المَهْدِي المَنْجْرَة.. المُثقف الذي استشرف المُستقبل وقُوبِل بالجُحُود

حجم الخط
0

مدريد ـ «القدس العربي» من محمّد محمّد الخطّابي: في 13 يونيو/حزيران الجاري 2018 حلّت الذكرى الرّابعة لرحيل عالم المُستقبليات المهدي المنجرة، كان عالماً جليلاً، ذا عقل راجح بشهادة علماء وباحثين أجانب، إلاّ أنه قوبل بالجحود، والنكران من طرف بعض أبناء جلدته، ولا غرو، ولا عَجب فلا كرامة لنبي بين قومه! كما نُسِجتْ أباطيل، وحِيكتْ مزاعم، وادّعاءات حول مدى تكوينه العلمي، ومستواه الأكاديمي، إلاّ أنه مع ذلك أمكنه أن يتسنّم منازلَ عليا، وأن يُدرك أسمىَ المنابر العلمية على الصعيد العالمي والوطني، وأن يحظى باحترام مختلف الأوساط الثقافية والعلمية والفكرية والسياسية في مختلف أرجاء المعمور، وقد بدأ نجمه في السّطوع عندما طفق يتحدّث عمّا أصبح يُطلق عليه اليوم «حرب الحضارات»، وقد اعترف له بالتألق والتفوّق والنبوغ المفكر الأمريكي المعروف صمويل هنتنغتون، ونوّه بقصب السّبق الذي أدركه في هذا المجال في كتابه الشهير «صدام الحضارات».

هيامُه بمدريد وحواضرالأندلس

تعرّفتُ عليه في الثمانينيّات من القرن المنصرم، حيث كان شغوفاً، ومُداوماً على زيارة هذه الحاضرة الأوروبية التي كان يشطّ بنا الحديث خلال تواجده بها عنها، وعن تاريخها وإشعاعها وماضيها العريق، ذلك أنّ هذه المدينة تتميّز بخاصّية فريدة باعتبارها العاصمة الأوروبية الوحيدة التي تحمل اسماً عربيّاً، كما أنها من بناء المسلمين، وكان الحضورالعربي والأمازيغي، والإسلامي فيها حضوراً قويّاً، وقد أمست اليوم من أكبر الحواضر الأوروبيّة، أسّسها تحت اسم «مجـــــريط» في القرن التاسع الميلادي الأمير محمد بن عبد الرحمن الثالث، خامس الأمراء الأموييّن في الأندلس.
كان المنجرة مولعاً بزيارة بعض المدن الإسبانية الأخرى بين الفينة والأخرى، خاصّةً في منطقة الأندلس لإلقاء بعض المحاضرات في العلاقات الدّولية، والعلوم المستقبلية، أو المشاركة في العديد من الملتقيات والمناظرات والندوات الثقافية الدولية، وسواها من مجالات المعرفة.

كتاب قِيمةُ القيَم

وفي إطلالة على بعض تأمّلات المهدي المنجرة في المجتمع، والتنميّة، والثقافة، ومستقبل الثقافة والاقتصاد والعلم والتعلّم، التي تعتبر من المقوّمات الأساسية في حياة الفرد والجماعة في محيطه الاجتماعي، في عرض لكتاب «قِيمَةُ القِيَم» نقرأ: «أنّ المؤلف يُولي الاهتمامَ بمختلف القيم الموجّهة للمجتمع توجيهاً صواباً، سواء من داخله أو حتى في ما يمكن أن يربطه بالخارج من علاقات». وكذا: «ورغم كثرة البرامج الدولية للتنمية، لاسّيما في أفقر الدول، حيث يزداد الاهتمام الدّولي، فإنّ المساهمة الوطنية نادراً ما تمثل أقلّ من سبعين في المئة من المجموع، وتبقى المساعدة الدولية التي تنتج عن هذا التعاون ضعيفة من ناحية الكمّ، إذن يصبح من الضروري القيام بمقاربة منظومية في التحليل لتقييم جودة التفاعل الثابت بين المستوى الوطني والمستوى الدولي، والمهمّ في هذه المساعدة الخارجية هو الأفكار، والتصوّرات الناتجة عنه والتجارب الصّادرة منه». وبربط هذا المحتوى بالأحداث الراهنة، خصوصاً بما يتعلق بدول صنفت اقتصادياً بدول نامية أو في طور النموّ، فإنّ إشكالية تبعية الدّول النامية للدول (المتطوّرة) مستفحلة كلما ارتبطت بما يُسمّى «مساعدات» من هذه الدّول، وجعلت معتمدها الرئيسي عليها، على الرّغم من ثبوت ضآلة مساهمتها في النهوض، خصوصاً في قطاع الاقتصاد الذي أصبح ركيزةً أساسيةً للاعتراف بوجود الدّول في معالم القوة، إذ أنّ أهمّ ما يمكن أن يساهم في «النهوض» انطلاقاً من التعاونات بين الدول مرتبط بعالم الأفكار، والتصوّرات الناتجة عنها».

إشكالية الثقافة والهويّة

ونقرأ كذلك في كتاب «قيمة القيم» من جهة أخرى أهمية «الثقافة المتوسطية» «التي تربط بين دول حوض البحر الأبيض المتوسط، بل أكثر من ذلك أن ربط مستقبل هذه الدول ومستقبل قضاياها رهين بمستقبل الثقافة فيها، على اعتبار أنّ الثقافة لها ارتباط عريق، وصلة وثقى بجميع جوانب الحياة، ولا يُمكن نسخ ثقافة مجتمع مّا، أو دولة مّا، في حيّز آخر تحت مُسمّى «نقل الثقافة»، لأنّ التعدّد وارد بحكم أنّ لا شمولية لثقافة مّا من جهة، ومن جهة أخرى باعتبار الثقافة نسبيّة، والموروث الثقافي هو مفتاح من مفاتيح التنمية، وبالتالي فإنّ أيَّ محاولة لتعميم ثقافة مّا، أو نقلها، أو استنساخها وإجبارها ما هي إلاّ محاولة للتشتيت والتفرقة والهدم وليس البتّة البناء».
ويقول المنجرة في هذا المجال: «إنّ إحدى القضايا الأساسية بالنسبة لدُول حَوْض البحر الأبيض المتوسط، تتعلق بمستقبل ثقافاتها، لأنّ هذا المستقبل مرتبط بجميع الجوانب الأخرى للتنمية الإستراتيجية، والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية إلخ.. أضف إلى ذلك أنّ هذا المستقبل غير قابل للانقسام، لأنّ هناك ثقافة متوسطيّة بكل ما تحملُ هذه الكلمةُ من معان سامية». وعليه فإنّ مفهوم «الثقافة» بما تضمره من أبعاد ـ حسب المنجرة – لها وقعٌ عميق على مستقبل الشعوب ووجودها وارتباطاتها في ما بينها، نظراً لما لها من جذور ضاربة في عمق التاريخ، وما تكتنزه لواقع المستقبل، ويؤكّد في هذا القبيل كذلك: «إن الفرَضية السّابقة قد يظهر فيها شيء من المبالغة بالنسبة لأولئك الذي لا يهتمّون بالماضي، ولا بالاطّلاع على كتب التاريخ، وحسب تجربتي، فإننّي أدرك أنّه كلما ازددتُ اهتماماً بالدراسات المستقبلية، زادني ذلك الشعور بالحاجة لترسيخ رؤيتي على أسس تاريخية صلبة».
وفي مَعْرِض حديثه عن «الهويّة الثقافية» التي يعتبرها سبباً في وجود «منظومة القيم» وبغيابها تفشل المجتمعات في إثبات ذاتها أو هُويّتها يقول: «بأنّ هناك فترات يؤدّي فيها الانفتاح التلقائي وليس الانتقائي إلى غزو كبير، وإضعاف أعزّ ما للإنسان وهي هُويته الثقافية».
ويركّز المنجرة ـ حسب تقية محمّد – على ضرورة صَيْرُورَة حَرَكية «التعلّم» من المهد إلى اللّحد، منبّها إلى ما يُمكن أن يجابه أو يعوق المسيرةَ العلمية بين هاتين المحطتين مستقبلاً، مشدِّداً على أنّ أهمّ عنصر من عناصر التعلّم هو (القيم) مشيراً في هذا المضمار: «وأهمّ عناصر التعلّم هي القيم، وعندما نشير إليها كعناصر، فإنّنا نؤكّد على دورها الفعّال في عملية التعلم، فقيمة البقاء مع الكرامة يمكن أن تكون ذات آثار مباشرة في التوجيه، وأنّ ظهور القيم هو ظهور الحدّ الفاصل بين الذاتية، والموضوعية، وبين الحقائق، والأحكام، وبين ما هو كائن، وما يجب أن يكون، وبين العلم والأخلاق، والأحكام وبين العلوم الحقة والعلوم الإنسانية، وبين الغايات والوسائل، وبين المعقول، واللاّمعقول».

المَهْدِي المَنْجْرَة.. المُثقف الذي استشرف المُستقبل وقُوبِل بالجُحُود

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية