اوباما: تجسس وتجاوز للحدود

حجم الخط
0

يرفض الكابوس الذي يسمى ادوارد سنودن ان يختفي من برنامج العمل الدولي، فرغم ان كشوفه المثيرة عن التعقبات الواسعة التي قامت بها وكالة الامن القومي للأعداء والحلفاء معا، كان يفترض ان تُدفع الى هامش المسرح، بعد ان حصل سنودن على لجوء سياسي في روسيا فانه ما زال بواسطة شركائه يكشف تعبيرات جديدة عن شهوة الوكالة التي لا تشبع للمعلومات.
إن نتف المعلومات الاخيرة التي سُربت الى وسائل الاعلام البريطانية والالمانية، تعطي أساسا آخر للصورة التي أخذت تتشكل لتجسس لا ضوابط ولا قيود له على الانترنت وخدمات الهواتف، تزيد سعته على كل ما يمكن أن يخطر بالبال.
ومن العجيب بصورة خاصة أن ادارة اوباما خاصة، التي تدعي أنها المتحدثة والممثلة لجماهير بلا حقوق مدنية، والمناضلة بلا كلل (بالخطابة على الأقل) لأجل الأقليات المضطهدة، هي ‘المخالفة للقانون’ المتسلسلة، ومن العجيب صلتها بالأساس بشريكاتها في الطريق.
هذه هي في الحقيقة المفارقة الساخرة الحقيقية في الفصل الاخير من قضية سنودن. فبخلاف ادارة بوش الابن، التي بادرت على أثر عمليات 11 أيلول/سبتمبر الى ‘قانون الوطنية’ (الذي أضر اضرارا كبيرا بحريات اساسية وبقواعد اللعبة الديمقراطية)، رفع وريثه في البيت الابيض علم الليبرالية والرجوع عن رؤية الديمقراطية المجندة. ومع ذلك كله نشهد اليوم أن باراك اوباما يتابع تراثه التجسسي، بل يوسعه ويُعظمه. إن المقادير التي تم الكشف عنها في الايام الاخيرة لا يمكن استيعابها حقا، فالحديث في ما يتعلق بفرنسا، وهي العضو الكبيرة في حلف شمال الاطلسي، بما لا يقل عن 70 مليون مكالمة هاتفية ورسالة نصية لمواطنيها تم اعتراضها في شهر واحد فقط.
فهل يمكن أن يُفسر هذا النشر الضخم للنظام الذي لا نهاية له في سياق مكافحة الارهاب فقط، هذا الى ان كثيرين ممن استهدفوا في التعقب كانوا ساسة ورجال اعمال؟ وهل من الممكن أنه مع الطموح الى توسيع مخزون المعطيات والمعلومات، وأن تُستعمل بذلك في الحد الاقصى التقنيات المتقدمة المتاحة للوكالة، قد دخلت الى الصورة ولو في الهامش ايضا، مصالح اعمال ومصالح تجارية (لا أمنية بصورة خاصة) لاتحاد شركات امريكية؟
وتزداد الصورة تعقدا حينما يُركز الضوء على ساحة واحدة لخطة التعقب التي انشأتها وكالة الامن القومي. فعلى حسب الكشوف الاخيرة التي لم تُنكر اعترضت الوكالة ايضا البريد الالكتروني لرئيس المكسيك الحالي، انريكا بنيا نيتو، وبريد سلفه فليبا كالدرون، بعد ان تبين مؤخرا ان رئيسة البرازيل قد وقعت ضحية لتعقب مشابه ايضا. وازاء الماضي المشحون المليء بالرواسب للعلاقات بين القوة العظمى الامريكية وجارتها المكسيك، كان يمكن ان نتوقع من ادارة اوباما (التي تؤيد سن قانون هجرة ليبرالي يُمكّن من اعطاء الجنسية لأكبر مجموعة مهاجرين من المكسيك) أن تكشف عن حساسية وحذر أكبر في سلوكها في هذا المجال. وتبين بدل ذلك، كما في قضية تعقب الرئيسة روسيف، أن العم سام غير قادر على الثبات للاغراء. وهكذا تعود الامة الامريكية في نفق الزمان الى عصر ‘الامريكي القبيح’، الذي يتميز بالهيمنة والنبش الدائم في السياسة الداخلية لدول في ساحته الخلفية، أو دول متعلقة بارادته الطيبة. صحيح أنه ما زالت توجد مسافة كبيرة بين التنصت والتدخل بالفعل (ويشمل ذلك تشجيع الانقلابات العسكرية)، لكن مجرد الدخول الى المجال الأخفى، وهو التراسل الشخصي الذي يجري بين قادة شركاء استراتيجيين في القارة الامريكية، يشهد بأن اوباما لم يتعلم بعد دروس التاريخ في هذه الساحة، فقد بقي اذا أعمى عن خطر أن سلوكا لا حدود له سيشعل من جديد نار الكراهية للعملاق الامريكي وتراثه واساليب عمله العنيفة الاستكبارية.
جرى ماء كثير في نهر بوتوماك منذ عبر هنري ستمسون، الذي تولى وزارة الخارجية الامريكية في ادارة الرئيس هيربارت هوفر في 1929، وعبر عن معارضته الشديدة للتفتيش في البريد الدبلوماسي للدول العدوة. فقد قال انه ليس من العدل أن يُقرأ بريد الغير. وإن الشيفرة الاخلاقية التي وجهت ستمسون في هذه القضية قد هوت منذ زمن في هاوية النسيان ويمكن فقط ان نأمل ان تعود شظايا منها على الأقل بعد ان تهدأ العاصفة.

اسرائيل اليوم 23/10/2013

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية