بانت سعاد

حجم الخط
1

سعادُ بانت. جَمعَت بيانًا إلى بَيْن. فرطُ البعد ظهور والفراقُ كشَّاف.. وقفتُ على مُرتفعٍ تركتُها عليه قبل ساعات وكُلِّي يقينٌ في لقائها في عين المكان. لكنَّ عينَ المكان خلت منها وعمِيَتْ، وعَمِيَ عليَّ نبأُها. أين هيأتُها الجميلة؟ أين ظلها الظليل؟ هل هو الهجر؟ لا يجوز، لا يمكن، لا أصدق. لا بدَّ أنه اختفاءٌ قسري.
لئن كنتُ محبا لها فهي وفية لي، وأجملُ من الحبِّ الوفاء. ما سرُّ رحيلها يا ترى وقد أتينا جميعا وتركتُها على شوقٍ والتفاتٍ مِني إليها متكرر.. والتفتُّ حولي لأكتشف أني لم أكن وحيدَ قومِه الذي فارقتْه سعادُه. آخرون وقفوا واجمين ينظرون لحيز الفارغ نفسه، ثم التفتَ بعضهم لبعض يقولون بلسان الحال: «لا تَهْلِكْ أسىً وتجلَّدِ».
قبل ذلك بأيام قليلة كنتُ أنقذتُ سعادَ بأعجوبة في آخر لحظة من شرطي جاءَ يسحبها. رغم أن كلمة شرطي توحي بشروط مقدسة، كأن لا تختطف لأحدٍ متاعه في غيابه وتتركَه كالمجنون على غير قانون، بل مثل قانون تمزقت حباله وتشعثت. يومَها توعدني الشرطي. التعليماتُ صارمة والعفو غيرُ مأمول ولا مسامحةَ في الأنفس ولا في الآفاق. فجأة وفي ظرف طارئ وتعليماتٍ بأثر رجعي صار ذلك المكان محرما على وقوف السيارات. لا أحدَ يركَن. لا أحدَ يمر.. ألححت وتظاهرت بمُهاتفة أشخاصٍ مُهمِّين وأنا إنما ناديتُ أمي وسألتها دعوة خلاصٍ، واستطعت أن أستخلصها من قبضته وود لو يصفعُني بوثائقها حنقا..
وها أنا اليوم فقدتها. الاختطافُ تأجل فقط. لقد أتبعَهَا الشرطيُّ نفسَه، وكان قدَرُها أن تُجرْجَر إلى المستودع في أطراف المدينة. ربما لتدفع قدَرًا أكبر جراءَ معاينة كضربة عين. مستسلما ناديتُ سيارةَ أجرةٍ، وفي الطريق اشتغلتُ حدَّادَ نفسي. ضغطتُ على جميع أزراري وأطفأتـُنِي. أوقفتُ أحاسيسي ومشاعري ووجداني وأعدتُ الزئبق إلى الصفر. صفر توتر. صفر غضب. صفر حزن. صفر ثورة. حركة صفر فبراير/شباط في دروبِ نفسي. لبستُ خَرَسَ الخرسانة. لا مفر من أن تصير حجرا كي لا تقاسي احتكاك الأحجار..
بوجه لا يطفو عليه أي إحساس أو انفعال دخلتُ المستودع. إنه مقبرةُ حديدٍ تطل على بحر يُرى لونهُ زمرديا بهيجا من خارج المستودع، رماديًّا حزينا من داخله. عن اليمين مكتبٌ فيه شرطي ينتظر قدومَ مثلي، الواحدَ تلو الآخر. الصيد يومَها وفير، ووفيرٌ كلَّ يوم، كرمي بالنبال في قطيع جاموس لا يهاجر أبدا. وقفتُ أمام الباب. فإذا بي أمام الشرطي نفسه الذي كادَ يأخذُ سعاد أولَ مرة. تأكدت أنه أرسل ورائي يومَها طاقته السالبة.. والموجبة للأداء. رغم تعجبي لم أبْدِ شيئا. كنت تمثالا. ربما التماثيل هي أشخاص حقيقيون قد تجمدوا وتكلسوا من مقاساة الأزمنة الغابرة ونحن نتعجب عند رؤيتهم ونقول: «يا له من نحَّاتٍ بارع!» المقاساة أمهرُ نحّاتْ. التفتُّ عن الشرطي وعانقَتْ عينايَ سعاد. كنت أواسيها عن بعد..
نظر إليَّ الشرطي وأنا أرنو تِجاه شيء كالمحب فناداني نداء غريبا. كأنه رأى شاعرا عند طلل. تقدمتُ إلى القُمرة في صمت وبرود ولامبالاة، وكابدتُ المُكث فيها، كأنها لم تُفتح منذ سنين. وسمعتُ أسئلة تُلقى عليَّ من مكان بعيد وأجبتُ عنها كإنسان آلي..
– سيارتك هنا؟ – نعم لأجلها جئت. – أوراقها معك؟ – نعم. – هل نسختَ صورةً من كل بطاقة؟ – نعم. – ستؤدي الغرامة؟ – نعم أتيتُ لأجل ذلك. – 500 درهم، 360 غرامة مخالفة، 140 درهم مصاريف النقل والمستودع؟ – نعم. ـ يبدو أنك مستعجِل؟ – نعم لديّ أشغال..
كنت أجيبه في هدوء ووداعة أربكَتْ تشوقَه لمن يتوسل ويتمحَّل. لبثَ مترددا ثم قال: «ـ هل تؤدي الآن أم عند قُدوم الشرطي؟» كأنه لم يكن شرطيا. كأن عدم المقاومة وعدم العناد سحب عنه متكأ يبررُ به لنفسه حلبَ الغرامات المتواتر. كأنه تمنى لحظتها لو لم يكن شرطيا وأن الشرطي شخص آخر لم يحضرْ بعد..
– اكفني عناء الانتظار من فضلك.
شرع يدوَّن القسيمة لكنه توقف. ناولتُه المبلغ ظنا أن التوقف لأجل النقود. تلمسها بيديه هنيهة. التفت إليّ ونظر في تردد ثم مد إليَّ ثلثَ المبلغ قائلا:
– لا بأس تكفي المخالفة.. التنقيل والمستودع مجانا..
قلتُ له في نبرة مزجتْ تعجبا بعتاب:
– أشفقتَ لحالي؟
فأخذ يتندم ويتذمر ويعتذر: «وهاذْ البْلادْ أخُويَا.. ومَا كْرْهْناشْ أخويا…وها نْتَ كَتْشوفْ أخويا» وهل أصدِّق أخُوَّتَه وقد جرجرني هو وإخوته هنا مرارا؟ قلت له: – النقل العمومي غيرُ آمِن ويكلف الوقت.. سيارةُ الأجرة تكلف المال وأصحابها يغشون في العدَّاد.. النقل الموازي أعلنتم عليه الحرب.. وحين تأتي بسيارتك وتركنُها في زقاق.. تجد نفسك هنا.. البحر أمامك بدون استجمام والغرامة وراءك!
نظر إليّ نظرة المتحسر ثم قال في نبرة اعتراف: – والله بيع النعناع أحسنْ من هذا الحال… هذا البلد إن لم يغرقه تسونامي من ماء البحر فسيغرقه تسونامي من دموع القهر.
تعوذتُ بالله من كلا التسونامَيْن وقصدتُ سعاد. مسحتُ عنها غبارًا دقيقا حط عليها جراءَ مرور ناقلاتٍ تجرجر سُعاداتٍ أخرى في غير رفق. مسحتُ عنها واستسمحتها على عَنَت الزمان والمكان ومُقاساة الخلق. وصلتُ البوابة على متنها فأشار إليّ الشرطي إنْ كنتُ متجها يمينا أم شمالا. وما يفيدُ علمه بيميني أو بشِمالي. أشرتُ ذات الشِّمال. فحيَّاني تحيةً رسمية. ففهمتُ أن المواطَنَة الصالحة غيرُ مجانية، وأنَّ الأداءَ عندَ كل صوب وحدب هو عنوانُ الوطن. وحين خرجتُ اتجهت يمينا. يا قوم.. نحن في واد. وأنتم في آخر..

٭ قاص مغربي

بانت سعاد

رضا نازه

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية