معركة الحُديدة والكُلفة الإنسانية: شهادات حقوقية من داخل المدينة

حجم الخط
0

صنعاء ـ «القدس العربي»: تبرز، يوماً بعد آخر وبشكل مخيف، ملامح كارثة إنسانية في مدينة الحـُديدة/غرب اليمن، والتي تشهد أطرافها وضواحيها حرباً تهدد حياة اليمنيين الأكثر فقراً في واحدة من أكبر من مُدن البلاد وأكثرها نشاطاً اقتصادياً، وضمن محافظة كانت تعيش ظروفاً هي الأسوأ ضمن جغرافية أكبر أزمة إنسانية في العالم تشهدها اليمن جراء الحرب الملتهبة هناك منذ أكثر من ثلاث سنوات بين القوات الموالية للرئيس عبدربه منصور بمساندة تحالف عربي تقوده السعودية، وبين قوات ومسلحي جماعة «أنصار الله» (الحوثيين).
«القدس العربي» وثقت شهادات حقوقية من داخل المدينة عن الوضع الإنساني الذي تعيشه حالياً على هامش المواجهات المستعرة في أطرافها جهة المطار، مع ما تشهده أحياؤها من مظاهر مسلحة وحركة نزوح وأزمات غذاء وماء وأسعار.
واستغرب ناشطون حقوقيون مما اعتبروه تجاهلا وتغييبا من أقنية الإعلام للوضع الإنساني داخل المدينة. كما انتقدوا عمل المنظمات الإغاثية الدولية والمحلية، والتي قالوا إن حضورها على الأرض حالياً قد لا يتجاوز15 في المئة من المحتاجين للمساعدات في المدينة. وطالبوها بسرعة إقامة مخيمات لاستقبال العاجزين عن النزوح وإقامة مستشفيات ميدانية خارج المدينة ونشر طواقم مساعدات في الأحياء.
ووفق تصريحاتهم لـ «القدس العربي» فإن مئات الآلاف قد غادروا المدينة ضمن حركة نزوح كبيرة أصبحت معها أحياء بكاملها شبه خالية، كما إنه ما زال كثير من سكان بعض الأحياء باقين فيها، نتيجة عجزهم عن النزوح بسبب فقرهم، وهؤلاء يعانون وضعاً إنسانياً صعباً مع ما تشهده المدينة من انقطاع للمياه عن عدد من الأحياء وانعدام للسلع وارتفاع للأسعار. مؤكدين أن المدينة في حال تحولت لساحة معركة ستشهد كارثة ستكون كلفتها باهظة جداً، منوهين لنتائج توقف عمل مينائها الذي يمثل شريانا لواردات 80 في المئة من سكان اليمن.
وتُعدّ الحُديدة أكبر محافظة يمنية من حيث عدد السكان بعد تعز، ويقع مركز محافظة مدينة الحُديدة على ساحل البحر الأحمر، وتبعد عن صنعاء 226 كيلومتراً. واستقبلت المدينة خلال ما مضى من الحرب الراهنة حركة نزوح من أربع محافظات، وهو ما ضاعف حالياً من معاناتها تحت تأثير المعارك الملتهبة في أطرافها الجنوبية، وهي المعارك التي اشتدت مع بداية حزيران/يونيو الجاري.
ويرجح مراقبون أن الحرب قد لا تمر على المدينة بسلام بل ستلحق بها من الموت والخراب الكثير في ظل ما يبديه الطرفان من إصرار على السيطرة لما لنتائج ذلك من أهمية في خدمة مسارات الحرب، وهو ما يفسر أيضاً إصرارهما على تجاهل وتغييب المعاناة الإنسانية للمدنيين.
«لقد عانت هذه المحافظة قبل الحرب من تدنٍ في مستويات الخدمات وارتفاع في مؤشرات الفقر والبطالة والأمية والمرض، وتسببت الحرب الراهنة في تعطيل العمل في نحو 80 في المئة من المزارع نتيجة ارتفاع أسعار المحروقات بالإضافة إلى توقف عمل غالبية صيادي الأسماك نتيجة توقف التصدير، كما أن امتداد المعارك لعدد من مديرياتها ضاعف من معاناة الناس وخلق حالة نزوح» يقول رئيس مؤسسة «سياج» الحقوقية أحمد القرشي.
وأعربت الأمم المتحدة الخميس، في بيان تلقته «القدس العربي» عن القلق من الوضع الإنساني في المدينة، لاسيما وأن «الحُديدة كانت تشهد ظروفاً هي الأسوأ في البلد قبل بدء القتال». وقالت إن 25 في المئة من الأطفال فيها يعانون من سوء التغذية الحاد، محذرة من أن أي تعطيل للدعم الغذائي سيعرض حياة مئة ألف طفل هناك للخطر. وكانت الحُديدة واحدة من أكبر مناطق تفشي وباء الكوليرا في اليمن العام الماضي، وقالت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة المقيمة في اليمن «إن الأمر لن يستغرق طويلاً لتفشي وبائي جديد يصعب إيقافه، إذ يمكن للكوليرا أن تنتشر بسرعة البرق في حال انهيار نظام المياه في حي واحد فقط داخل المدينة».

مظاهر مسلحة

متحدثاً عن صورة عامة للمدينة حالياً يقول الناشط الحقوقي الصحافي مجاهد القُب: إن الوضع العام داخل المدينة مُخيف. فثمة انتشار كثيف لقوات ومسلحي جماعة «أنصار الله» (الحوثيين) في الشوارع والأحياء مع استمرار بناء المتاريس والخنادق، بالإضافة إلى ارتفاع جنوني في الأسعار وانعدام لمعظم السلع مع إغلاق معظم المحلات التجارية، بل أن بعض أصحاب المحلات شيّد جدرانا اسمنتية أمام الأبواب في ملمح يعكس ما وصل إليه الحال، ويضاف إلى ذلك مخاطر قصف مقاتلات التحالف.
فيما تحدث الناشط القرشي عن أزمة خبز مع إغلاق معظم مخابز المدينة، أشار الناشط والإعلامي منصور أبو علي إلى أن المدينة تعاني من انعدام الكهرباء منذ أربع سنوات، وحالياً توقف عمل معظم مولدات الكهرباء التجارية في ظل انقطاع تزويد عدد من الأحياء بالمياه، وهو ما يشكل تهديداً للحياة في مدينة ساحلية درجة حرارتها بين 45-50. وقال: درجة حرارة عالية ورطوبة مرتفعة في مدينة بلا ماء ولا كهرباء، ومعظم البيوت فيها مشيدة بطريقة بسيطة، كلها مؤشرات كافية لكارثة تهدد المدينة فيما المعركة ما زالت في الأطراف.

حركة نزوح

ضاعفت تلك المؤشرات من مخارف السكان ونتج عنها موجات نزوح كبيرة من المدنية. يقول الناشط عبد الودود مقشر: شهدت المدينة بمديرياتها الثلاث منذ أيام ما قبل عيد الفطر، حركة نزوح كبيرة. كل مَن هم قادرون على النزوح غادروا المدينة، لدرجة يمكن القول إنه لم يبق فيها إلا الفقراء العاجزين عن النزوح، وأعدادهم كبيرة أيضاً.
وأوضح أن ما يضاعف من معاناة هؤلاء أن بيوتهم بسيطة وضعيفة الأساس وبعضها بدون سقوف، وهذه البيوت التي ربما تمثل غالبية بيوت المدينة لن تحمي سكانها من القصف، بل تشكل خطراً عليهم، إذ ستنهار تحت تأثير قصف بعيد، وستشهد المدينة من خلالها موتاً وخراباً كبيرين على حد قوله. الجدير بالإشارة إلى أنه لا توجد إحصاءات دقيقة لأعداد النازحين من المدينة مؤخراً إلا أنهم صاروا بمئات الآلاف وفق ترجيح مصادر حقوقية محلية في المدينة التي قد يصل عدد سكانها لمليون نسمة.
وتحدث ناشطون عن وضع الخدمات الصحية المتردي. وقال الناشط القب: بعد تعرض مستشفى الثورة للقصف من مقاتلات التحالف فإن بعثة أطباء بلا حدود تطلب مغادرة المدينة. وحذر القب من خطورة ما ستشهده المدينة في حال تمددت المعارك إلى شوارعها، مشيراً لما شهدته قرية (المنظر) في الأطراف، في أول أيام عيد الفطر، من مواجهات بين الطرفين على طريق «الدريهمي – الحديدة» أسفرت عن سقوط 20 من أهالي القرية المدنيين الأبرياء. مرجحاً أن المدينة قد تشهد سيناريو مدينة حلب نفسه في حال لم يتدخل المجتمع الدولي والمنظمات الإغاثية قبل تمدد النيران إلى داخل المدينة. وتتعدد مصادر الموت داخل المدينة وفي ضواحيها، ومنها حسب الناشط القرشي- الجوع والمرض، كما أن كثيرا من المزارع والطرق باتت مزروعة بالألغام، وبالإضافة إلى ذلك لا توجد بيوت أو مؤسسات يمكن استخدامها ملاجئ آمنة للناس، في ظل بقاء مناطق ملتهبة في محيط المدينة وضواحيها، حيث أصبح الناس منكوبين بدون مساعدات، كما أنه لا يوجد ماء لأكثر من نصف المدينة بسبب تخريب الشبكة، ما معناه أن أكثر من نصف مليون مواطن سيعانون من أزمة مياه، كما أن الخدمات الطبية محدودة، وفي حال تمدد الاشتباك فستحل كارثة إنسانية، لأن المعركة ستشمل مدينة سكانها يعيشون تحت خط الفقر وعاجزين عن النزوح في ظل ضآلة الجهود الإغاثية ما يؤشر لكارثة ستكون نتائجها وخيمة بكل المعاني.

معركة الحُديدة والكُلفة الإنسانية: شهادات حقوقية من داخل المدينة
أحياء بكاملها نزح سكانها وأزمة خبز
أحمد الأغبري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية