه تمام التحكم، ويخضعهم لسيطرته بالترهيب والترغيب، وبالتحكم في ما يصل إليهم من معلومات ومعرفة وحجبهم عن العالم الخارجي.
«ناب الكلب» فيلم يأتينا من مخرج في أوج تمكنه من صنعته وأدواته، أُنجز ليحدث أقصى تأثير نفسي ممكن في مدة لا تتجاوز الساعة ونصف الساعة. هو فيلم يقض مضجعك قلقا، ويبقيك متفكرا في مغزاه، ويخيفك أحيانا، ويثير روح السخرية لديك أحيانا أخرى.
تدور أحداث الفيلم في منزل أسرة يونانية ميسورة الحال، يحيط بالمنزل جدار عال يحجب الخارج، ولكن داخله يبدو أنيقا مزودا بكل الكماليات وبحمام سباحة وحديقة. يبدأ الفيلم بشاب وسيم في بدايات العشرين وفتاتين تصغرانه في العمر قليلا، يستمعان إلى مفردات لغوية عبر جهاز تسجيل، فيما يبدو أنه درس لتعلم اللغة. ولكن اللغة المتعَلمة هي اليونانية لغتهم الأم، وتعريف الكلمات التي يستمعون لها يبدو لنا غرائبيا عجيبا، رغم أنهم يستمعون إلى التعريفات بتركيز وتصديق تامين. نستمع إليهم يتعلمون أن «الطريق السريع» عبارة عن رياح خفيفة أما كلمة «نزهة» فتعني خامة تصنع منها الأرضيات. يستمع الثلاثة إلى التعريفات، وإلى نماذج جمل تستخدم فيها الكلمات، وفي حين يبدو لنا الأمر غاية في العجب، يبدو لهم الأمر طبيعيا تماما.
نكتشف سريعا أن المكون الرئيسي لتواصل الثلاثة مع الواقع ومع الناس، وهو اللغة، يتم تشويهه وتدميره عن عمد من قبل الوالدين اللذين سجلا الشرائط بصوتيهما. يعيش الثلاثة مع أبويهم بمعزل تام عن العالم، ويبث أبواهم فيهم الرعب من العالم خارج أسوار المنزل، تلك الأسوار التي لم يغادروها قط، فالخارج تسكنه قطط ضخمة تأكل البشر، حسبما قال لهم والدهم. لا يغادر بيت الأسرة سوى الأب، وهو رجل أعمال ثري يمتلك مصنعا، ومن المشاهد القليلة التي تدور في الفيلم خارج المنزل، نرى الأب يغادر المنزل في سيارته المرسيدس الأنيقة، ويتعامل مع العالم الخارجي بحنكة تامة، ويتواصل بذكاء مع ما يجري في الخارج. إذن فالأب لا يضلل الأبناء عن جهل بالعالم، ولكن عن تعمد تام لإبقائهم تحت السيطرة، وندرك أن الأم تتواطأ مع الأب لإبقاء أبنائها في جهل وسذاجة طفوليين.
لا يعرف الأبناء عن الحياة خارج الإسوار شيئا، فجهاز التلفزيون لا يبث إلا تسجيلات منزلية لهم، وتخبئ أمهم جهاز الهاتف الأرضي في خزانة تغلق بمفتاح، وحين يسمعها الثلاثة تتحدث فيه يظنون أنها تحدث نفسها بصوت عال. يخال الأبناء الطائرات التي تحلق أحيانا فوق المنزل مجرد دُمى ولا يتخيلون أنها تقل بشرا، ويتصورن أن هذه الطائرات البلاستيكية التي يلقيها والدهم في الحديقة هي طائرات سقطت من السماء. ولكن الأب لا يستخدم السيطرة على المعرفة فقط لكبح جماح الأبناء، فهناك التعنيف والعنف والإخضاع والإذلال. تحتوي التربية اليومية للأبناء على تدريب يجثون فيه على أربع وينبحون كالكلاب التي تنتظر رضا سيدها عنها. ويشمل عقابهم الضرب المبرح إذا خالفوا قواعد التربية. الأب عبوس مقطب الوجه دوما يبعث على الخشية والخوف، ولكنه قد يكون أحيانا معسول الحديث ليضمن الطاعة. ولكن العالم الخارجي الذي يسعى الأبوان لحجبه ومنعه وترهيب الأبناء منه، يبقى دوما يراود الأبناء. يخبرهم أبوهم أن لهم أخا يكبرهم خرج إلى العالم فالتهمته القطط الضخمة، ولكن هذا لا يزيد الأبناء إلا رغبة في المعرفة واتقادا في الفضول. القمع المتدثر برداء المحبة والخوف عليهم لم يزدهم إلا رغبة في معرفة المزيد. يقول لهم أبوهم يوما إنهم لا يمكنهم مغادرة المنزل إلا عندما يسقط «ناب الكلب»، أو الناب كما نعرفه نحن، من فكهم، فيصبح حلمهم هو سقوط هذا الناب حتى يروا الخارج. «ناب الكلب» ليس فقط عن تسلط الآباء على الأبناء وفرض سطوتهم عليهم، ولكن يمكننا تأويله ليشمل أي نظام حكم قمعي يفرض تصوره للحياة والمجتمع على رعاياه ويفرض هيمنته عليهم عن طريق التحكم فيهم.