الميل البارز في تعامل المجتمع الإسرائيلي مع الاتهامات الموجهة ضد الوزير السابق غونين سيغف («تاجر المخدرات»، وصفته غيئولا بن ساعر في برنامجها وشبهته بغولدشتاين الخائن في كتاب جورج أورويل من العام 1984)، يمد خطاً مباشراً بين الخيانة الظاهرية للدولة في خدمة إيران وبين الخيانة الايديولوجية للقيم المقدسة لليهودية بواسطة تصويته لصالح اتفاقات أوسلو.
في الشبكات الاجتماعية وفي وسائل الاعلام الرسمية تنتشر منذ نشر نبأ اعتقال سيغف صورته وهو يتحدث مع اسحق رابين في الكنيست. هذه محاولة معروفة لتشكيل صورة رابين كمتماه مع سيغف «الخائن». سيغف هو رابين ورابين هو سيغف. الوطنيون المتطرفون يتناقشون في ما بينهم ما هو الاخطر «جريمة أوسلو» لسيغف أو «جريمة إيران» له. تغريدة على سبيل المثال «فاسد باع نفسه للشيطان، مر في اتفاقات أوسلو في المناورة النتنة لرابين والآن كآخر المتآمرين ضد إسرائيل كخائن». الخيانة الايديولوجية في أوسلو تعتبر سابقة للخيانة التي يتهم بها اليوم.
د. مارتن شيرمن، مؤسس المعهد الإسرائيلي للابحاث الاستراتيجية، يعبر عن هذه الرؤية جيداً في مقال له في صحيفة «إسرائيل اليوم»: «بمعان كثيرة، غونين سيغف واتفاق أوسلو وجهان أخلاقيان الواحد للآخر. مثلما أن سيغف هو وصمة عار على الحياة العامة في البلاد، منحدر التحايل والتضليل، هكذا هي اتفاقات اوسلو وصمة عار على حياتنا الوطنية، ذروة التعهدات العبثية، وذروة التضليل وإيهام النفس. لا يوجد لأحدهما وجود بدون الآخر، مثلما أنه بدون سيغف وميوله الخيانية غير المكبوحة لم يكن هناك أوسلو، هكذا أيضاً بدون أوسلو والرغبات اليائسة غير المكبوحة لمن طبخوه، لم يكن سيغف ليكون في منصب وزير، الذي مكّنه من الوصول إلى معلومات من أجل أن يتاجر بها مع العدو. بالضبط كما في أوسلو قمنا باحتضان عدو لدود لنا، هكذا أيضاً سيغف… بدءاً من أول أمس نحن نعرف أن الاتفاقات الشريرة تلك، التي أغرقت شوارع البلاد بالدم والدموع، وجدت ليس فقط بفضل من تاجر بالمخدرات وخان ناخبيه، بل بفضل من خان الدولة كما يبدو».
بنفس الروحية كتب أيضاً الناقد الأدبي درور ايدار في نفس الصحيفة: «قلنا اوسلو، ونزل علينا غضب غونين سيغف وقضية التجسس. في الوقت الذي اشترته حكومة رابين وقزمين آخرين خانا ناخبيهم من أجل تحليل اتفاق أوسلو، فقد وصف في صحف ذاك العهد كشجاع وعناوين أخرى يحتفظ بها اليسار لحالات كهذه».
لا مناص من الاستنتاج بأنه حسب رأي الكثير من الوطنيين المتطرفين المناهضين لأوسلو، فإن خيانة اليسار لأوسلو والخيانة التي اتهم بها سيغف في ما يتعلق بإيران، هي نفس الخيانة للشعب اليهودي. «غونين سيغف واتفاق اوسلو هما وجهان اخلاقيان أحدهما للآخر»، هذا الشعار. «لا يوجد لأحدهما وجود بدون الآخر». من هنا فان كل المبادرين والمهندسين والصائغين لأوسلو، أيضاً في أوساط الجمهور الواسع هم خونة.
يوجد لليسار مثلما يوجد لسيغف ميل للخيانة لا يمكن كبحه. رابين منح سيغف وسيلة للوصول إلى «معلومات من أجل المتاجرة بها مع العدو»، وكان يائساً ولا «يكبحه أي شيء» و«وضع عدو لدود في حضنه». هذه الأقوال هي أقوال حاسمة. اليساري العادي ليس أفضل من سيغف. وهكذا فإن حكمه مثل حكم سيغف. انظروا لسيغف وسترون صورة اليساري العادي الخائن. حسب وجهة النظر هذه فإن المشكلة في قتل رابين لم تكن في إعدامه، بل في حقيقة أن ذلك تم بدون محاكمة. مع ذلك، دولة القانون. مجرمو أوسلو إلى المحاكمة.
هآرتس 24/6/2018