تعرض قطاع غزة لأكبر حالة انهيار اقتصادي نتيجة عدة أسباب تتعلق بالحصار الإسرائيلي المستمر على القطاع إضافة إلى سلسلة العقوبات الاقتصادية التي تفرضها السلطة الفلسطينية، واقع ألقى بظلاله بالسلب على مئات التجار وأصحاب رؤوس الأموال الذين خسروا مبالغ كبيرة وباتوا داخل السجون بفعل حالة الركود والشلل الاقتصادي الحاد. في المقابل اتجه عدد كبير من المستثمرين نحو إنشاء محطات بيع الوقود كمسلك أخير وناجح أمام استثمار أموالهم، حيث تشهد غزة طفرة نوعية من خلال انتشار واسع وكبير لمحطات الوقود على الرغم من صغر المساحة العامة للقطاع مقارنة بانتشار المحطات. وما يميز هذه المحطات عن ذي قبل هو الزخارف المعمارية الجذابة، واحتوائها على أقسام بيع الزيوت والمشروبات الغازية إضافة إلى إدخال الماكينات الرقمية الحديثة في تعبئة الوقود للمركبات، وهو ما شجع أصحاب محطات الوقود للتنافس في الديكورات الجمالية للمحطات التي أصبحت حديث المواطنين في الشارع نتيجة تكاليفها الباهظة.
وبين حامد بهلول أمين سر جمعية أصحاب محطات البترول في غزة أن الانتشار الكبير لمحطات الوقود، يأتي نتيجة مجموعة من الدوافع وأهمها تراجع النشاط الاقتصادي، خاصة في مجال تجارة العقارات التي كانت مربحة بالنسبة للتجار ورجال الأعمال.
وأشار لـ»القدس العربي» إلى أن سلوك التجار لإنشاء محطات الوقود كان خيارهم الوحيد والناجح باعتبار أن سلعة الوقود لا يمكن التوقف عن تداولها أسوة بغيرها من السلع التي اضطر الناس تحت وطأة الفقر والبطالة التراجع عن استخدامها أو على الأقل شرائها بالدين، وهذا يفسر توجه رأس المال نحو إنشاء هذه المحطات لحجم الأرباح الكبير الذي تجنيه.
وأوضح أن المحطات الآن تشهد تنافساً شكليا يتعلق بالمظهر الخارجي والتصميم الفني للأسقف الذي يعد عنصر جذب بالنسبة لسائقي المركبات فيما مستوى تقديم الخدمة يعتبر واحداً في جميعها.
وفي مشهد آخر يضاف إلى الحالة الجمالية التي يتنافس عليها أصحاب تلك المحطات، إقدام بعضهم على وضع سيارة حديثة على أبواب المحطات ضمن مسابقات لتشجيع المواطنين على تعبئة سياراتهم من المحطة والدخول على سحب بعدة جوائز قيمة وفق وقت محدد، وهو ما بدأت بالتنافس به بعض المحطات إضافة إلى نشر الإعلانات التشجيعية الأخرى عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة والإذاعات المحلية.
وفي هذا السياق أكد رئيس جمعية أصحاب شركات البترول محمود الشوا أن انتشار محطات الوقود في غزة شكل حالة من الفوضى في ظل استمرار إصدار التراخيص لإنشاء المزيد منها والتي أصبحت تسير بمخططات غير منتظمة لا تبعد المحطة عن الأخرى مسافة 500 متر في بعض المناطق العامة والحيوية.
وأضاف أن عدد المحطات المرخصة قبل خمسة أعوام لا يتجاوز الـ19 بينما انتشرت في سنوات الحصار وتجاوز عددها قرابة الـ40 محطة. وحسب الشوا فإن إجمالي محطات الوقود في قطاع غزة قرابة الـ300 والعدد مؤهل للازدياد مع استمرار منح التراخيص من قبل حكومة حماس في غزة والتي تفتح الباب أمام المستثمرين لجني الضرائب التي تحاول إسنادها في أزمتها المالية.
وأوضح أن انتشار محطات الوقود أدى إلى تدني قيمة أرباح شركات الوقود لكنه فسر توجه المستثمرين نحو إنشاء محطات جديدة أنه يأتي انطلاقًا من قاعدة أن قليلا مستمرا خير من كثير متقطع خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية السيئة. في حين أصبحت تلك المحطات قنابل موقوتة لانتشارها في المناطق المكتظة بالسكان وتشكل خطرا كبيرا على حياة المواطنين.
واتجه المستثمر أبو نائل عبد الله لإنشاء محطة وقود هي الأولى له اعتقادا منه أنها الخطوة الوحيدة أمامه لاستثمار ما لديه من أموال بعد انعدام الحركة التجارية في السوق وانهيار عدد كبير من التجار نتيجة تكدس بضائعهم وصعوبة تسويقها.
ويقول لـ»القدس العربي»: أعمل منذ فترة طويلة في مجال التجارة العامة، ولكن مع اشتداد الأوضاع الاقتصادية سوءا وضعف نسبة الربح خلال العمل، اتجهت إلى شراء قطعة أرض لأقيم عليها محطة بيع وقود، حيث هو الحل الايجابي أمام كبار المستثمرين في غزة، وذلك لان الوقود سلعة لا يمكن الاستغناء عنها إضافة إلى أنها لا تباع بالدين ولا التقسيط وتجني ربحاً وفيرا.
إسماعيل عبد الهادي