الناصرة ـ «القدس العربي»: وديع عواودة: يقول مثل شعبي عن عبوسة بعض الناس «هذا لا يضحك للرغيف السخن» وهناك ناس يبتسم الرغيف في وجوههم ويحمر انفعالا بلقائهم الأول في الصباح بفضل طيبتهم وروحهم الحلوة. من أمثال هؤلاء فخري البشتاوي (أبو عدنان) من مدينة عكا الفلسطينية الذي يعمل خبازا منذ ستة عقود ونيف داخل فرن ورثه من والده على طريقته التراثية منذ الحقبة العثمانية، بنار الحطب.
وأبو عدنان مولود في حيفا عام 1937 لعائلة قدمت لعروس الكرمل من مدينة وتنتمي لعشيرة واسعة في فلسطين والأردن. صيف شتاء يستيقظ مبكرا كل صباح ويشعل نار الفرن دون كلل أو ملل، فهو عاشق لعمله وبقلبه وعقله الكبيرين حول الفرن لمنتدى اجتماعي ولمنبر للتثقيف والتوعية لزبائنه ورواده. رغم توالي الأيام يستهل يوم عمله من الساعة السادسة والنصف صباحا حتى الثالثة مؤكدا أنه سيبقى يصنع الخبز إلى آخر ساعة في حياته لأن عمله هوايته وسعادته ومنبع راحته النفسية بإطفائه بعض حنينه لفلسطين قبل نكبتها. تتجلى محبة الشيخ الفران الفلسطيني لمهنته وطاقاته الإيجابية بحركات يديه وهو يداعب العجين ويقطعها برشاقة قبل أن يرققها بلطف ومحبة ويعّدها للخبيز.
وفي الصباح تعبق أجواء حارة الشيخ عبد الله داخل مدينة عكا القديمة برائحة الزعتر ولحظات حتى تخطفها أيدي الكثيرين ممن يصونون له الود والإخلاص ويفتتحون نهارهم بأقراص الزعتر الشهية وبتأمين كفاف خبزهم اليومي الطازج من فرنه سنة وراء سنة. وطالما أن الحب هو للحبيب الأولي فإن محبته لعكا لا تنسيه حبيبته المدللة مدينة حيفا التي طرد مع عائلته منها تحت تهديد الرصاص في 1948. ما أن فتحنا سيرة حيفا حتى أشرق وجه أبو عدنان وما لبث أن غالبه الدمع وهو يستذكر صدمة الرحيل عن البيت والحي بالقول إنه وعائلته نزلوا إلى الميناء لا يحملون معهم إلا ملابسهم تاركين الوالد الذي لم يعد من العمل بعد فاستقلوا قاربا أوصلهم إلى عكا مع آلاف آخرين ممن اضطروا للنزوح تحت القصف الصهيوني على منازلهم. ويضيف «في ميناء حيفا وجدنا المراكب جاهزة فركبنا زحافة تحت المطر وركبنا البحر ونزلنا بعد بضع ساعات في عكا التي وجدنا أهلها أيضا يتدفقون نحو مينائها ويفرون من القصف إلى لبنان». ولم تطفئ مياه البحر المتوسط الغضب الدفين داخل الشيخ الفلسطيني على من تسبب بنكبة شعبه ويقول «كلما أرى مشاهد طوابير اللاجئين السوريين يلتهمهم البحر يبكي قلبي. كيف لا وقد مررنا بتجربة مماثلة. كنا نرفل بالنعيم في بيتنا ومدينتنا وبين أهلنا وفي ليلة غاب عنها القدر انقلب عالمنا وأصبحنا في مدينة لم نعرفها نواجه عزلتنا وجرحنا ولا أبالغ أن طفولتنا احتاجت سنوات حتى ترممت قليلا من الصدمة ومن تبعاتها». ومع ذلك يشحن أبو عدنان روحه عدة مرات في الأسبوع بعوده الرنان فهو علاوة على كونه خبازا وناشطا اجتماعيا وسياسيا وعضو بلدية سابق فهو فنان متذوق للفن الكلاسيكي ويعزف لعبد الوهاب وأم كلثوم وفيروز وتراثيات فلسطينية. كذلك فرخ البط عوم فولده جميل عازف بارع على الناي وحينما يلتقيان بالعزف يطرب العجين في انتظار اختماره وخبيزه كما يقول صديقه أبو عادل الذي يزوره في الصباح ومجموعة من الأصدقاء يتحادثون بشؤون الساعة وبما يشغل المدينة والبلاد فبات الفرن منتدى اجتماعيا حقيقيا بل الرمز التراثي الأهم في مدينة الأسوار.
وعن بداية المشوار يقول أن والده كان يزورهم في عكا لتزويدهم بما يحتاجونه قبل عودته لحيفا ليبقى حارسا على البيت والفرن لكنه منع في المرة الأخيرة من العودة فاستقر بنهاية 48 في عكا. ويتابع «البدوي وهو أحد زملاء والدي بالمهنة طلب منه إدارة فرن عثماني بملكيته ريثما يعود من لبنان وقال إن لم أعد فلك الفرن حلال زلال» وهذا ما حصل. بعد بضع سنوات اضطر أبو عدنان لمغادرة مدرسته كي يساعد والده في أعمال الفرن حتى تولاه هو بنفسه عام 1955 وأعاد بناء «بيت النار» العتيق ويرفض استبدال الحطب بالغاز والوقود متسائلا وكيف استبدل الطبيعي بالبلاستيكي؟ كذلك لم يسلم أبو عدنان بمصيره فقد سعى لاستكمال دراسته فامتلك ناصة العربية وادخر ثقافة عامة واسعة ساعده في إثرائها الحزب الشيوعي الذي انضم لصفوفه مبكرا. الشيخ البشتاوي الذي يداوم على الصوم والصلاة يروي باعتزاز مساهمة رفاقه في الحزب بالدفاع عما تبقى من الوطن وتثبيت الفلسطينيين المتبقين فيه ويضيف بلهجة تنم عن حماسة لا تقل حرارة عن موقد فرنه «صحيح أننا شيوعيون لكننا ما زلنا ندافع عن وطننا وشعبنا نرفض التلون ولا ثمن لنا. الهمة عالية والحمد لله، لم نتعب والأمل كبير بشعبنا وما زلنا نحلم بالدولة الفلسطينية. نحن باقون وترامب زائل. نيرون مات ولم تمت روما». وردا على سؤال يقول أبو عدنان: «آه لو تعرف كم رغيف وكم كعكة ولدت بين أناملي وكم عامل مر من هنا. وهل أصبح رفيق الحزب الشيوعي برجوازيا بدل طبقة البروليتاريا وهل أنصفت العمال ووفيتهم حقوقهم؟ حرصت على مصلحة العمال ومع ذلك أقول مهما أعطيت العامل تبقى له حقوق لدى المشغل». بالمقابل يشهد كثيرون أن لأبي عدنان حقوقا كبيرة لدى أهالي مدينته وهم مدينون له باستقبال جميل «من القلب» وبابتسامة طبيعية لا تشيخ وبمشاركة زبائنه همومهم ومشاكلهم.