لوحات اربع

حجم الخط
0

نشيج
كنت في طريقي لحضور احتفال المدرسة الإعدادية بأوائل الطلبة، وكان ابني بينهم.
اتصلت زوجتي وفهمت أن جلطة ثانية باغتت أمي، فنقلوها للمسشتفى.
وصلت ركضاً: كانت ما تزال تُزبد على السرير، وحولها أختي وأقربائي.
بعد يومين، أخرجناها. والطبيب حذّر: في سنها، تكون الثالثة قاتلة.
نقلتها عندي في البيت بالتوسّل وما يشبه الإرغام، ومضت الشهور بلا سوء.
وفي عصرية، كنت رجعت لبيتنا في المخيّم، فحدثني جاري إبراهيم عما حدث.
قال: كنت أقف قريباً من بابكم، وجاء ابن أخيك الضابط ونظر للداخل، ومضى.
وابراهيم استغرب.
وأنا لم أستغرب، فهم ينتظرون موتها ليرثوا البيت بالقوة. لكنْ أن يصلوا لهذا المستوى؟
عدت لبيتي في حيّ الأمل، ولم أخبر أحداً بما رواه إبراهيم.
لقد اتخذت القرار الصعب تلك الليلة:
أن أبيع البيت، وما ترميه السماء تتلقاه الأرض.
وبعته.
وحين خرجت هي منه، لآخر مرة، أجهشتْ بالبكاء. ولدهشتي، تماهى معها جارنا سائق السيارة الشاب، ورغرغت عيناه. أما أنا كنت أتماسك حينها، وأعزّيها أنهم كانوا سيأخذونه وتحدث مشاكل.
لكنني في أعماقي، كنت أنشج.
ولم أزل .. بعد أن انقسم النشيج على اثنين:
هي والبيت.

عشاء
تقول آنيت ونحن جالسون على السطح في تلك الحديقة الغريبة، إنها تحب برشلونة لأنها مدينة بحر مثل بيروت.
تحب عَمارتها العائدة إلى عشرينات القرن الماضي.
تحب غاوديّ.
تحكي بينما صديقها دَاوِر يشعل النار في الفحم ويتحرك كصاحب بيت منبّهاً أن الخُطّاف الذي عبر السماء للتوّ، يجيء من المحيط الأطلسي.
أسأله عن انطباعاته، فيتوقف لحظة ويختزل: خرجت من أمستردام إلى باريس ومكثت فيها عشرين عاماً أعمل في الموضة، ثم اخترت برشلونة منذ وقت طويل.
قال: أحب علاقاتها الاجتماعية.
قال: عندما تكون في قلبها، ترى خضرة الروابي من ناحية، وضوء البحر من ناحية، فيعطيك هذا إحساساً أنك في مدينة ليست كبيرة، رغم أنها كذلك.
قال: الأصدقاء منذ ثلاثين سنة لم يتغيّروا. للإسبان إحساس حقيقي بحجمهم. ليس لهم تكبّر الطليان ولا ترفّع الفرنسيين.
قال: هؤلاء معجبون بأنفسهم. وأنا تركت عاصمة الموضة، لأنّه ليس لي قلب للعيش مع الترفّع الباريسي.
ألاحظ – رغم الثقل – حركاته الأنثوية. تعبت من الموضة يقول – وهذا في آخر الأمر ليس دقيقاً. تعبت ولكن بقيت أعمل لأنها عشق حياتي.
نترشّف وننتظر السمك .. بينما المساءُ ينحلّ سريعاً في الليل .. والسطح مثل قارب أرضي يمضي في محيط السماوات.
غبار
يخرجونَ إلى الناسِ وغبارُ المومياوات تحتَ ألسنتِهم. بعد وقتٍ تحجب طفلةٌ سنابلَها الشقراء، ويضطر شاعرٌ إلى دفن نبيذِهِ اليدويّ في تربة البيت. على شاشاتِهم، يُقيّفُ يساريونَ أفكارَهم مثل خيّاطين قدامى. أنتَ تقرأُ: ‘الحياة ترجع القهقرى’ ويئنُّ البطلُ في غرفة الدرج. أنتَ تزفرُ أكسيدَ الكربون، ومثلَهُ تشعلُ سيغارةً للحصول على الأكسجين. ‘لم يبق إلاكَ يا عزيزي، طوباكَ لا تبخل’. أنت رئتاكَ تضيقانِ ضحىً بعد آخر. ليلاً، تنامُ على بلاط الشرفة لتحلمَ بالهواء: بقليلٍ من روايات البرتغال وتشيلي والمكسيك. السنواتُ تمضي. أصابعُك ترجف قبل الأربعين.
وفي الخارج: يتحوّل الغبارُ إلى رصاص.

ليل
لما بلغتْ الثانية نزلتُ. في رأسي مطلب وحيد: الليل. وبما أن المدينة مضاءة جيداً، كيف سأجد مطلبي؟ ليس غير سيوتاديّا.
أعود من الشاطىء، وأقفز من فتحة السور، وأدخل.
أختار النخلة، وأتمدّد على العشب تحتها وأسترخي. أمرّغ وجهي في الأوراق القصيرة البليلة.
وأستنشق.
أنقلب على ظهري وأرى النجوم بعيدة وغائرة.
وأستنشق.
ها هو ليلُكَ الوحيد الذي يستحق اسمه. أُنصت لرفرفة قريبة ويعبرني
طائرٌ قاتم.
هذا هو..
وأرحل في طراوة الندى والشجن.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية