مطرقة الرزاز على مسمار «الإصلاح السياسي»… الأردن: لماذا الآن أسطوانة مشروع نهضة وطني و«عقد اجتماعي» جديد؟

عمان – «القدس العربي» : تقف النخبة الأردنية على رجليها تماماً بعصبية أو بفضول كلما سمعت رئيس الوزراء الجديد الدكتور عمر الرزاز يتحدث عن «مشروع نهضة وطني» ينتهي بـ «عقد اجتماع جديد».
وهو يكرر هذه العبارة أكثر من غيرها وفي كل مناسبة وعندما يتحدث باي موضوع منذ تكلف بتشكيل الحكومة بعد أحداث الدوار الرابع الشهيرة قبل نحو ثلاثة اسابيع.
لافت جداً في السياق أن العبارتين وردتا في خطاب التكليف الملكي لحكومته. وانهما – وهذا الأهم – تخضعان للتكرار الممل على لسان الحكومة بدون تقديم شرح او تفصيل فيهما أو لهما.
في المحطة الأخيرة أعلن الرزاز أن مجلس الوزراء وضع الخطوط والملامح العريضة لبيانه الوزاري وعلى طريقته عندما كان وزيرا للتربية والتعليم سرب التفصيلة الأهم عندما التزم ببيان وزاري مبرمج على أساس مشروع نهضة وطني غير معرف وعقد اجتماعي جديد لا أحد يفهم حتى اللحظة بين من ومن أو على أي أساس.
بنجاح واضح يحول رئيس الوزراء الجديد العبارتين إلى ما يشبه المانشيت الرئيسي لحكومته في الملف السياسي تحديدا ودون أن يشعر بأنه مضطر لتقديم شروحات لكي يتجنب مطب الاتهام المعلب المسبق وعلى أساس أن مشروع النهضة الوطني والعقد الاجتماعي الجديد هما محصلة وثمرة للحوار الوطني الشامل وليس مجرد وصفة موضوعة أصلاً في ادراج الحكومة.

استعداد وجاهزية

من الطبيعي القول إن التزامات الرزاز تتضمن أو ينبغي ان تتضمن الاستعداد والجاهزية لإقامة نمط من الحوار الوطني المنتج والفاعل يميل إلى تعبئة الفراغات. بالمقابل وبالتزامن ثمة هوس هستيري لكنه بطيء ومرتقب يحاول تفكيك الغاز ما يتحدث عنه الرئيس الرزاز. ويزداد منسوب الإثارة والتشويق وفي مواقع الحرس القديم في الدولة قبل غيرها يرتفع منسوب الارتياب لأن الحديث عن إنهاض مشروع وطني ضمن رؤية مدنية الدولة وعن عقد اجتماع جديد يقول كثيرون بعدم توفر حاجة له اصلاً يتلازم زمنياً معه التصعيد المريب في ترتيبات ما يسمى بصفقة القرن. ويتلازم في المقابل مع نهضة مفاجئة في مستوى الاتصالات بين الأردن والحكومة الاسرائيلية من جهة وبينه وبين الادارة الامريكية من جهة اخرى بعدما اعلنت الأخيرة ان خطتها الجديدة للسلام في الشرق الاوسط أصبحت جاهزة، وهي خطة لا تزال غامضة ولا يمكن الحكم عليها كما يؤكد لـ»القدس العربي» مباشرة رئيس الوزراء الأسبق الدكتور عبد السلام المجالي.
ينشغل عامة الأردنيين في اليوميات الكلاسيكية والبيروقراطية التي يقترحها الرزاز وهو يستعد للتعامل مع استحقاق الثقة البرلمانية في التاسع من الشهر المقبل وفي دورة استثنائية خاصة دون ان يدخل الطرفان بعد في مزاج تقاطعات طلب ونيل الثقة مع ان الرزاز يقود حكومة دقيقة وتكثر من الحديث عن الشفافية وأنتج الانطباع مبكراً بأن حكومته ستتقدم من النواب ببيان الثقة المحكم ودقيق من النوع الملزم للحكومة.
الانشغال في اليوميات لا يعفي أوساط الصالونات السياسية من حالة ترقب بمستوى تأزم للتعريفات التي يمكن ان تنتج عن الحكومة لملامح مشروع النهضة الوطني او العقد الاجتماعي لان موقف أحد أعتى رموز التيار المحافظ داخل الحكومة وهو نائب رئيس الوزراء الدكتور رجائي المعشر سيكون معياراً أساسياً لعبور أو عدم عبور أو تمرير أو عدم تمرير وصفات إصلاحية مدنية الطابع تؤسس لأي تعريفات عصرية لها علاقة بالمحورين المثيرين بعنوان العقد الاجتماعي والنهضة الوطنية.
الغرق في العموميات والتفسيرات أنتج أساساً لتسييس الشروحات وبالتالي التعامل مع ترتيبات الإقليم الجديدة باعتبارها المحور الأساسي في دوافع تلك الاسطوانة التي يعزف عليها الرزاز عند كل مداخلة أو خطاب أو بيان. ووجود المعشر في أقرب نقطة قرار بحكومة الرزاز يقصد به توجيه رسالة ود وتعاون وضمانة من التيار الليبرالي إلى التيار المحافظ.
لكن بقاء المعشر واستمراره عندما يصل الجميع لمفاصل الشروحات الغائبة قد يصبح المعيار الحقيقي لموقف عتاة المحافظين والحرس القديم من تلك الوصفات التي تعتمدها حكومة الرزاز بمعايير مرسومة على الأوراق النقاشية السبع التي صدرت سابقًا باسم الملك عبد الله الثاني والمفعمة بأفكار ومقترحات تمدين الدولة.

ارتياب

الأهم على الأرجح هو مستوى الارتياب عند كل المستويات التي أصبحت فجأة خارج لعبة القرار عندما قفز الرزاز بحكومته وأدبياته حيث أن الارتياب في وجود خلفية سياسية لطروحات الوزارة الجديدة تصاعد عندما تم إخلاء مقرات الديوان الملكي من أي شخصيات سياسية ذات ثقل بمعنى تزايد هوس البحث عن قراءة اعمق لان المرجعية الملكية انهت تجربة وزراء الظل ووجهت لها ضربتين بالتزامن تكفل في الأولى الرزاز حصرياً عندما أطاح بوزراء التأزيم الاقتصادي في عهد حكومة سلفه هاني الملقي. وتكفلت في الثانية الإرادة الملكية التي نقلت حارس بوابة مخضرماً وخبيراً في إعاقة الافكار الإصلاحية واستثنائياً في التوتير والتحذير من الديمقراطية من وزن الدكتور فايز الطراونة إلى مجلس الأعيان بعد خمس سنوات عجاف إصلاحياً عمل فيها رئيساً للديوان الملكي فيما تم اختيار موظف إداري عريق وهادئ وبلا خلفية سياسية في مكانه هو الوزير يوسف العيسوي.
بمعنى آخر ثمة أجندة من الطبيعي ان يربطها القلقون والخائفون بترتيبات القرن الإقليمية تتطلب اليوم تكثيفاً في الحديث عن مشروع نهضة وطني جديد وعقد اجتماعي بمنتهى الغموض وبصورة يمكن ان تشكل وعاءً اجتماعياً وإدارياً لهضم تحولات الإقليم الأساسية.
يفترض المفترضون من خصوم الإصلاح والتحول الديمقراطي مسبقاً أن الحديث عن عقد اجتماعي جديد قد يقود في النهاية إلى مشروعات تعيد تعريف هوية الدولة الأردنية وتمس بمصالحها. لكن هؤلاء قد لا يلمسون عمق المشهد وهم يتجاهلون المنطق الذي يفترض بان الحديث عن مشروع نهضة وعقد اجتماع جديدين قد يشكل ضربة استباقية ووقائية لحماية مصالح النظام والدولة الأردنية اثناء عبور مرحلة جديدة تماماً من النوع الذي لا يمكن إلا الخضوع لها ، الأمر الذي قد يبرر مطرقة الرزاز في الضرب المتواصل على مسمار ملفات معنية حصرياً بالإصـلاح السياسي ولأول مـرة.

مطرقة الرزاز على مسمار «الإصلاح السياسي»… الأردن: لماذا الآن أسطوانة مشروع نهضة وطني و«عقد اجتماعي» جديد؟
بعد إنهاء دور الظل والاستعانة بالمعشر والاستغناء عن الطراونة
بسام البدارين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية