اندلاع الحرائق في غلاف غزة نتيجة الطائرات الورقية وبالونات الهيليوم التي يطلقها الفلسطينيون من القطاع يضطر الجيش الاسرائيلي لتشديد تدريجي لرده. هذه الليلة تم تفجير أهداف عسكرية لحماس من الجو رداً على هجمات متواصلة للطائرات الورقية الحارقة. ولكن الجيش ما زال يوصي مجلس الوزراء المصغر بعدم اجتياز الخط ـ أي عدم محاولة قتل الاشخاص الذين ينظمون إطلاق هذه الطائرات، خوفاً من أن تنزلق الامور إلى تصعيد شامل على الحدود. إن اطلاق ثلاثة صواريخ من القطاع على النقب هذه الليلة رداً على القصف الاسرائيلي يدل على أن هذا أيضاً هو تهديد من حماس لاسرائيل. إذا ضربتمونا بسبب الطائرات الورقية فسنعود إلى الصواريخ.
يبدو أنه في النضال الطويل مع اسرائيل تعثر حماس في كل مرة على وسيلة أبسط، لكنها ليست أقل فاعلية لممارسة الضغط عليها. الفائدة التي أعطتها المظاهرات قرب الجدار التي بدأت في 30 آذار/مارس كانت محدودة فقط. في القطاع كان هناك 120 قتيلاً، لكن اسرائيل لم تتنازل عن مواقفها والجيش الاسرائيلي أحبط كل محاولات الاقتحام على طول الحدود. في هذه الاثناء مرت «أيام الذكرى» التي يمكن أن تستخدم كذريعة لاستقدام الجماهير. درجات الحرارة المرتفعة وصلت في هذه السنة أبكر من المعتاد واهتمام جمهور غزة تحول جزئياً إلى شؤون أخرى، في البداية شهر رمضان والآن المونديال. تكتيك استخدام الطائرات الورقية والبالونات تم الاكتشاف أنه ناجع جداً لحماس. صحيح أنه فقط القليل منها يؤدي إلى الحرائق، لكنها وسيلة رخيصة بشكل خاص وسهلة جداً للاستخدام. الحرارة والرياح تزيد النار، الضرر النفسي الذي تحدثه الحرائق في غلاف غزة أكثر من الضرر الحقيقي، المشاهد الفظيعة للحقول السوداء تخلق في إسرائيل ضغطاً جماهيرياً على الحكومة طلباً للرد.
إلا أنه هنا ظهرت عقبات غير متوقعة. ليس مثل باقي العمليات العنيفة على الحدود فإن إطلاق الطائرات الورقية يكون بعيداً عن الحدود، من وسط القطاع، أبعد من مدى إطلاق القناصة. عدد من الوزراء يطلبون المصادقة على عمليات تصفية محددة ضد رؤساء الخلايا. في الجيش يعتقدون أن وسيلة الهجوم الجوي مبالغ فيها بالنسبة للهدف. لا يمكن قتل عدد من الاشخاص بقصف جوي فقط بسبب أنه يمكن أن يكون بينهم شخص متورط في هذه العملية. بالمناسبة، حسب الاستخبارات فإن الجهد نفسه تقوده حماس. فهي تشجع على إطلاق الطائرات الورقية الحارقة وتدفع المال وتقدم أدوات للمنفذين الذين في معظمهم من الشباب والشبيبة.
كرد مؤقت فإن الجيش الاسرائيلي يستخدم ويطور عدداً من الوسائل. طائرات مدنية موجهة يتم تجنيدها لاعتراض الطائرات الورقية والتي تحقق نجاحا جزئيا، حيث أن بالونات الهيليوم تبين أنها تحد يصعب حله. في نفس الوقت يحاولون بلورة تكنولوجيات أخرى. على الصعيد الهجومي سلاح الجو أطلق ناراً تحذيرية على مجموعة عملت على تحضير الطائرات الورقية، وهاجم مخازن وضع فيها مخزون من الطائرات الورقية وقصف سيارة استخدمها نشطاء الخلايا. في هذه الليلة للمرة الاولى قُصفت أيضاً أهداف لحماس، مواقع للقوة البحرية والذراع العسكرية ومواقع لانتاج السلاح.
إطلاق الصواريخ على النقب في هذه الليلة بعد القصف. حتى لو نفذ على أيدي أحد التنظيمات الصغيرة التي اعتادت اسرائيل وصفها بالمارقة، يبدو إشارة واضحة. حماس تحاول إملاء قواعد اللعب: هي تريد أن تتواصل ظاهرة الطائرات الورقية المشتعلة واسرائيل ستخاطر بتصعيد إطلاق الصواريخ إذا شددت خطواتها رداً على ذلك. في يوم القتال الاخير، 29 أيار/مايو، أُطلق تقريبا 150 صاروخاً وقذيفة من القطاع على غلاف غزة، إلى أن تدخلت مصر وتوصلت إلى وقف لاطلاق النار. لا يبدو أن حماس تعلمت هنا أي درس، رغم خطاب النصر الاسرائيلي.
ولكن في الخلفية هناك اعتبارات أخرى. التوجيه الصريح للمستوى السياسي والجيش الاسرائيلي يقول إن الشمال أهم من قطاع غزة. حسب هذه المقاربة محظور السماح للقطاع، النشاطات التي تتم بتشجيع من إيران، أن يحرف الانتباه عن أهداف المعركة الاسرائيلية الاساسية، طرد القوات الإيرانية والمليشيات الشيعية من سوريا. في القطاع في كل الحالات من الافضل الانتظار حتى استكمال بناء الجدار ضد الأنفاق، الذي يتوقع خلال سنة. هذا ما يقوله رئيس الحكومة للجيش في المنتديات المغلقة، وهذا ما حاول رئيس الأركان آيزنكوت شرحه أمس للكابنت.
بعض وزراء الكابنت الذين يدركون مقاربة نتنياهو، يحتجون على تبريرات الجيش، لكنهم لا يتحدون بشكل مباشر رئيس الحكومة. في هذه الأثناء الخطوات العسكرية المحدودة ضد خلايا الطائرات الورقية لا تحقق النتائج المطلوبة. حماس، بوسائل بسيطة، نجحت في هذه المرة في أن تأخذ من إسرائيل ثمنا باهظا أكثر مما دفعته على المظاهرات.
في الخلفية فقد بدأت الادارة الأمريكية بخطوة جديدة لتجنيد الاموال من دول الخليج بهدف تحسين وضع البنى التحتية في القطاع، لكن إلى حين حدوث ذلك، فإن التوتر بين إسرائيل وحماس يمكن أن يتدهور إلى تصعيد أكثر شدة. ما تريده إسرائيل واضح الآن وهو تشديد الرد وكسب الوقت لتركيز الاهتمام على الشمال. السؤال هو ما الذي تريده حماس حقاً. وإذا كانت قيادة المنظمة يائسة بما فيه الكفاية لأن تكون مستعدة حتى المخاطرة بحرب ـ الاولى في المنطقة ـ ستبدأ بسبب الطائرات الورقية.
هآرتس 19/6/2018