إسطنبول ـ «القدس العربي» من إسماعيل جمال: كما اعتاد منذ 16 عاماً، وقف الرئيس التركي رجب طيب اردوغان على شرفة المقر العام لحزب العدالة والتنمية في العاصمة أنقرة لإلقاء خطاب الانتصار الذي ألقاه من المكان نفسه عقب الاستحقاقات الانتخابية الـ13 السابقة التي نجح فيها وحزبه طوال هذه السنوات، حتى بات معروفاً باسم «خطاب الشرفة».
لكن هذا الانتصار وعلى الرغم من أنه لم يكن مستبعداً إلا أنه حمل الكثير من المفاجئات التي قلبت المعادلة ومنحت اردوغان انتصاراً كبيراً تقول جميع المعطيات السابقة والحالية إنه لم يكن متوقعاً حتى في الأروقة القيادية العليا لـ«تحالف الجمهور» المشكل من حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية.
في الانتخابات الرئاسية التي تبدو حساباتها أسهل بكثير من الانتخابات البرلمانية، منحت جميع استطلاعات الرأي اردوغان نسبة أصوات تتراوح في مجملها ما بين 48 إلى 52٪، لكن 3 فقط من أبرز 10 من هذه الاستطلاعات منحه فرصة الفوز بنسبة أعلى من 50٪ وبالتالي حسم الانتخابات الرئاسية من الجولة الأولى، وهو ما ولد جواً عاماً يعتقد بصعوبة حسم هذه الانتخابات من الجولة الأولى لا سيما في ظل القوة التي ظهر فيها مرشح حزب الشعب الجمهوري محرم إنجي، ومنح بعض استطلاعات الرأي ميرال أكشينار مرشحة الحزب الجيد بسب وصلت إلى 17٪.
ووفقاً للنتائج شبه النهائية غير الرسمية، فإن اردوغان حصل في الانتخابات الرئاسية على 52.6٪ من أصوات الناخبين، وهي النسبة المخالفة للتوقعات لكنها قريبة منها إلى حد ما، حيث يمكن القول إن اردوغان على أعلى من متوسط النسبة التي منحته إياها استطلاعات الرأي، وهو ما كان مفاجئاً بشكل كبير للمعارضة التي كانت تعول بدرجة كبيرة جداً على جر الانتخابات الرئاسية إلى جولة ثانية. وفي تفسير مرشح المعارضة محرم إنجي الذي أقر بهزيمته لما حصل، قال إنه كان يتوقع بالحد الأدنى أن تجري جولة انتخابية ثانية، وأن يحصل هو في الجولة الأولى على نسبة 35٪ لكنه حصل على 30.6٪، معترفاً أنه كان يعول على أن يحصل مرشحو المعارضة الآخرون على نسبة أعلى من الأصوات لكنهم فشلوا في ذلك.
وبعد أن كان يتوقع أن تحصل أكشينار على 15٪ لم تحصل على أكثر من 7.3٪ كما لا تتجاوز نسبة مرشح الشعوب الديمقراطي الكردي الـ8.4٪ بعد أن كان يتوقع حصوله على أكثر من 10٪ على الأقل، كما أن مرشحي حزبي السعادة والوطن لم تتجاوز نسبتهم مجتمعة الـ 1.1٪.
وعلى عكس الانتخابات الرئاسية التي حادت قليلاً عن المتوقع، حصلت المفاجأة الأكبر في الانتخابات البرلمانية، حيث حصل تحالف الجمهور الذي يضم حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية على الأغلبية البرلمانية بسهولة وبفارق مريح بعد أن أصبح من شبه المؤكد أن هذا التحالف سوف يخسر الأغلبية البرلمانية وكتبت سيناريوهات تفصيلية عن طبيعة النظام السياسي التركي في ظل فوز اردوغان بالرئاسة وخسارته الأغلبية البرلمانية.
فعلياً، نتائج حزب العدالة والتنمية كانت أيضاً في حدود المتوقع تماماً، حيث حصل الحزب على 42.5٪ من أصوات الناخبين وهي النسبة التي تتفق مع استطلاعات الرأي التي منحت الحزب توقعات بين 40 إلى 44٪ وهي نسبة لا تعبر عن تقدم في أداء الحزب وإنما تعتبر ترجمة فعلية لتخوفات الحزب من تراجع شعبيته عبر خسارته قرابة 7٪ مقارنة بنسبة الأصوات التي حصل عليها في آخر انتخابات برلمانية حصل فيها على 49.5٪ من أصوات الناخبين.
وفي ظل هذه المعطيات المتوقعة، ظهرت المفاجأة الكبرى بحصول حزب الحركة القومية حليف اردوغان في «تحالف الجمهور» على 11.1٪ بعد أن أجمعت التوقعات واستطلاعات الرأي على أن الحزب لن يحصل على أكثر من 6٪ من الأصوات.
هذه النسبة قلبت المعادلة في الانتخابات البرلمانية تماماً، وبدلاً منأن يخسر اردوغان الأغلبية البرلمانية بات يمتلك فيه 295 مقعداً في البرلمان من خلال حزب العدالة والتنمية، و49 مقعداً من خلال حزب الحركة القومية، ليمتلك بذلك «تحالف الجمهور» 344 مقعداً من أصل 600 إجمالي مقاعد البرلمان.
وما يزيد من حجم المفاجأة أن النسبة التي حصل عليها حزب الحركة القومية في البرلمان تفوق النسبة التي حصل عليها في الانتخابات الماضية وذلك قبيل انقسام الحزب وانشقاق ميرال أكشينار عنه وتشكيلها حزب الجيد الذي تمكن هو الآخر من الحصول على 10٪ من الأصوات حاصلاً على 43 مقعداً في البرلمان.
ولا يوجد حتى الآن تفسير واضح حول الكتل الانتخابية التي تمكن من خلالها حزب الحركة القومية تجميع أصواته منه، لكن التفسير الأقرب متعلق بأن أكشينار لم تتمكن عقب انشقاقها من سحب أصوات شريحة واسعة من الحزب، أي ان الحزب حافظ على نسبته السابقة، في المقابل حصلت أكشينار على أصواتها من شريحة اجتذبتها من القاعدة الشعبية لحزبي الشعب الجمهوري والشعوب الديمقراطي إلى جانب نسبة من شريحة النساء، وهو السيناريو المعقد الذي فشلت جميع الأوساط السياسية التركية ومراكز استطلاعات الرأي في توقعه.