سيغف… الانكشاف الأخلاقي لأوسلو

حجم الخط
2

حتى يوم أمس كنا نعرف أن اتفاقات اوسلو ـ التي منحت المجد لعظيم القتلة عرفات، كلفت آلاف الإسرائيليين حياتهم، سمحت لعصابات القتل المسلحة بالانتشار في أطراف عاصمتنا ـ جاءت إلى هواء العالم بسبب تاجر مخدرات مدان خان ناخبيه، الذين بعثوا به إلى الكنيست كي يمنع بالضبط ما سمح به بخيانته.
ابتداء من أول أمس نحن نعرف، بان هذه الاتفاقات اللئيمة، التي اغرقت شوارع البلاد بالدم والدموع، لم تقم فقط بأقلام من تاجر بالمخدرات وخان ناخبيه، بل بأقلام من، أغلب الظن، خان دولته. بمفاهيم عديدة، فإن غونين سيغف واتفاق أوسلو هما الانكشاف الاخلاقي الواحد للآخر. مثلما كان سيغف هو وصمة عار على الحياة العامة في البلاد، نقطة درك أسفل من الغش والخداع، هكذا هي اتفاقات أوسلو ـ وصمة عار على حياتنا الوطنية، ذروة إهانة من الوعود العابثة، التضليل والوهم الذاتي. لا وجود للواحد من دون الآخر. مثلما ما كان يمكن لأوسلو أن يكون من دون سيغف وميوله الخيانية عديمة الكوابح، هكذا ايضاً من دون أوسلو والارادات اليائسة عديمة اللجان لمهندسيه، ما كان سيغف ليكون من منصب وزير، الذي أعطاه مسلكاً للاطلاع على المعلومات كي يتاجر بها مع العدو. بالضبط مثلما تبنينا في أوسلو عدواً مريراً في حضننا، هكذا سيغف هو الآخر.
لقد كان أوسلو نقطة انعطاف في تاريخ الصهيونية، بعده، لم يكن أي شيء مثلما كان من قبل. كل ما اعتبر قيمة منشودة ـ كالاستيطان والعلاقة بأرض الوطن ـ أصبح محتقراً أو مرفوضاً. سيغف هو الآخر كان بقدر كبير نقطة انعطاف في تاريخ السياسة الإسرائيلية، نقطة انصرف فيها الخجل عن ناخبينا، وبعدها أصبح العهر السياسي مفهوما بل ومقبولا. فالوعود أصبحت عديمة القيمة، والمبادىء والالتزام الايديولوجي ليس أكثر من أوراق مساومة، قابلة للاستبدال في أول فرصة مجدية. الطموح الشخصي وتحقيقه بكل ثمن، أصبح قيمة عليا دحرت كل عائق وأزالت كل أثر أخلاقي وضميري.
التقيت بسيغف في بداية العام 1992، عندما كنت أميناً عاماً لحركة تسوميت. فقد جاء من اللامكان، بعد أن كان لا يرى على الاطلاق في النشاط الحركي أو السياسي، كي يتنافس على المكان الثاني في قائمة الحزب للكنيست (في صالح القراء الذين لا تصل ذاكرتهم إلى أبعد من 25 سنة إلى الوراء، فقد كانت تسوميت حزبا صقريا علمانيا، عارض بشدة مبدأ «الارض مقابل السلام»).
في نظر الكثيرين ـ بمن فيهم رئيس الحركة، رئيس الاركان الاسبق رفائيل (رفول) إيتان ـ اتخذ سيغف صورة «ملح الارض»: طبيب شاب، موهوب وجذري، ذو ماض قتالي في الجيش الإسرائيلي، وسيم، مثقف وذو حضور. الكثيرون ـ وعلى ما يبدو رفول أيضاً ـ وقعوا ضحية لسحره، وتضللوا وراءه حتى تحطمت حركتهم والمبادىء التي آمنوا بها.
هكذا اعتبرت أيضاً اتفاقات أوسلو في نظر الكثيرين ـ وعلى ما يبدو في نظر إسحق رابين أيضاً ـ كبشرى جديدة ومنعشة، خطوة سياسية بعيدة النظر والأثر، من شأنها أن تحقق عهداً جديداً من الثراء والسعادة، السلام والسكينة، و «شرق أوسط جديد» يمتد من الكويت وحتى الدار البيضاء، من المغرب وحتى الخليج. مثلما في حالة سيغف، هكذا في حالة أوسلو، وقع الكثيرون ضحية سحره، وسمحوا له بأن يضللهم حتى انكسار حلمهم.
إذا سمح لي بلحظة من انعدام التواضع ـ بخلاف الكثيرين، لم أقع ضحية سحر/فتنة سيغف. العكس هو الصحيح: سرعان ما لاحظت فيه كاذبا أصيلا، أعطى للخداع سمعة سيئة.
والدليل، في تلك اللحظة حقاً، حين انتخب سيغف بدعم من رفول إلى المكان الثاني في قائمة تسوميت للكنيست ـ بدلا من صديقة يوآش تسيدون، أحد البرلمانيين اللامعين الذين عرفتهم الكنيست ـ تبلور في قلبي قرار بأنني لا يمكنني أن أدعو شعب إسرائيل لأن يصوت لمثل هذا الرجل، ولهذا فقد سحبت اسمي من مواصلة التنافس، واستقلت من منصبي كأمين عام. الباقي تاريخ. في أحيان غير قليلة أتساءل، كم يمكن له أن يتغير، لو أن الناس كانوا صحوا في الوقت المناسب.

إسرائيل اليوم 20/6/2018

سيغف… الانكشاف الأخلاقي لأوسلو
غونين كوزير أيد الاتفاق الذي منحه الشرعية ومكّنه من الخيانة والخداع
مارتين شيرمن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية