فيديريكو غارسّيا لوركا وملامسة المأساة الإنسانية للوجود

حجم الخط
0

مدريد ـ « القدس العربي»: من محمّد محمّد الخطّابي في الخامس من حزيران/يونيو الجاري حلّت الذكرى العشرون بعد المئة للشاعر الاسباني الغرناطي فيديريكو غارسّيا لوركا. وقد احتفلت الأوساط الأدبية والثقافية في اسبانيا بهذه الذكرى التي صادفت المعرض الاسباني للكتاب الذي يُنظّم في مدريد في هذا التاريخ من كلّ عام، والذي يصل عدد زوّاره قرابة الثلاثة ملايين زائر، وتنيف مبيعاته من الكتب على المليون نسخة، حتى غدا ظاهرة غريبة يطلق عليها «سياحة الكتاب».
ومن أبرز التظاهرات الثقافية التي شهدها المعرض الاحتفال بالذكرى 120 لميلاد لوركا، وجعل (2018 عام لوكا). وبهذه المناسبة تقديم كتاب جديد للباحث البريطاني إيّان جيبسون يحمل عنوان: «اغتيال غارسيا لوركا». انطلق الاحتفال بغنائيات من أشعار لوركا قدّمها المطرب الاسباني «ميغيل بوفيدا» خاصة قصيدته (صيحة نحو روما).
يقول الناقد الاسباني ألفارو ماتياس: «قيل عن لوركا وفيه الكثير، ومع ذلك فهو يدعونا باستمرار لمزيد من الدراسة، والتأمّل، وإعمال النظر فى شعره وإبداعاته». ويعتبر إيّان جيبسون لوركا رمزاً للصّفح والتصالح فى هذا الوقت العصيب الذي تعيشه اسبانيا «ويتضمّن كتابه دراسات عميقة عن لوركا في اسبانيا وخلال وجوده في أمريكا، وهو يرى «أنّ أعداء الحرية سلبوه منّا دون أن نرى صورته وهو عجوز، فقد اغتالوه في عمر الزهور(38 سنة)». بالإضافة إلى الموائد المُستديرة، والندوات، والتظاهرات الثقافية التي ستقام حول شعره على امتداد هذه السنة سيتم ّ إعداد أشرطة وثائقية حوله. إنه يقول لنا فى مسرحيته (منزل برناردا ألبا): «الموت ينبغي لنا أن ننظر إليه وجهاً لوجه». «ويقول الشاعر الكندي «ليوناردو كوهين: «أنا لا أفهم كيف لم تقم اسبانيا كلها لتحفر بأيديها جميع حقول غرناطة لتبحث عن رفات الشاعر لوركا»، ويقول ماتياس: «إن لوركا يقف عاماً بعد عام شامخاً أمامنا وقد غدا رمزاً للإبداع سواء لدى الشعراء التقليديين أو الشباب، وأصبح أيقونة الإبداع فى كلّ العصو، ولذا نجد أشعاره اليوم تنتشر في وسائل الاتصال الاجتماعي على أوسع نطاق».
وتتأهّب مدينة غرناطة مسقط رأس شاعرها لوركا في (فوينتي باكيروس) هي الأخرى للاحتفال بالذكرى المئوية بعد العشرين لميلاده، وجعل السنة الجارية عاماً لوركيّاً بامتياز، وذلك لتصادف هذه الاحتفالات بوصول خلال الشهر الجاري يونيو (حزيران) إلى غرناطة جميع محفوظات ومخلفات لوركا من مخطوطات، ورسومات، ورسائل، وصور شخصية، وأعمال نثرية، ومسرحية، وفنية، وأثاثه الخاص، وأدواته الموسيقية، ووثائقه التي ظلت فى مقر إقامته ببيت الطلبة بمدريد منذ اغتياله، ومن المقرّر أن تودع هذه المخلفات فى «مركز لوركا».
وأعلن عمدة غرناطة فرانسيسكو كوينكا خلال ندوة صحافية أن وثائق لوركا التي تقدّر من ( 19000 وثيقة) أصبحت تراثاً وطنياً اسبانيا، وأن التظاهرات الاحتفالية التي ستقام احتفاء به تدخل فى نطاق تسديد دَيْن هذه المدينة المعنوي معه، وردّ الإعتبار له، وأنّ تخصيص سنة 2018 عاماً لتكريمه سيكون على غرار التكريم الذي أقيم لبيكاسو بمالقه.

رسائل لوركا

من بين وثائق الشّاعرالتي ستودع هذه الأيام فى «مركز لوركا» بغرناطة كتاب عن حياته خلال وجوده في نيويورك وكوبا في الثلاثينيات (1929ـ1930)، ويضمّ الكتاب 14 رسالة، فضلاً عن فصول حول «شاعر في نيويورك» و«سلم الهواء» و«المسرح»و»السود» كلها تلقي الضوء على جانب مهمّ من حياته واهتماماته خلال هذه الفترة. ويقف القارئ على المفاجأة الكبرى في هذه الرسائل وهي عدم رغبة الشاعر في نشرها لأنه يعتبرها حميمية ونقرأ رغبته في هذا الصدد في الرسالة السادسة من المجموعة حيث جاء فيها:
«رسائلي ينبغي أن تقرأوها أنتم وحدكم، ولا يجب أن تقع في أيدي الغرباء، بمعنى هي مقصورة على العائلة فقط، إنها رسائل حميمية، هي لكم وليست لأحد، كما أنه ليس لها أيّ قيمة أدبية، بل لها قيمة عائلية، وان قيامكم بغير ما أوصيتكم به سيكون تصرفاً مُسفّاً من طرفكم». ويشيرالناقد خوسّيه غارسيا نييتو الذي علق على هذه الرسائل بقوله: «كنا سنُحرَم من هذا المصدرالرفيع المتعلق بالشاعر في حالة استجابة عائلة لوركا لوصيته والعمل بها وتطبيقها، ذلك أنّ الفقرات الواردة في هذه الرسائل هي من البساطة ولا تنطوي على أيّ مشاغل أدبية ذات أهمية قصوى، إلاّ أنها تحمل معلومات لها قيمة رائعة تسهم في فهم حياة الشاعر ودراسة معنوياته في تلك الفترة، وما كان يعتمل في ذاته من مشاعر، ويساوره من قلق وارهاصات ابداعية كبرى خاصّة في مدينة مثل نيويورك».وبالنسبة لكثير من الكتّاب والنقاد فإنّ أجمل ما في هذه الرسائل ـ بغض النظر عن قيمتها ـ هي كونها تتعلق بقمّةٍ من قمم الشعر الاسباني في القرن العشرين.
إن التساؤلات ما زالت تطرح حول الدواعي التي دفعت بالشاعر إلى القيام بهذه الرحلة إلى نيويورك، ويجيب «كريستوفرمور» في تقديم هذه الرسائل المخطوطة: «إنّ الأزمة العاطفية التي كان يجتازها الشاعر في ذلك الوقت حقيقة وليست من اختراع النقاد، ولا شكّ أنّ العمل الأدبي يتغذى بشكل واضح وغير قابل للتفسير من اجتهادات الشاعر والاندفاعات الحيوية للمبدع، وانّ تطلعاته في تلك الفترة كان يبترها سيف مأساوي عزاءً، ومرارةً. إنه يقول لأصدقائه في تلك الرسائل: إنه «يجتاز أقسى وأهمّ مرحلة من المراحل التي مرّت به في عمره»، كان لوركا بالفعل في ذلك الوقت يمرّ بمرحلة مخاض إبداعي حول موضوعات تتعلق بعدّة مجالات، انعكس ذلك في غير قليل من قصائده، حيث تفتّحت قريحته عن أعمال عاطفية دفينة، وكذا عن اكتشاف عوالم جديدة لشعره، فضلاً عن عادات، وتقاليد، وأناس، كلّ ذلك عمل بطبيعة الحال بشكل إيجابي على تغذية تجربة الشاعروإثرائها، والذي يفاجئنا في هذه الرسائل هو جانبها الإنساني، ذلك أنّه يكتب فيها لأبويْه ولإخوته، ويقدّم فيها دروساً لأسلوب العذوبة والرقة كما يمكن أن نلمس حماسه نحو هؤلاء الذين يحبّهم والذين يخشون عليه هم بدورهم من نتائج مغامراته، ويتوصّلون منه بأخبار مُشجعة وسارّة بلهفة متزايدة.

الحنين إلى المنزل الأوّل

كانت حقبة وجود الشاعر في نيويورك فترة ذهبية في حياته، كان لوركا يصف العالم الجديد بأنه عذب ومريح، كما يصف أصدقاءه الجدد ونجاحاته الأولى فيقول: «هذه الأيام أجدني منسجماً مع وسط نيويورك وهو وسَط مبتهج ويوحي بالترحاب». كانت حياة لوركا في جامعة كولومبيا في نيويورك تسحره، وعنها يقول في إحدى رسائله: «أنا الآن محاط بالعديد من الأصدقاء، بأناس يهتمّون بي، والذين حاولت قدر استطاعتي أن أكون لطيفاً مع معهم، ولست في حاجة إلى القول إنّ رضاهم يحيك هالة حولي».
كان لوركا يشعر بحنين مفرط إلى بلده اسبانيا، وبشكل أكثر إلحاحاً إلى مسقط رأسه فى «الأندلس» التي يحملها دائماً معه حيثما كان، يدفع به ذلك إلى إجراء مقارنات شعرية رائعة في هذا القبيل: «يا لها من روعة تلك الأغاني ـ يقصد غناء السّود – والتي يقارنها بالغناء الاسباني الأصيل». ولا تحيد ذكرى الأندلس عن ذاكرته: «تلك الأندلس، أندلس البحر يا لرقتها، يا لروعتها، هنا يعرف المرء أهمية جمال اسبانيا».
وفي هذه الرسائل نجد لوركا الشاعر الُتحمس، كما نجد طريقة حياته المرنة، وعمقه وانشغاله الإنساني الكبير. كلّ ذلك كان يمهد لإقلاع سفينة إبداعاته بظهور إحدى أعظم قصائده التي عرفها شعره فيما بعد، وبذلك تسلط الرسائل الضّوء على أعماله الأكثر أهمية وهي «شاعر فى نيويورك».»إنّني بصدد كتابة ديوان شعر سيترك أعظم الآثار».
الرّسالة رقم 4 من هذه الرسائل كتبت من هافانا في 5 أبريل (أيار)1930، وفيها يقول: «في حالة ضياعي لا تبحثواعنّي سوى في الأندلس أو في كوبا» التي كانت إقامته فيها طيبة ومريحة، كما يصف لقاءاته مع غيرقليل من الشخصيات المهمّة التي كانت في كوبا في ذلك الوقت. وهكذا يفصح الشاعر عن بعض الجزئيات التي لا تلبث أن تصبح اتجاهاً مميّزاً في شعره، كما ستغدو معالم واضحة في شخصيته: «لاتنسوا، أن يكون المرء شاعراً في أمريكا خير من أن يكون أميراً في أوروبّا».!

امتطاء «مركبة الشِّعر الخالص»

عندما ظهرت هذه المجموعة من وثائق ورسائل الشاعر لوركا اعتبرذلك حدثاً أدبياً كبيراً، ولقد تمّ العثورعليها في منزل المحامي الغرناطي «فسنتي لوبيث غارسيا» الذي كان متزوّجاً من ابنة عمه «كارمن غارسيا لوركا»، وهي تتألف من 78 رسالة.
يشير الناقد الاسباني «ميغيل بوسادا» أنّ مراسلات لوركا تُعدّ من أغنى المراسلات في الأدب الاسباني الحديث، إذ يحرّكه دوماً فيها همّه الدائم فى البحث عن الحقيقة بواسطة التعبير الأدبي.هذه الرسائل تسمو فوق بؤس الحياة اليومية لتحلق في الفضاء اللاّنهائي المفتوح للخلق والإبداع، وهذا ما يفسّر وجود العديد من الأشعار، والرسومات في بعضها، فضلاً عن إشارات الشاعر الدائمة إلى مغامراته الإبداعية. إنّ المتحدّث دائما فيها هوالشاعرالذي جعل من الشّعر مادة أساسية لحياته، لذا فإنه عندما يتوجّه بالكتابة إلى أقرب الناس إليه أو إلى الذين يحبّونه، فإنّ كتاباته على الرّغم من ذلك، لا تخلو من الإشارة إلى الشعر ومعاناته.
تؤكّد هذه الرسائل لنا ما كنّا نعرفه عن لوركا، ففيها يمكننا أن نتأمّله شاباً مراهقاً وهو يلامس المأساة الإنسانية للوجود، والذي ينشر ويشعر بالزّهو والفخار من مقالاته الأولى التي يدافع فيها عن توجّهاته الأدبية إزاء الاختيارات التي كان يريدها له والده، كان لوركا يكافح ويصارع في مدريد من أجل امتطاء مركبة «الشاعر الخالص النقي» والذي كان يفعل كلّ ما في وسعه من أجل إيصال شعره ومسرحه إلى الجمهور.
تتضمّن بعض هذه الرّسائل انطباعات، وأوصافاً لما كانت تقع عليه عينا الشّاعر خلال سفريّاته المتعدّدة في مختلف المناطق والجهات الاسبانية وخارجها، وبواسطتها تمّت ولادة الشاعر بشكل فعلي.

فيديريكو غارسّيا لوركا وملامسة المأساة الإنسانية للوجود

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية