فيلم «الصيد» للدنماركي توماس فنتربرغ: حين يتحول الصياد إلى ضحية

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي» من نسرين سيد أحمد: يختتم الدنماركي توماس فنتربرغ فيلمه «الصيد» (2012) بطقس من طقوس التحول من الصبا إلى الرجولة، ففي هذه المنطقة الريفية من الدنمارك التي تدور فيها أحداث الفيلم، والتي تحيط بها الغابات والبرية والطرائد مثل الغزلان، يعد الحصول على ترخيص بالصيد والحصول على أول بندقية لقنص الحيوان طقسا من طقوس دخول عالم الرجولة، ذلك العالم الذي يتوجب على من يدخله أن تكون له القدرة على صيد حيوان بريء، وإصابة الهدف بدقة بالغة. عالم الرجولة إذن كما يصوره الفيلم ليس بالعالم الطيب أو المترفق، بل هو عالم صعب يحفل بالمنافسة بين الأقران وبإراقة دماء من لا ذنب له.
ولكن فنتربرغ طوال الفيلم يفكك توقعاتنا عن الصياد والطريدة، وعن المذنب والبريء. كما في فيلم فنتربرغ «الاحتفال» (1998)، تدور أحداث «الصيد» في الريف الدنماركي الذي يبدو للوهلة الأولى وادعا جميلا حين نراه وقد اكتسى بألوان خريف يقارب حلول الشتاء، ولكن وراء هذا الجمال ذهبي الألوان والأوراق يختفي خوف كبير وظلم أكبر، خوف من احتمال وقوع تحرش بأطفال أو الاعتداء عليهم جنسيا، وعن تأثير مزاعم التحرش هذه على المتهم بها، وعلى مجتمع القرية بأسره. ولكن فنتربرغ لا يدع أي مجال للشك أو التكهن، فنحن نعلم علم اليقين أن المتهم الذي يتحول إلى طريدة منبوذ من القرية بأجمعها، بريء مظلوم، لم يقترف قط ما يشين ولم يؤذ طفلا قط. لوكاس، الشخصية المحورية في الفيلم (مادس ميكلسون في أداء متميز) ليس معتديا على الأطفال، بل ضحية يتقوض عالمه بأسره جراء الخيال الخصب لطفلة سمعت ما يجب أن لا تسمع وتحتاج إلى حب تفتقر إليه. وهو أيضا ضحية مجتمع يحاول أفراده أن ينأوا بأنفسهم بكل السبل عن وصمة معرفة معتد على الأطفال أو التستر عليه، بدون أدنى محاولة منهم للتيقن من الحقائق، أو التأكد من صحة الاتهامات.
يبدأ الفيلم ولوكاس يتجه مبتسما إلى عمله المؤقت الجديد في روضة للأطفال، فقد كان معلما في مدرسة للصبية الأكبر سنا، ولكن المدرسة قلصت عدد مدرسيها ففقد وظيفته. يبدو لوكاس محبوبا من الصغار في المدرسة، الذين يهرعون للقائه واحتضانه حين وصوله. تبدو الأمور في نصابها الصحيح في حياة لوكاس، فبعد طلاق مؤلم من زوجته وخلاف مرير بشأن حضانة ابنه الصبي، يقرر الفتى أنه يريد العيش مع أبيه، كما أن لوكاس يبدو في طريقه لعيش قصة حب جديدة بعد تعرفه على زميلة له في روضة الأطفال.
ولكن هذا كله يتداعى فجأة وبدون جريرة من لوكاس. كلارا الصغيرة هي ابنة تيو، الصديق المقرب للوكاس وهي ربيبته وابنته في العماد، هي طفلة في الخامسة لها أخ مراهق تسمعه ذات يوم يحدث أصدقاءه عن العضو الذكري، وهي طفلة تبحث كثيرا عن حنان أبوين تشغلهما الحياة والخلافات الأسرية عنها، فتجد الحنان لدى لوكاس الذي يوصلها لبيتها من المدرسة أحيانا أو يسمح لها باللعب مع كلبه أحيانا. ولكن كلارا تفسر رفض لوكاس لهدية تقدمها له على أنه رفض لها، وفي لحظة غضب تخبر مدرسة في المدرسة إنها لا تحب لوكاس وتكره عضوه المدبب الكبير، كلمات سمعتها من أخيها، تتحول إلى زلزال يضر بعالم لوكاس ويدمره تماما.
تخبر المعلمة طبيبا نفسيا، يوجه بدوره أسئلة تقترح المزيد من الخيالات للطفلة، ثم يتم إبلاغ الشرطة ويتم إبلاغ أولياء الأمور. الاتهام لم يتعد محض تخرصات وتخيلات من كلارا التي لا تعي فداحة ما قالته والتي نسيت الاتهامات فور التنفيس عن غضبها، ولكن من يمكنه أن يُكذِّب طفلة تتحدث عن تعرضها للتحرش أو للاعتداء الجنسي. وفجأة يجد لوكاس نفسه منبوذا طريدا ممقوتا تحيط به الشبهات والشكوك وينبذه من كانوا منذ أيام أصدقاءه. كما هو حال الغزال الذي يصطاده الرجال لإثبات رجولتهم، يصبح لوكاس الطريدة التي يتصيدها المجتمع ليثبت براءته وليثبت أنه لا مكان فيه للمتحرشين بالأطفال. يصبح لوكاس مدانا فينظر إليه المجتمع بجرم لم يقترفه، ويتحول الشك إلى يقين لمجرد الاعتقاد أن طفلا لا يمكن له أن يكذب. يلعب فنتربرغ على رغبة الكثير من البشر أن يكونوا أصحاب صوابية أخلاقية وعلى رغبة الكثيرين أيضا في أن يكونوا قضاة…

فيلم «الصيد» للدنماركي توماس فنتربرغ: حين يتحول الصياد إلى ضحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية