تحالف روسيا والسعودية

حجم الخط
0

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لم يلاحظ في يوم الخميس الماضي كمن يشاهد منتخبه الوطني يتكبد خسارة فادحة من المنتخب الروسي. ابتسامته العريضة أثناء جلوسه إلى جانب الرئيس الروسي بوتين في مقصورة الشرف في ستاد لوجنيك في موسكو كانت كشخص حظي بشيء ثمين أكثر من كأس العالم لكرة القدم. فعليا المباراة الافتتاحية للمونديال بمشاركة منتخبي الدولتين شكل فقط ذريعة للقاء بين محمد بن سلمان وبوتين.
موظفون روس تحدثوا لوسائل الاعلام بعد مغادرة الامير روسيا، صادقوا على انه تم التوصل إلى اتفاق بشأن سياسة مشتركة للنظامين، قبيل لقاء منظمة الدول المصدرة للنفط «اوبيك» في بداية الأسبوع القادم في فيينا. منذ الآن، قالوا، إن العلاقة بين روسيا والاوبيك «ستكون مؤسسة». ليس مؤكدا أن هذا التأسيس سيكون مرضيا لكل أعضاء المنظمة.
اوبيك هي كارتل هدفه ضمان حصة من السوق للدول الاعضاء فيه وزيادة ارباحهم من النفط. نجاحه متعلق بتحقيق تنسيق واجماع بين الاعضاء. ولكن اعتبارات جيوسياسية يمكنها المس بالتعاون ـ في هذه الحالة العداء العميق بين دولتين من الدول المنتجة الرئيسية، السعودية وإيران.
في العام 2016 بعد انخفاض مستمر لأسعار النفط إلى ما تحت 30 دولاراً للبرميل توصل أعضاء أوبيك مع دول أخرى إلى تنسيق خطواتهم مع المنظمة ومنها روسيا، واتفقوا على تحديد التصدير. بفضل الزيادة المتواصلة للنشاط الاقتصادي العالمي، فإن الخطة نجحت وأسعار النفط ارتفعت مرة أخرى إلى اكثر من 70 دولاراً للبرميل. الآن يريد عدد من هذه الدول برئاسة السعودية وروسيا زيادة التصدير. الدولتان تخشيان من فقدان الشريحة السوقية لدول أخرى، أساساً للولايات المتحدة التي زادت بشكل كبير قدرة انتاجها وتصديرها للنفط قبل انتاج النفط من الصخور الزيتية. ممثلو روسيا والسعودية يقولون إن الطلب على النفط في العالم مرتفع بما يكفي لزيادة الانتاج، من دون أن يتأثر السعر بصورة جوهرية. الانخفاض في الاسعار تنوي الدول استيعابه عن طريق زيادة الانتاج، لكن ليس كل أعضاء أوبيك يستطيعون زيادة الانتاج.
إيران التي تواجه عقوبات صارمة جديدة من ادارة ترامب في اعقاب الانسحاب من الاتفاق النووي تفقد طلبات بحجم مئات آلاف البراميل يوميا. الحليفة فنزويلا واقعة في أزمة اقتصادية وسياسية شديدة أدت إلى هبوط انتاج النفط وانسحاب شركات دولية للطاقة. بالنسبة لهذه الدول حتى انخفاض بسيط نسبيا في أسعار النفط هو ضرر كبير لمدخولاتها، بدون قدرة على تعويضه من خلال زيادة الانتاج. سوية مع العراق وليبيا التي تعاني من مشكلات في الانتاج تصمم إيران على معارضة الخطة الروسية ـ السعودية في مؤتمر فيينا. لقاء بوتين ومحمد بن سلمان في موسكو بشر بحلف جديد بحيث تكون هذه الدول عاجزة أمامه. هل الحلف الجديد يبشر بنهاية حلف آخر، الحلف بين روسيا وإيران الذي عقد في ساحات القتال في سوريا؟.
في جهاز الاستخبارات الإسرائيلي تسود حتى الآن نظريتان حول قوة التحالف بين موسكو وطهران واحتمال دق اسفين بينهما. المتشككون يخشون من أن بوتين يعتبر الإيرانيين شركاء استراتيجيين وأن الروس يريدون مواصلة التعاون معهم من أجل توسيع وجودهم في الشرق الاوسط. في المقابل، هم يعتقدون أن روسيا ستسمح لإيران بتحقيق حلم «الهلال الشيعي» ـ ممر بري تحت سيطرة حلفاء إيران، يمتد على طول الطريق إلى شاطيء البحر الابيض. أمامهم يقف الذين قالوا إن محور إيران ـ روسيا ليس اكثر من اتفاق تكتيكي ومؤقت، سيبقى موجوداً فقط طالما أن الروس يحتاجون إلى لحم المدافع للمليشيات الشيعية في سوريا لانقاذ نظام الاسد. مع استقرار النظام، قالوا، فإن مصالح روسيا وإيران لن تكون متساوقة. الآن يبدو أنهم كانوا على حق.
قبل ستة أسابيع كان بنيامين نتنياهو ضيف شرف في مسيرة النصر السنوية في موسكو. هذه كانت اشارة على دعم روسيا لمطالب إسرائيل ابعاد القوات الإيرانية عن الحدود. هذا الدعم تم التأكيد عليه بصمت روسيا على هجمات إسرائيل ضد الاهداف الإيرانية في سوريا. هكذا لا تتصرف حليفة إيران، إلا إذا كان بوتين قد أعطاها إشارات بأنها ربما شريكة تكتيكية في كل ما يتعلق بدعم الاسد، لكن إسرائيل هي الحليفة الاستراتيجية.
استضافة محمد بن سلمان في مقصورة الشرف في المونديال هي إشارة أخرى تنذر بالسوء بالنسبة لإيران، منها يمكن الاستنتاج أن إيران ليست في قلب مصالج روسيا الاستراتيجية. بوتين مصمم على تحسين مكانة روسيا كدولة عظمى. محمد بن سلمان مستعد للجلوس على كرسي العرش وما يعتقد أنه سيكون بضعة عقود من ادارة المملكة، هو يريد وضع السعودية كدولة عظمى رائدة في الشرق الاوسط.
الزعيمان ينويان استخدام موارد الطاقة التي بحوزتهما كوسيلة لبناء قوتهما الجيوسياسية من خلال تنفيذ خطط لتقليص اعتماد اقتصاد بلادهما على النفط. أنظمة الاوبيك تقيد برامجهما. محمد بن سلمان يعتبر إيران عدواً يهدد مكانة النفوذ الرئيسية للسعودية.
في الشهر الماضي أثناء زيارة نتنياهو لموسكو كان محمد بن سلمان في ذروة جولة طويلة في الولايات المتحدة. اضافة إلى لقائه مع الرئيس ترامب وشخصيات كبيرة في ادارته تضمنت جولته ايضا لقاءات مع زعماء منظمات يهودية. بن سلمان كان مسرورا لاضافة اسمه إلى قائمة الداعمين لخطة السلام المتوقعة لترامب. ومع ذلك من الصعب رؤية كيف أن خطة السلام الأمريكية التي رفضها الفلسطينيون حتى قبل نشرها، تنجح في تحقيق حل إقليمي. ولكن هذا بالطبع ليس الهدف الرئيس لمحمد بن سلمان. دعم السعودية لخطة السلام من شأنه أن يكون المقابل الذي يعطيه ولي العهد في إطار محاولته لخلق حلف ثلاثي يتكون من الدول الثلاث الاكبر انتاجا للنفط في العالم ـ روسيا والولايات المتحدة والسعودية. هذا الحلف الثلاثي سيفيد بوتين وولي العهد أكثر من الاطار القديم لاوبيك، وسيبعد إيران ويدفعها إلى الزاوية. في هذا الحلف الثلاثي توجد مزايا اقتصادية وسياسية أيضاً بالنسبة لبوتين وترامب، حيث أنه سيمكنهما من ضمان حصة من السوق واستقرار أسعار النفط من خلال التنسيق بينهما. التنسيق مع روسيا والسعودية يتوقع أن يعزز ترامب أيضاً الذي يستعد لحروب تجارية مع أوروبا وربما أيضاً مع الصين. الجائزة الكبرى من ناحية بوتين هي دخول الولايات المتحدة إلى حلف دولي جديد من شأنه أن يضعضع التحالفات التقليدية لأمريكا مع الناتو والاتحاد الاوروبي، التي ينسب اليها بوتين تهمة انهيار الاتحاد السوفييتي. الآن يبدو أنه يريد ضعضعة اوبيك ايضا.
الخاسرون من الحلف الجديد هم باقي أعضاء الاوبيك، لا سيما إيران وفنزويلا والعراق وليبيا. من الحلف يتوقع أن يخسر ايضا الاتحاد الاوروبي الذي ضعف بسبب الانقسام الداخلي، النقاشات السياسية، الانسحاب المتوقع لبريطانيا في السنة القادمة والتوتر مع ادارة ترامب. كذلك دول الشرق الاقصى التي اقتصاداتها القوية متعلقة بالنفط، يمكن أن تتضرر. الرابحون يمكن أن ينضم اليهم نتنياهو المعني بكل تطور يضعف إيران والاتحاد الاوروبي الذي زعماؤه يصرون على الابقاء على الاتفاق النووي وأن يكون لهم دور في الموضوع الفلسطيني. القمة في نهاية الأسبوع يتوقع أن تكون لها تداعيات بعيدة المدى أكثر من أسعار النفط في السنوات القريبة القادمة.

هآرتس 22/6/2018

تحالف روسيا والسعودية
استضافة محمد بن سلمان في مقصورة الشرف في موسكو تنذر بالسوء لإيران
انشل بابر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية