إسلام أبو حميد ليس مخرباً بل مقاتل

حجم الخط
0

خلافاً لأقوال وزير الدفاع ليبرمان فإن إسلام يوسف أبو حميد الذي اعتقل الاسبوع الماضي بتهمة إلقاء بلاطة من الرخام تسببت بقتل جندي من «دفدفان» في الشهر الماضي، ليس مخرباً بل مقاتل، بالضبط مثل جندي جيش الدفاع الاسرائيلي الذي قتل.
صحيح أن أبو حميد الذي يعيش في مخيم الامعري للاجئين لم يكن يرتدي زي جيش الدفاع عن فلسطين لأن هذا الجيش غير موجود، مثلما هي دولة فلسطين غير موجودة. كما أنه لم يكن مسلحاً بسلاح، بل استخدم بلاطة كسلاح وبواسطتها قتل المقاتل الاسرائيلي. ولكن مثلما أنه في نظر معظم الاسرائيليين الجندي سقط أثناء تأدية واجبه في الدفاع عن الوطن، أيضاً أبو حميد قتل (حسب التهمة) الجندي أثناء الدفاع عما تبقى من وطنه غير المعترف به لشعبه، في وجه جندي جيش الاحتلال.
أن ترى في إسلام أبو حميد مقاتلاً وليس مخرباً لا يعني بالضرورة التعبير عن موقف يساري. صحيح أن من اعتدنا على تصنيفهم لدينا كـ «يسار متطرف»، هؤلاء هم الذين يعتقدون أن الشعب الفلسطيني يخوض اليوم نضالاً عادلاً لتحقيق حقوقه الوطنية الشرعية في وطنه، ربما هم قادرون أكثر من الآخرين على رؤية الفلسطينيين الذين يهاجمون الجيش الاسرائيلي في المناطق المحتلة كمقاتلي حرية. ولكن ليس هناك ما يمنع أن يقوم الاسرائيليون المقتنعون بأن أرض إسرائيل الكاملة تعود لشعب إسرائيل، وأنه لا توجد للفلسطينيين أية حقوق وطنية بين البحر والنهر، أن يتعاملوا مع الفلسطينيين أمثال أبو حميد كمقاتلين. صحيح أن هؤلاء يقاتلون قوات معادية تسعى حسب رأيهم إلى أن يسرقوا من شعب إسرائيل أرضه، لكنهم ما زالوا مقاتلين وليسوا مخربين.
زئيف جابوتنسكي توقع بالضبط قوة المعارضة العنيفة لعرب اسرائيل للصهيونية، لكنه امتنع عن نزع الشرعية الاخلاقية عن هذه المعارضة التي تكمن في مفهوم «مخربين». بالعكس، لقد اعتبر معارضتهم تعبيراً طبيعياً ومفهوماً بحد ذاته للقومية وحب الوطن مهما كان. ومثلما كتب في مقاله الاساسي في هذا الموضوع «على الحائط الحديدي» (1923). «كل شعب أصيل يعتبر بلاده وطنه القومي، الذي يريد فيه أن يكون صاحب البيت المطلق وأن يبقى كذلك إلى الأبد… هذه الأقوال سارية المفعول أيضاً في ما يتعلق بالعرب… هم ينظرون لارض اسرائيل على الاقل بنفس المحبة التلقائية وبنفس التعصب العضوي الذي نظر فيه الازتيك إلى المكسيك خاصتهم… كل شعب يقاتل ضد الكولونياليين طالما أن لديه بصيص أمل للتخلص من خطر الكولونيالية. هكذا يعمل الآن وهكذا سيعمل في المستقبل عرب إسرائيل».
ولأن جابوتنسكي لم يعتبر في أي يوم القومية العربية ـ الفلسطينية تجسيداً للشر على الارض، فإنه في مقاله «على الحائط الحديدي» كان بامكان جابوتنسكي أن يتخيل أنه في يوم ما يمكن التوصل إلى السلام المأمول معهم. في الوقت الذي يعترف عرب أرض اسرائيل بأن الانتصار السياسي للصهيونية هو أمر لا رجعة عنه، سيظهر، هكذا افترض، زعماء فلسطينيون معتدلون «سيحضرون إلينا مع اقتراحات للتنازلات المتبادلة ويبدأون بالمساومة معنا بنزاهة بخصوص الضمانات ضد طرد العرب أو بشأن المساواة في الحقوق أو بخصوص الاستقلال القومي».
خلافاً لجابوتنسكي، فإن مسؤولي إسرائيل المحتلة والمستوطنة في أيامنا يخلقون شيطنة ممنهجة وجارفة للقومية الفلسطينية. دوافعهم واضحة: رغم أنه ظهر أكثر من مرة في الطرف الفلسطيني زعماء معتدلون مستعدون للحديث مع إسرائيل عن «تنازلات متبادلة» وحتى أنهم يتعاونون معها في مجال التنسيق الامني ضد الزعماء الأكثر تطرفاً، فإن حكومة اليمين العنصرية الاستيطانية الاسرائيلية غير معنية للاستجابة حتى للحد الادنى من طلباتهم مثل تجميد الاستيطان، ولا نريد التحدث عن «المساواة في الحقوق» أو «الاستقلال الوطني». هي تسعى لإجبار الفلسطينيين على الموافقة على شروط مهينة، على أرض تحت رعاية شبه حكم ذاتي، الذي سيأخذ بالتقلص باستمرار مع التوسع «الطبيعي» للمستوطنات. ولأن الفلسطينيين لا يستطيعون ولا يريدون الموافقة على ذلك فإن إسرائيل تفضل شن حرب لا تتوقف ضد القومية الفلسطينية بكل أقسامها.
لا يوجد مفهوم مناسب أكثر من مخربين الذي فيه يتم وصف ليس فقط قتلة المدنيين ومهاجمي الجنود، بل مؤخراً أيضاً أولئك الفلسطينيين الذين يريدون استخدام ضغط دولي على إسرائيل من أجل تبرير وضع القتال المتواصل ضد الفلسطينيين. في نهاية المطاف «مخربون» هو مفهوم أخلاقي ـ جنائي في أساسه، الذي يشير إلى كل من يعتبر المس الخبيث بحياة الانسان هدف وجوده. لذلك يجب ملاحقته حتى النهاية.
إن التوق المسيحاني ـ العقاري لاسرائيل للسيطرة على المزيد من الارض الفلسطينية لا يمكن اجتثاثه في المستقبل القريب، لكن يمكن الاحتجاج على التلاعب بالخطاب الذي يخدم الاحتلال، الاستيطان والابرتهايد من أجل وصف إقصاء الفلسطينيين عن وطنهم كحرب أبناء النور ضد أبناء الظلام.
الخطوة الحيوية الاولى لذلك هي التوقف عن الاستخدام المضلل لكلمة «مخربين» بخصوص كل الفلسطينيين الذين يقاتلون جنود الجيش الاسرائيلي في المناطق المحتلة. فقط عندما يتم اعتبار إسلام يوسف أبو حميد وأمثاله مقاتلون في جيش العدو وليس «إرهابيين» سيكون بالامكان البدء بتخيل احتمالية سلام بين الاسرائيليين والفلسطينيين.

هآرتس 19/6/2018

إسلام أبو حميد ليس مخرباً بل مقاتل
استخدام بعض الأوصاف هو وسيلة لدمغ كل الأعمال ضد المحتلين بأنها غير شرعية
دمتري شومسكي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية