هل ظهرت ملامح بطل جديد لكاس العالم… وأين وقع الخلل العربي؟

حجم الخط
3

لندن ـ «القدس العربي»: أعادت نتائج الأسبوع الأول في كأس العالم إلى الأذهان زمن العجائب والمفاجآت، الغائب منذ ما يزيد على عقد ونصف العقد، باستثناء نتائج منتخباتنا العربية التي أصابتنا بالحسرة وجعلتنا نشعر بالمعنى الحقيقي لخيبة الأمل، بحصيلة صادمة أسفرت حتى وقت كتابة هذه المادة (قبيل ساعات من مباراة تونس أمام بلجيكا) عن سبع هزائم في سبع مباريات، بجانب كارثة العقم التهديفي، بالاكتفاء بتسجيل هدفين فقط من ركلتي جزاء مقابل استقبال 13 هدفا، أكثرها تأثيرا أهداف النيران الصديقة التي أطاحت بمصر والمغرب من البطولة.
 
أين الخلل؟ 

تتذكرون اقتباس العنوان الفرعي؟ جزء من أغنية فيلم «خارج عن القانون» كنت أشاهده بالصدفة لنسيان الصدمة العربية الثلاثية في المونديال، لكن عندما جاء مقطع «العيب في مين يا زمن»، لم يمر أمامي سوى شريط الذكريات التعيسة في كأس العالم، أو بمعنى ألطف الذكريات الخجولة جدا للمنتخبات العربية في أهم بطولة كرة قدم في العالم، نعم كتبنا مئات المرات عن جيل أسود أطلس الذهبي في مونديال 1986، بقيادة الأسطورة بادو الزاكي وعزيز بو دربالة والبقية، وشاهدنا لهم عشرات الفيديوهات القديمة بجودة ألوان الثمانينات، حتى الجيل الأكثر انتشارا في العالم الافتراضي (مواليد التسعينات والألفية الجديدة)، لم يُشاهد إنجاز السعودية الوحيد عام 1994. فقط شعرنا بالفخر وأننا على بعد خطوة من المجد مرة واحدة لولا الحظ، الذي لو كان رجلاً لفتك به محاربو الصحراء بعد مباراة ألمانيا البطولية، أما غير ذلك، فكل مشاركات العرب بدون استثناء تندرج تحت مُسمى «الظهور المُشرف»، وهذا في الوقت الذي بدأت تتقارب فيه مستويات المنتخبات العالمية، بصورة تجعل من الصعب جدا توقع البطل أو طرفي النهائي مع عدم استبعاد حدوث مفاجأة ظهور بطل عالم جديد غير الثمانية العظماء.
 
بطل عالم جديد!

لمَ لا. من يُصدق أن المكسيك ألحقت بأقوى مُرشح للفوز بكأس العالم أول هزيمة له منذ عامين؟ وليس بمساعدة الحظ أو التحكيم. صحيح الألمان أهدروا فرصا، لكن أحفاد الهنود الحمر أضاعوا أيضا أكثر من فرصة مُحققة بنسبة 100%، وبنفس الطريقة خرجت أيسلندا بنقطة ثمينة أمام الأرجنتين وسويسرا كذلك فرضت نتيجة التعادل على سحرة البرازيل، وما يُقهر المشجع العربي، أن هذه المنتخبات لم تصنع الذرة، فقط تفادت الأخطاء الدفاعية الساذجة والتعامل بتركيز مع الكرات العرضية والركلات الثابتة والركنيات، على عكس ممثلينا العرب. فالركنيات على مصر والسعودية والمغرب وتونس أكثر صعوبة من ركلات الجزاء! لكن لو نظرنا مثلاً إلى منتخب كأيسلندا، سنجد انه لم يهتز في الدقائق الأخيرة مثلنا، وكذلك سويسرا، ظلت صامدة أمام نيمار ورفاقه طوال المباراة، والأعجب المكسيك مع الماكينات. وما السبب يا ترى؟ كما أشرنا تقارب مستوى المنتخبات الناتج من المنظومة الاحترافية، التي قللت الرهبة والخوف لدى اللاعبين من أسماء المنتخبات الكبرى، باحتكاكه أسبوعيا مع أبرز الأسماء العالمية في الدوريات الأوروبية، هذا بجانب الطفرة الهائلة في التكنولوجيا، التي جعلت الشخص العادي يستطيع دراسة لعب نجوم العالم، بعلم التحليل الفني، الذي لا يقتصر على من مارسوا كرة القدم فقط، فما بالك بالمدربين والمدافعين الذين يدرسون خصومهم ونقاط قوتهم وضعفهم بمنتهى السهولة من خلال الهاتف، أما في الزمن القديم، كانت المشاهدة تقتصر على أشرطة الفيديو.
 
تقارب الأفكار 

الشيء المُلاحظ أن أغلب نجوم هذا المونديال، هم أبناء مشاريع الأكاديميات التي انفجرت في كل بقاع الأرض بعد سلسلة مفاجآت بطولة كوريا الجنوبية واليابان، وهؤلاء تأسسوا على أبجديات كرة القدم في كل المراكز، الأمر أشبه ببرامج مسابقات المواهب والغناء العالمية باختلاف اللغة. وهذا يظهر بوضوح في التنافس الشديد بين كل منتخبات البطولة، بما فيها المنتخبات العربية، بالأخص المنتخب المغربي، الذي أحرج بطل أوروبا على مدار 90 دقيقة، لكن لعنة التفاصيل البسيطة كان لها رأي آخر، لذلك، إذا لم تظهر الفوارق الفردية التي تَعول عليها المنتخبات المُرشحة للفوز باللقب، فلن تتوقف المفاجآت، على غرار المونديال الآسيوي الذي بدأ بنفس الطريقة، وانتهى بوصول البرازيل وألمانيا وتركيا وكوريا الجنوبية للمربع الذهبي، الفارق الوحيد أنه لا توجد ضمن المنتخبات الـ32، إمبراطورية «R» البرازيل المتمثلة في رونالدو وريفالدو ورونالدينيو، بل هناك تقارب ملحوظ في المستوى، نراه بأعيننا في المباريات وهي تُحسم بتفاصيل بسيطة جدا، واستمرار الوضع كما هو عليه، ينذر على الأقل بتكرار سيناريو كرواتيا 1994 وبلغاريا 1994 وتركيا وكوريا الجنوبية 2002، وربما أبعد من ذلك… بطل أو وصيف غير الأعلام المعتادة التي لم تتغير في النهائي في القرن الجديد سوى مرة واحدة، عندما فعلتها إسبانيا عام 2010، لكنها لم تكن مفاجأة صارخة لقوة جيل الماتدور، الذي كان لا يُقهر قولاً وفعلاً بقيادة تشافي ومساعده الرسام إنييستا وبقية العصابة التي احتكرت اليورو مرتين. فهل سنعيش لحظات مختلفة هذه المرة؟ يبدو ذلك وبالنسبة لي لا استبعدها من المكسيك أو بلجيكا، فقط أذكركم أن أحفاد الهنود الحمر لم يخسروا سوى مرتين في آخر 18 مباراة في نهائيات كأس العالم، في المقابل فازوا في تسعة وتعادلوا في سبع مباريات، ودائما يكون ندا لمنافسيه حتى اللحظات الأخيرة، فقط يحتاج لكسر عقدة دور الـ16 والدور ربع النهائي، أما منتخب الشياطين الحمر، فهو النسخة الأقرب لإسبانيا قبل ثماني سنوات.
 
أين مكان العرب في الخريطة العالمية؟ 

للأسف الشديد، ما زلنا بحاجة لمزيد من التطور، أولاً باكتشاف مدافعين أكاديميين، النوع الجديد الذي يتحمل الضغط طوال 90 دقيقة ولا ينهار في آخر لحظة، والشعور بعدم الرضا بأي نتيجة، نُريد استنساخ تجربة الجزائر 2014، كمصري. شعرت من ردود الأفعال في الشارع المحلي، أن المنتخب حقق إنجازا غير مسبوق، بخسارته أمام أوروغواي 1-0، حتى أن صفوة المجتمع شعروا أن مباراة روسيا ستكون أشبه بالنزهة في ظل وجود صلاح، وهذا ليس صحيحا على الإطلاق، لأن من يعرف كرة قدم جيدا، كان يفهم ويُدرك جيدا أنها أصعب من المباراة الأولى. على عهدة الراوي وهو صديقي مرافق لبعثة المنتخب في روسيا، أقسم لي، أن عددا كبيرا من الفنانين والإعلاميين، تسللوا إلى مكان اللاعبين والتقطوا معهم الصور السيلفي! في الوقت الذي ينكر فيه الأعضاء المسؤولين عن البعثة حدوث ذلك.
 بوجه عام، فكرة حجز غرف الفنانين والإعلاميين في نفس فندق المنتخب، لم تكن موفقة تماما، لأبعاد كثيرة، منها عدم تفاؤل جماهير الكرة بحضور المشاهير، لكنها ليست سبب خروج الفراعنة من البطولة، فهذا بدون «تطبيل» أفضل ما لدينا، دعك من مهاترات الإعلانات والبرامج التي تسخر من طريقة هيكتور كوبر الدفاعية، الحق أن هذا الرجل فعل ما لم يكن يتوقعه أو ينتظره أكثر المتفائلين من الأسكندرية إلى بلاد النوبة، ربما كان محظوظا بوجود صلاح وهو في أوج لحظاته كلاعب بالإضافة لوجوده في مجموعة سهلة في التصفيات، اكتملت بهدايا غانا التي لا تُقدر بثمن. لكن يحسب له أنه أعاد هيكلة المنتخب، ولديه ميزة غائبة منذ أيام المعلم حسن شحاته، أن المشجع البسيط يحفظ تشكيل المنتخب عن ظهر قلب، هذا في حد ذاته إنجاز ونجاح يستحق الشكر عليه، والشكر هنا بمعناه الحرفي بعد عودته من روسيا، لأنه لن يُقدم أفضل من ذلك، وأيضا المنتخب يحتاج لدماء وأفكار جديدة بجانب أفضل العناصر الحالية.
المغرب؟ فعل كل شيء في كرة القدم إلا وضع الكرة في الشباك، وهذه نتيجة عناد هيرفي رينار بعدم ضم رأس حربة صريح يُمكنه استغلال نصف هذا الكم الهائل من الفرص، وكبقية العرب، مُصاب بفيروس الكرات العرضية، لكن بالنبرة الحزينة التقليدية، لا نستطيع سوى قول أن منتخب أسود أطلس قدم مستوى متميزا في البطولة، لكن المحصلة للنسيان قبل اللقاء الأخير أمام إسبانيا، وهذا ينطبق على المنتخب السعودي، الذي تّحسن أداؤه نوعا ما أمام أوروغواي، وفي النهاية لم يضف أي جديد، لنعود ونقول مُجددا كان بالإمكان أفضل مما كان، نفس السيناريو الذي لا يتغير أبدا، رغم أن التوقعات كانت كبيرة هذه المرة، في ظل وجود أربعة، منهم اثنان في مجموعة في المتناول.
 مع ذلك، جاءت النتائج كارثية، بعيدا عن الأداء المُشرف للفراعنة السعودية أمام الثعالب الذي لا يُقدم ولا يؤخر في أي شيء، وهو نفسه ينطبق على ما فعله المنتخب المغربي أمام إيران والبرتغال وتونس أمام إنكلترا، من سيئ إلى أسوأ، مع ذلك، دعونا نتحلى بالأمل والتفاؤل، على أمل أن نستفيق على غد أفضل، عندما تُنظم قطر البطولة عام 2022، اليوم شاركنا بأربع منتخبات، من يدري قد تكون بشرى خير، لزيادة العدد في النسخة المقبلة، لتزيد الفرص في كسر عقدة الأداء المُشرف والانهيار بعد الدقيقة 90، أتصور أن مشروع هيرفي رينار، هو الأكثر واقعية، كما أشرنا، يحتاج فقط للتخلص من صداع رقم 9 وأيضا حارس بجودة وكفاءة أعلى، وربما لو كان محظوظا بقرعة أسهل نسبيا من قرعة «مجموعة الموت»، لكان له شأن آخر في البطولة، أما المنتخب المصري، فلا خوف عليه كثيرا في ظل وجود صلاح ومجموعة المحترفين، والمجموعة التي استبعدها كوبر قبل المونديال وكانت تستحق فرصة، منهم أفضل لاعب في الدوري الإماراتي حسين الشحات، وأفضل حارس مرمى في الدوري محمد عواد وأسماء أخرى أفضل من الكتيبة الدفاعية التي اصطحبها المدرب الأرجنتيني، بإدراج اسماء 9 مدافعين في القائمة، أكثر من أي منتخب آخر في كأس العالم، في المقابل لم يضم سوى رأس حربة صريح، وهو مروان محسن، وهذا يعكس طموح المدرب قبل سفره إلى روسيا.
 ويبقى المنتخب السعودي أشبه باللغز المُحير، وهي طبيعة اللاعب السعودي في كل العصور، في شوط يُمكن أن يفعل كل شيء في كرة القدم، وفي شوط آخر ينهار بسهولة، وقد يفعل ذلك في مباراة وأخرى، والحل؟ القضاء على كارثة التأخر الزمني بين عقلية اللاعب السعودي واللاعبين المحترف في أوروبا، وهذا يحتاج اكتشاف مواهب حقيقية لديها الجوع والرغبة في تكرار نموذج صلاح ومحرز وعرب أفريقيا المحترفين على أقل تقدير، وإلا سيبقى المنتخب السعودي صيدا سهلاً للمنتخبات في كأس العالم، كما تقول لغة الأرقام، بسقوطه 13 مرة في آخر 14 مباراة في كأس العالم. في انتظار اللقاء العربي الخالص، الذي سيكون ثأريا للفراعنة، بعد هزيمة كأس القارات التاريخية أمام الأخضر بنتيجة 5-1، وعموما سيكون لقاء تحصيل حاصل لترتيب شكل المجموعة من الناحية الظاهرية، أما نتيجته فستكون مهمة جدا لكلا المنتخبين لمصالحة جماهيرهم بعد الخسارة في أولى مباراتين، خصوصا المنتخب السعودي المُطالب أكثر بتصحيح صورته أمام الرأي العام، بعد الملايين التي أُفقت على اللاعبين من معسكرات في منتجعات 5 نجوم في سويسرا، الى مباريات ودية من النوع الثقيل أمام إيطاليا وألمانيا، بخلاف المستحقات المادية، بينما صلاح سيكون أمام تحدٍ آخر، لقتل أسطورة مجدي عبدالغني إلى الأبد، بتسجيل هدف بطريقة أخرى غير ركلة الجزاء، على الأقل لإشباع رغبة الجماهير بالعودة من روسيا بأكبر حصيلة ممكنة من الأهداف، بعد التخلص أخيرا من كابوس مجدي عبدالغني الذي دام 28 عاما.

هل ظهرت ملامح بطل جديد لكاس العالم… وأين وقع الخلل العربي؟

عادل منصور

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية