عمان- «القدس العربي»: تقدم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل رسالتها الأولى عشية زيارتها «المهمة» للأردن وهي تصطحب معها صنفين من المرافقين يمثلان البرلمان الألماني وشريحة من طبقة «رجال الأعمال».
في المقابل يمكن ببساطة رصد الملاحظة الزمنية التالية: «القشاش» الألماني الخبير يتوقف في عمان قبل مضي 48 ساعة على الأقل من زيارة خاطفة قام بها للعاصمة الأردنية رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو أعقبتها «مناورة سياسية» جديدة لصهر الرئيس الأمريكي جاريد كوشنر ورفيقه التابع جيسون غرينبلات وفي»العمق الأردني».
سياسياً وعملياً لا يمكن تجاهل هذا التسلل الزمني لكبار الضيوف الذين توقفوا بالتتابع في عمان وسط تكتم شديد على التفاصيل وبيانات صحافية مقتضبة لا تقول شيئاً للرأي العام.
المهم في المشهد أن مؤسسات العمق الأردنية درجت على التعامل مع «النشاط الألماني» إنطلاقاً من فهم طبيعة دور برلين في ملفات المنطقة الاساسية حيث ينظر للحكومة الألمانية عموماً بأعتبارها مكتب «السكرتاريا» الخلفي والخطير للبيت الأبيض في عهد الرئيس دونالد ترامب.
في الأثناء استقبل الأردن الرباعي نتنياهو وكوشنر وغرينبلات ثم ميركل بعد سلسلة رسائل عميقة ملغزة تقول بان المملكة لا تزال في المحور الأمريكي ولا تخطط للمغادرة ومستعدة للتفاصيل. وبين تلك الرسالة إختيار رمز «إصلاحي» مقبول للغرب وعمل مع مؤسساته رئيساً للوزراء هو الدكتور عمر الرزاز.
وأهمها عدم الاستعجال في إنجاز مصالحة مع النظام السوري وتهميش مع تقليص العلاقة مع تركيا اردوغان والتردد في عودة السفير القطري ثم الرسالة الاهم والتي تقول بأن العلاقات مع إيران ليست في طريقها لأي انفتاح عندما تقرر سحب السفير عبدالله ابو رمان رسمياً للمركز وعدم تعيين بديل.
هنا وعند التعمق في بعض التفاصيل التي لمستها «القدس العربي» لا بد من الإشارة إلى أن تحول عمان لمنصة استقبال لنخبة من قادة العالم المتحركين ليس صدفة فكل المؤشرات بما فيها ردود فعل النخب الأردنية الوطنية توحي بأن تفصيلات عملية سلام جديدة بدأت تتوالد.
يمكن بطبيعة الحال استنتاج أو إدراك بعض الحيثيات المثيرة من خلال محاولات فهم بعض المشاهد التي اثارت الكثير من النقاش والدلالات خلف ستارة «الإستراتيجية الأردنية الوقائية».
الاشارة اللافتة أكثر تتمثل في إجتماعات السفير الأمريكي الصقوري المتشدد لصالح إسرائيل ديفيد فريدمان بالفريقين الإسرائيلي والأمريكي في تل ابيب وواشنطن على هامش التوقف في عمان.
الزج بفريدمان في عمق الصورة يوحي ضمنياً بأن الهندسة الأمريكية لملف السلام والقضية الفلسطينية بدأت تحضر وبقوة على الطاولة الأردنية فالأخير موصوف بأنه أكثر خطورة من كوشنر وحلقة قريبة جداً من الرئيس ترامب واحد حراس مشروعه «الإسرائيلي».
وفد أمني رفيع
مع نتنياهو وفي زيارته الأخيرة الخاطفة لعمان حضر وفد «أمني رفيع» بامتياز بدون رموز سياسية حيث اصطحب معه رئيس جهاز الموساد ورئيس طاقمه الاستشاري ومستشاره العسكري ولم يرافقه أي طقم سياسي او دبلوماسي فغابت عن المجريات مؤسسة الحكومة الأردنية الوليدة.
يوصف الموساد تحديداً بأنه أكثر أجهزة إسرائيل «مصداقية» عند المؤسسات الأردنية وعندما كان الناطق الرسمي الأردني المخضرم محمد مومني يتحدث عن «اتصال وتواصل» مع العمق الإسرائيلي كان المقصود دوماً المؤسستين الأمنية والعسكرية حيث الثقة منعدمة تماماً بنتنياهو وطاقمه.
تؤشر هذه الحيثية على ان المؤسستين الأمنية والعسكرية ضغطتا على نتنياهو مرتين مؤخراً بخصوص الملف الأردني فقد منعتاه من استغلال الظروف الاقتصادية والشعبية الأخيرة للمملكة وتدخلتا لاحقاً لإجباره وحسب مصدر مطلع جداً على «التفاهم» مع الأردن الرسمي وقطع مرحلة الابتزاز السياسي وكسر الجمود.
ذلك حصل بالتأكيد بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية التي أبلغت الأردنيين بعدم وجود المزيد من المساعدات المالية وبأن المطلوب منهم العمل على أساس مشاريع تنموية ذات بعد إقليمي وتحت عناوين إقليمية متسعة، الأمر الذي يبرر تشكيل وزارة جديدة في عمان بسياق تنموي اقتصادي كما يبرر اصطحاب ميركل معها لوفد مهم من طبقة رجال الاعمـال.
والأهم يبرر لاحقاً وفي خطوة تناغمية ترك حكومة الرزاز وحيدة في مضمار العمل المحلي والتخفيف عنها عبر طاقم «إداري» بحت بدون خلفية سياسية في القصر الملكي للتخلص من ظاهرة «حكومات ظل» يشتكي منها السفراء الاجانب قبل الشارع الأردني.
تلك في كل حال قصة أخرى والأهم أن نتنياهو ورفاقه بحثا مع الأردن بصورة أساسية ملف الجنوب السوري حيث المعركة الأهم قريباً. لكن عمان أرادت عدم تسليط الضوء على أجندة الجنوب السوري وخلافاً لما اصدره مكتب نتنياهو عن زيارته لعمان صدر خبر عمان الرسمي مانحاً الأولوية لما سمي بالتزام إسرائيل ببقاء الوضع كما هو في مقدسات القدس مع إسناد دور الوصاية الأردني.
احتفال بزيارة نتنياهو
عمان لا تريد وضع تفاهماتها مع إسرائيل بخصوص الجنوب السوري تحت الأضواء الساطعة لكن وجود السفير ديفيد فريدمان أنتج إنطباعاً بأن كواليس ما يسمى بصفقة القرن تقترب إلى حد كبير وسط تجدد مخاوف الأردنيين من حلول إقليمية على انقاض أزمتهم المالية والاقتصادية.
اللافت للنظر ان النخبة القريبة من دوائر القرار العميق في الأردن احتفلت بزيارة نتنياهو على اساس تقدير بانه «أخضع» للتفاهم وبصورة تعيد إنتاج «شراكة قديمة» مع تل أبيب وتقلص من نفوذ معسكر الاتصالات بين اليمين الحاكم في تل أبيب والأمير السعودي محمد بن سلمان على حساب الدور الأردني. على نحو أو آخر تحب مستويات فاعلة في عمان النظر لزيارة نتنياهو باعتبارها عودة للدور الأردني وتجميداً لسيناريو العلاقة المباشرة بين تل أبيب والرياض وابو ظبي لصالح «ضخ» الروح المسلوبة في التواصل بين عمان وتل أبيب وبغطاء أمريكي أولاً وإسرائيلي عميق ثانياً.
ثمة من قال مبكراً أمس الأول بأن زيارة نتنياهو عودة لـ «تعميد» الدور الأردني وإبعاد للشبح الأكثر خطوة المتمثل في «مؤامرة» مفترضة من اليمين الإسرائيلي تغامر في استقرار الأردن وتركب موجة وضعه المرتبك.
برزت بسرعة في أوصال القنوات الرسمية الأردنية هذه القناعات بعدما حضر نتنياهو برفقة رموز المؤسسة الأمنية بأجندة «احتوائية» للخلاف مع الأردن. وهنا حصريا يبدأ دور»القشاش الألماني».
مبدأياً وإلى ان تتضح أجندة وخفايا وقفة المستشارة ميركل عند المحطة الأردنية امس الأربعاء بصفتها «ضامنة» لأي ترتيبات لاحقة على الصعيد الفلسطيني واللبناني تحديداً يمكن القول بأن المكتوب الألماني يمكن قراءته من العنوان حيث وفد مرافق تشريعي باسم سلطة البرلمان الالماني وآخر من طبقة رجال الأعمال في إيحاء بأن ضمانات «البزنس» المسيس متاحة ايضاً.