سيرة حياة مليئة بأحداث السجن والاغتراب: العراقي خليل عبد العزيز يكشف أسرار الشيوعية العربية والروسية

حجم الخط
0

تكمن الأجوبة الصامتة لأسئلة ظلت ترافقنا طيلة عقود من الزمن، هل هو الحزن للنتائج؟ أم أننا مازلنا أسرى للتجربة التي تجــاوزها الحاضر؟ هذا ما أراد خليل عبد العزيز الخوض فيه، وهو يسجل تجربته السياسية والمهنية في كتابه الصادر مؤخراً عن دار سطور البغدادية (سجون، اغتراب، نضال.. محطات من حياتي)، التجربة التي تجاوز فيها الماضي بانكساراته وآماله، والمفعم بتداعياته، فألّف في فصوله، ليصبح مقروءاً، وجعلنا أقدر على متابعة أحداثه، بسبب من صلته الوثيقة بها، ولأنه جزء منها، وقدّم في الوقت ذاته تجربته الغنية بالمفاجآت والأسرار، حتى استطاع أن يعيد تأليف المخفي أو المستور من تاريخ الحزب الشيوعي السوفييتي والأحزاب الشيوعية العربية، يستحث الرغبة في التأمل والمراجعة في المادة المهجورة والحاضرة معاً.

الإفلات من المشنقة

فمنذ أن تمكن من الإفلات من حبل المشنقة بتهمة التصدي لحركة الشواف عام 1959 في الموصل، وهروبه للاتحاد السوفييتي، ما انفك خليل ينفصل عن تاريخه الذي يؤلف فصول حياته، ثابتاً على مبادئه ومنهج تفكيره، يحمل هويته الوطنية والنضالية منذ أواسط خمسينيات القرن المنصرم، إذ بدأ يتشكل وعيه السياسي، والملامح الأولى لنشاطه المهني، إذ شارك في انتفاضة تشرين الثاني/نوفمبر 52، وترأس اتحاد الطلبة العام في الموصل، ومثلّ الطلبة في لجنة الجبهة الوطنية التي خاضت انتخابات عام 54 البرلمانية، حُكم عليه بالسجن لمدة عام واحد إثر انتفاضة 56، وكان من بين المبعدين إلى بدرة. عاد مسؤولا لاتحاد الطلبة بعد يوليو/تموز 58، أكمل دراسته العليا في الاتحاد السوفييتي، ونال درجة الدكتوراه في الإعلام عن بحثه في قانون الصحافة المصري، وعمل باحثاً في معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم السوفييتية.

شهادة حيّة

يقول كاظم حبيب في كلمته التي تصدرت الكتاب، إنه شهادة حية وصادقة عن الأحداث، وتمكن خليل من وضع أصبعه على الجرح الكبير. ومن الإنصاف القول إن حبيب قدم بإيجاز خلاصة وافية للكتاب، وتمكن من تناول أكثر المشكلات حساسية، وتوقف عند أبرز العوامل التي كانت وراء انهيار تجربة السوفييت، يأتي في مقدمتها غياب الديمقراطية، ومصادرة الحريات، وعدم ممارسة النقد والنقد الذاتي بوعي ومسؤولية. كما قدم الكاتب فرات المحسن جهداً طيباً ورائعاً في الإعداد والحوارات، وربما يعود له الفضل في تحريك ذاكرة المؤلف، وفتح صندوق الأسرار في عقله، فشارك مشاركة فعلية في إنجاز هذا الأثر من تراكم الخبرات، باعتباره مشروعاً سياسياً مفتوحاً للغد. لعل خصوصية هذا (الأثر) تكمن في جدارة المؤلف بتسجيل الأحداث التي عاشها بحرارة، هو في وسط المعترك وفي خضمّه، منتسباً إليه، بدون أن يحصر همّه في الخضوع لسلطة الأيديولوجيا، وصرامة التنظيم الحزبي التقليدي، يمتلك عقلاً منظماً وحريصا، بدليل احتفاظه بدفتر خدمته العسكرية لحد الآن، لأنه يثبت فصله عن الدراسة بسبب انتمائه للحزب الشيوعي العراقي، كما مدوّن في صفحات الدفتر.

بعيداً عن دوغما الحزب

إن قراءة متأنية للدلالات التي تضمنها الكتاب، ستفضي بنا إلى إدراك معنى الفعل النضالي والسياسي عند خليل، إذ يبدو متطابقاً مع أفكاره المرسومة بدقة على سنوات التجربة، منذ أن تمرد على القرار الحزبي الذي تبلغ به من قبل الشهيد سلام عادل مباشرة حين كان في موسكو، والذي يلزم خليل بمواصلة الدراسة الحزبية في معهد طشقند الفلاحي، فامتلك حريته في الاختيار، خارجاً عن الطاعة الحزبية، ليواصل دراسته العليا بإصرار وتحد. تحول خليل إلى شخصية فاعلة ومؤثرة طيلة سنوات عمله في معهد الاستشراق، ومن خلاله تهيأت له فرص ذهبية في دخول الكواليس السياسية العالمية والعربية، لم تكن تتوفر لغيره في ذلك الوقت، كما يعبر عنها الكاتب، إذ توطدت علاقاته بالشخصيات الحزبية والدبلوماسية من مختلف بلدان العالم، وسافر والتقى الكثير من رؤساء وملوك ورجال سياسة وحكام عرب وغيرهم، والاطلاع على مكنونات سياسية ودبلوماسية واسعة، التقى الرئيس عبد الناصر ونائبه علي صبري، واثناء وجوده في القاهرة في مرحلة إعداد البحث، التقى محمد حسنين هيكل، ورفعت السيد ولطفي الخولي، وكان ضيفاً على الحكومة المصرية طيلة وجوده في مصر، وهناك تعرفّ على بريماكوف مراسل جريدة «البرافدا» في القاهرة. كما التقى كبار القادة اليمنيين: سالم ربيع علي، علي ناصر محمد، أثناء احتدام الصراع على السلطة في اليمن، واختاره عبد الفتاح إسماعيل مستشاراً خاصاً له لأشهر عدّة، كما التقى الحسين ملك الأردن، والرئيس الصومالي سياد بري، وزار إثيوبيا في فترة حكم منغستو مريام. وشارك في فعاليات وأبحاث المعهد، ومنحته التجربة معرفة غنية في مجالات العمل المختلفة. محطات عبد العزيز تحمل أكثر من إشارة لعمق الصراعات السياسية بين مجاميع ومؤسسات الدولة السوفييتية والحزب، إلا أن تلك الخلافات كانت تختفي تحت سقف الاجتماعات الحزبية، كما قدّم المؤلف أدلّة عديدة على مظاهر فساد كبيرة كانت تنخر جسد الدولة بعمق، واختلف مع نهج بعض القادة الذين تبنوا مفهوم التطور اللارأسمالي كطريق للوصول الى الاشتراكية اعتماداً على أحزاب حاكمة في بلدان العالم الثالث، وبسبب موقفه غير الإيجابي من هذا المفهوم، واجه متاعب عديدة في تصديه لهذا النهج. لاسيما مع بعض القادة كـ (بونوماريوف وبريماكوف) والأخيرالذي سعى دائما للإيقاع بخليل وإقصائه.

صدمات أولى

إن أقدر الأفكار على الازدهار في تاريخ البشرية هي تلك الأفكار التي تخدم الإنسانية، هكذا تعلّم وفهم خليل النظريات والأيديولوجيا، في حدود تجربته الأولى، لم يكن عارفاً أنه سيواجه سلوكاً خارج أحلامه و(مقدساته)، إلا أن علامات الاستفهام الحائرة بدأت بسيطة وازدادت تعقيداً، منذ أن طلب منه موظف السفارة الروسية في فيينا أن يتبضع بعض الحاجيات ليبيعها في موسكو ويستفيد من فرق العُملة، أو الآخر المرافق له الذي زوّر الفاتورة ليكسب مبلغا إضافيا من دائرته، وأثناء تحضيرات الدراسة في مصر يكتشف أن بريماكوف مراسل «البرافدا» كان يلطش تقاريرالصحافة المصرية وينسبها لنفسه، وأن الزمالات الدراسية كانت تتم من خلال رشى تقدم لهذا المسؤول أو ذاك. وسلط الكاتب الضوء على (مهزلة) منح فاضل البراك شهادة الدكتوراه بفترة قياسة لم تتوفر لأي طالب سواه، بسبب العلاقات (الطيبة) بين الحكومتين، علما أن خليل قدم وثيقة تثبت دور ألياس فرح في كتابة فصول الدراسة عن حركة رشيد عالي الكيلاني، لأن البراك كان منصرفاً لشراء سيارة وشقة للسيدة ( لودميلا) بدون أن يعرف أنها كانت مجندة لصالح المخابرات السوفييتية.

الفارابي المفتاح السحري لزيارة الوطن

تمكن معهد الاستشراق من إقناع صالح مهدي عماش السفير العراقي في موسكو في إقامة مهرجان الفيلسوف الفارابي في بغداد وألما آتا عاصمة كازاخستان في آن واحد، وكلف خليل بوضع الترتيبات لتنفيذ الفعالية بالتنسيق مع السفير ومرافقته إلى بغداد، كيف يتسنى له ذلك؟ وشبح أحكام الإعدام مازالت تلاحقه، فتدخل عماش لدى البكر في إلغاء الأحكام، وكانت المفاجأة أن يصل خليل الوطن ويلتقي رئيس الجمهورية البكر، وطارق عزيز، ويتعرض الى محاولة اغتيال أثناء سفره إلى كردستان مع عائلته.

عاهات الشيوعية العربية

يسعى خليل عبد العزيز لتقديم الحلول لمعضلات واجهت حركتي اليسار و(التحررالوطني)، بل ويثيرها أمام القارئ ليفتح له باب الحوار معها، فالمحطات التي توقف عندها لم تكن رموزاً وألغازاً، إنه يؤلف لغته الواضحة من نسيج الأحداث، لهذا يبدو في أغلب المحطات التي توقف عندها جريئاً في صراحته، ما جلب له المتاعب والاتهامات والشكوك وعدم الرضا، لاسيما في المحاور التي كشف فيها عاهات الأحزاب الشيوعية العربية وتبعيتها لسلطة (الأب) الصنم، في تنفيذ غاياته التصفوية، واعتباره مرشداً ومعلماً لا غنى عنه. ولعل هذا ما يواجهه أي متصد للكتابة عن التحجر والانغلاق.
هل يمكن لنا أن نضع اشتراطاتنا وحسب قناعاتنا للارتقاء بمستوى التوثيق؟ فما زلنا نعتقد أن في ذاكرة خليل عبد العزيز اليقظة طاقة مختزنة، تحاول أن تخترق السكون. فهي مؤهلة للتعبيرعن ظروف المرحلة التاريخية التي عاصرها، وأن كشف المستور منها سيقودنا حتما إلى فهم الأهمية التي ينطوي عليها دور هذا الشاهد الحي، فهناك قضايا أخرى كثيرة تستحق التسجيل بموضوعية وحيادية. وبخلاف التكرار في سرد الأحداث، والعنوان شديد التقليدية، يبدو الكتاب على درجة من الأهمية، تتجاوز الذكرى لتفسر الحاضر.

٭ كاتب عراقي

الكتاب: سجون، اغتراب، نضال .. محطات في حياتي
المؤلف: خليل عبد العزيز
الناشر: دار سطور للنشر والتوزيع، بغداد/العراق، 2018.

سيرة حياة مليئة بأحداث السجن والاغتراب: العراقي خليل عبد العزيز يكشف أسرار الشيوعية العربية والروسية

جمال العتاّبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية