المعركة على الحديدة: تمسك بوهم انتصار لن يأتي والمعاناة مستمرة في اليمن «السعيد»

حجم الخط
2

ينظر إلى الهجوم السعودي – الإماراتي على ميناء الحديدة اليمني بأنه نقطة تحول للأسوأ في الحرب اليمنية الطاحنة منذ أكثر من ثلاثة أعوام، فالقوات التي يدعمها الثنائي السعودي – الإماراتي الأقوى في التحالف هي خليط من قوات موالية لحكومة الرئيس المعزول عبد ربه منصور هادي وقوى عشائرية تتبع على الأرض أوامر الضباط الإماراتيين، تحاول ومنذ أكثر من أسبوع السيطرة على الميناء الحيوي الوحيد الذي يسيطر عليه الحوثيون.

حسابات التهور

وكما في كل حسابات الحرب اليمنية من جانب السعودية وحلفائها، فهاجس تحقيق النصر السريع هو ما يدفع المهاجمين تماما مثل الحسابات في بداية الحرب الأولى عام 2015 عندما شن وزير الدفاع السعودي الأمير محمد بن سلمان (ولي العهد الحالي) حربا باسم طرد الحوثيين من العاصمة اليمنية وإعادة الحكومة المعترف بها دوليا وهزيمة إيران في حديقة السعودية الخلفية. فمهندس حرب اليمن كما بات يعرف اعتقد أن الحرب ستنتهي بعد أسابيع.
إلا أن الحرب «القصيرة» تحولت لحرب استنزاف طويلة وبدلا من تأمين الحدود السعودية من خطر الحوثيين وداعميهم الإيرانيين أصبحت المدن السعودية في مرمى صواريخهم التي يطلقونها بشكل روتيني (إيكونوميست، 23/6/2018).
والحسابات نفسها تبدو في الحديدة اليوم، فبعد أسبوع من المواجهات حول مطار الحديدة يأمل التحالف بتوجيه ضربة لإيران وجماعاتها وبالتالي التحرك نحو العاصمة صنعاء وحل المعضلة الحوثية في اليمن مرة وللأبد. وتظل العاصمة بعيدة في الوقت الحالي، إلا أن الحوثيين في الحديدة كما تشير التحليلات لن يستسلموا بسهولة وقد تضطر القوات المتحالفة خوض معارك شوارع في الميناء – خيار لا تريده – وبالتالي مفاقمة الأزمة الإنسانية السيئة ليس في الحديدة التي يعيش فيها أكثر من 500.000 نسمة بل وملايين اليمنيين الذين باتوا منذ عام 2015 يعتمدون على المساعدات الإنسانية فيما يواجه ثمانية ملايين مخاطر المجاعة حسب إحصائيات الأمم المتحدة. وتحاول هذه من خلال مبعوثها الدولي مارتن غريفيثس منع الهجوم على الميناء وإقناع الحوثيين تسليمه للوصاية الأممية لكي تديره بشكل لا يعرقل المساعدات الإنسانية. فنسبة 70 في المئة من المساعدات الإغاثية و80 في المئة من البضائع التجارية تصل إلى الحديدة. ومن هنا جرى وقبل الهجوم التحذير من الكارثة الإنسانية التي ستحصل لو توقف الميناء عن العمل أو تعطلت منشآته بفعل القصف الجوي. وكما هو الحال لم يستطع التحالف السيطرة على مطار الحديدة إلا بعد القصف الجوي. ويشعر التحالف أنه لو استطاع السيطرة على الميناء فإنه سيركع الحوثيين الذي يستفيدون منه اقتصاديا ويحصلون الملايين شهريا إما من الضريبة أو الأتاوات التي تفرض على عمليات الشحن. وبعد المطار يواجه التحالف خياران صعبان، فقد يهاجم المدينة من المطار بشكل سيجبره إلى خوض حرب شوارع يجعل من استخدام القصف الجوي في المناطق السكنية عملية محفوفة بالمخاطر. وربما فكر بضرب الميناء من البحر، ومن هنا يفهم ما ورد في تقارير عن حشود في قاعدة إماراتية على الشاطئ الأرتيري تحضيرا للهجوم، إلا أن هجوما كهذا يظل مغامرة فستكون القوات المهاجمة مكشوفة لصواريخ الحوثيين وألغامهم. ولهذا السبب طلبت الإمارات مساعدة أمريكية في الهجوم لم تأت نظرا للجدل داخل الكونغرس حول الوضع الإنساني في اليمن ومطالب النواب بالكشف عن طبيعة الدور الأمريكي هناك.

احتجاج

وفي تعليق مجلة «ذي نيشين» (18/6/2018) على افتتاحية صحيفة «واشنطن بوست» في 13 حزيران (يونيو) التي حملت عنوان: «ثمانية ملايين يمني على شفير المجاعة وأمريكا شريكة في الجريمة» دعا النائب الديمقراطي رو خانا الكونغرس التحرك لوقف الحرب في اليمن. وقال إن أمريكا قامت بتوفير الغطاء الدبلوماسي والمعلومات الاستخباراتية للهجوم الكارثي على شريان الحياة الحيوي. وأضاف إن «يد إدارة ترامب في هذا الفصل الجديد من الكارثة الإنسانية الأسوأ في العالم تبرز أهمية تدخل الكونغرس، فلم يمكن للصراع الذي تقوده السعودية في اليمن الاستمرار دون الدعم الأمريكي، فجهود الكونغرس لإيقاف هذه الحرب لن تساعد فقط على منع وقوع مجاعة في أفقر بلد عربي، بل ستغير الطريقة التي تعمل بها واشنطن، من خلال الرجوع للدستور، والتعاون مع المحافظين لوضع حد للسلطات الرئاسية الواسعة، التي استمرت عقودا».  ويفيد خانا بأن «الرئيس أوباما لم يحصل على تفويض من الكونغرس للمشاركة الأمريكية الفعلية في الحرب، وقامت إدارته باتخاذ قرار من جانب واحد عام 2015، للدخول في تلك الأعمال القتالية لطمأنة أنظمة الخليج بالتحالف الاستراتيجي في ضوء الاتفاقية النووية الإيرانية، التي تم توقيعها في العام ذاته، مع أن مسؤولي الإدارة لم يكونوا يتوقعون هذا الحجم من الأعمال الوحشية».  أما الآن وفي ظل الرئيس ترامب، الذي بدأت علاقاته المشبوهة خلال الحملة الانتخابية مع السعوديين والإماراتيين تتكشف، شعرت هذه الدول بجرأة أكبر لتكثيف حملتها في اليمن، وتوسعت مشاركة الجيش الأمريكي لتشمل قوات القبعات الخضراء على الأرض. والمسألة بالنسبة لخانا هي دستورية واستعادة الكونغرس سلطاته التي يضمنها الدستور له من ناحية قرار الحرب لا توقف الكارثة اليمنية لكنها تعطي الأمل للجوعى اليمنيين. وتعتقد صحيفة «واشنطن بوست» (20/6/2018) أن على أمريكا، التي تمد التحالف السعودي الإماراتي بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية، أن تستخدم نفوذها لإيقاف هذه العملية المتهورة. مشيرة إلى أن حرب الوكالة الجارية في اليمن أصبحت اليوم مستنقعا للسعوديين وحلفائهم الذين قتلوا الآلاف في غاراتهم الجوية، لكن فشلوا في استعادة معظم المناطق في البلد، وفي الوقت ذاته انهار نظام الرعاية الصحية تقريبا، وكذلك الإمدادات الغذائية، ما جعل ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية». وتنوه الافتتاحية إلى أن السعوديين وبعض المدافعين عنهم في واشنطن يتحججون أن أخذ ميناء الحديدة من الحوثيين سيحسن من إيصال شحنات المساعدة، وسيتوقف تهريب الصواريخ الإيرانية، إلا أن جمعيات الإغاثة ترى الأمر بشكل مختلف، حيث تقول أن الهجوم سيواجه مقاومة قوية، وحتى لو نجح فإن الأمر سيأخذ أسابيع وأشهرا، مشيرة إلى أن أي قطع متواصل لوصول السفن إلى الحديدة قد يدخل البلد في مجاعة، ويجعل من المستحيل تقريبا مكافحة الكوليرا، التي أصابت أكثر من مليون شخص إلى الآن. وترى الصحيفة أن «التصعيد العسكري يظهر حماقة بالذات لأنه يأتي في وقت يتحسن فيه احتمال التوصل إلى تسوية سلمية، ومن المفترض أن يقدم مبعوث الأمم المتحدة مارتين غريفيث، خطة لمفاوضات السلام لمجلس الأمن الشهر المقبل، وما شجع المسؤولين هو استعداد القياديين الحوثيين للتفاوض، حيث قدموا خططا لوقف القتال لكل محافظة، بما في ذلك وقف إطلاق الصواريخ». وترى أن «السعوديين والإماراتيين يبدون اهتماما كبيرا للسيطرة على الموانئ اليمنية أكثر من إنهاء الحرب». ولا تقتصر أصوات الشجب على الكونغرس بل وعلى المستوى الشعبي حيث تلقى النواب رسائل من الرأي العام.

رسالة

وفي بريطانيا التي تعد طرفا في الحرب وبالضرورة «متواطئة» فيها، دعا مثقفون ونواب وفنانون في رسالة نشرتها صحيفة «الغارديان» (22/6/2018) قالوا فيها إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يقوم بالتصعيد وزيادة الدور الأمريكي في الحرب التي تقودها في اليمن بدون أن يعير اهتماما للثمن الإنساني الفادح والأصوات المتزايدة في الكونغرس المطالبة بالأخذ على البنتاغون والحد من مشاركتها. وقامت بريطانيا في آذار(مارس) بفرش البساط الأحمر لولي العهد السعودي الذي يوصف «بمهندس الحرب». ومنذ بداية الحرب أصدرت بريطانيا رخص بيع أسلحة بما فيها مقاتلات حربية بقيمة 4.6 مليار جنيه استرليني. وستكون هذه المقاتلات من ضمن التي تقوم بغارات جوية في اليمن حيث ستلقي بالقنابل والصواريخ. وبلغت حصيلة القتلى حوالي 10.000 قتيل معظمهم من المدنيين. وقتل أغلبهم بسبب غارات التحالف ولا تضم أرقام الأمم المتحدة عن ضحايا الحرب المشتعلة منذ عام 2015 الذين ماتوا بسبب الأمراض والأوبئة. ولهذا يجب على بريطانيا وقف مبيعات السلاح للسعودية والدول الأخرى المشاركة فيها والتوقف عن دعم الحرب.

وجه جديد

وفي هذا السياق كتب المعلق ديفيد إغناطيوس في «واشنطن بوست» (22/6/2018) عن العملية الأخيرة في اليمن قائلا إن الهجوم على ميناء الحديدة يشير لدخول الحرب أكثر المراحل قسوة، وتأتي بعد الحصار المثير للجدل للميناء بقيادة كل من الإمارات العربية المتحدة والسعودية. وقال إن الوسيط الدولي ومسؤول إماراتي عبرا عن أمل في التوصل إلى حل تفاوضي مع الحوثيين قد يجنب المدينة الضغوط عليها. ولا تزال الخلافات قائمة فيما حذرت المنظمات الإنسانية من ان الحرب تخنق المساعدات وتعرقل وصولها للمدنيين المعذبين. ويرى إغناطيوس أن اليمن عالق وسط حرب بالوكالة بين التحالف السعودي – الإماراتي الذي يدعم الحكومة اليمنية وإيران التي تقف مع الحوثيين الذين احتلوا العاصمة صنعاء عام 2014 وأطاحوا بالحكومة بشكل دفع السعودية لقيادة تحالف وشن حرب في عام 2015 غارقة فيها منذ ذلك الوقت. ويشير إلى إن الحوثيين نفروا الكثير من اليمنيين العام الماضي عندما قتلوا حليفهم السابق والذي فتح الطريق لهم بدخول العام، الرئيس السابق علي عبدالله صالح بعد تغييره تحالفاته معهم والبحث عن تحالف مع أعدائه السعوديين. وكان الوسيط الدولي غريفيث قد عبر في بيان يوم الخميس أنه متأكد من إمكانية التوصل لاتفاق لمنع التصعيد والعنف في الحديدة. فيما أشارت تقارير عن استعداد الحوثيين تسليم الميناء للأمم المتحدة بشكل يسمح بمرور المواد الغذائية والإنسانية. إلا أن ما نقله إغناطيوس عن أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي لا يختلف عما يردده المسؤولون الإماراتيون ومفاده، أن السيطرة على الميناء ستؤدي إلى الحل السياسي وأنهم قادرون على إدارة الميناء أفضل من الحوثيين. واللافت في تصريحات قرقاش أن حصار المدينة واستمرار الضغط على الحوثيين من المطار عامل مساعد في حصول الأمم المتحدة على صفقة أحسن من الحوثيين. ويعتقد قرقاش أن بلاده قد كسرت جمود الحرب في الحديدة. وهو الشعور نفسه الذي لاحظه الكاتب عند المسؤولين السعوديين الذين يعتقدون أن وضعهم في اليمن أصبح قويا، ويؤكدون مثل الإماراتيين ان استمرار الضغط على الحوثيين سيقود لكسرهم. في إشارة لتمسك الإماراتيين والسعوديين بوهم الانتصار، وقتل أي فرصة للتفاوض. فإصرارهم على تسليم الحوثيين وخروجهم من الحديدة لا يختلف عن تخريبهم هدنة في صنعاء قبل عدة أشهر كان يمكن التوصل إليها عندما أصروا على تسليم الحوثيين كل أسلحتهم الثقيلة. يقول قرقاش إنه لا أسلحة ثقيلة لديهم في الحديدة، لكن مفهوم تركيع الخصم وخروجه بدون شروط هو ما يعلم تفكير التحالف في تعامله مع خصمه الذي لم يستسلم لهم بعد سنوات من القصف والمعاناة الإنسانية والدمار والتشريد. وقد ينتظر التحالف صفقة ظلت تراوغ في الحديدة إلا أن الحرب لم تتوقف بعد والمعاناة الإنسانية منتشرة والصور تنقل من المستشفيات عن الأطفال الجوعى والمرضى الذي لا يجدون العلاج المناسب ويموتون بصمت. ففي تقرير أليكس بوتر بموقع «إنترسيبت» (21/6/2108) أشارت فيه للمعاناة الصامتة لأهل اليمن وتعبهم من الحرب وكيف أطلقت امرأة على ابنتها الأخيرة اسم «كفاية» وهي مثل مواليد الحرب تعاني من فقر التغذية ولا تدر أمها الحليب بسبب عدم توفر الطعام. فالعائلات اليمنية تأكل وجبة واحدة وتفضل المشي على ركوب الحافلات والسيارات وترى حولها المحلات حافلة بالبضائع ولكنها لا تستطيع الشراء لأن الجيوب فارغة وتطبخ طعامها في مواقد خشبية بدلا من الغاز وتحضر أطفالها للمستشفيات المزدحمة ثم تعيدهم لقراهم حتى يموتوا بهدوء، فيما ترهن وتقترض عائلات أخرى لعلاج المرضى المزمنين. وعلى صعيد اليمن «السعيد وما هو بالسعيد» تنتشر الخيام وقصص الانتهاكات والتعذيب في سجون «المحررين».

المعركة على الحديدة: تمسك بوهم انتصار لن يأتي والمعاناة مستمرة في اليمن «السعيد»

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية