موت النص في فيلم «شكل الماء»… حين يكون المُشاهِد منتِجا

حجم الخط
0

بعد التجديد الذي أجراه روبيرت ياوس وفولفغانغ أيزر على المناهج السياقية والنصانية لتحليل النتاج الإبداعي، حيث سادت النظرة إلى التلقي على إنه فعل الاستقبال الذي يلامس النص ملامسة استبطانية وشكلانية، وبعد أن وضع الأساس لنظرية جمالية التلقي التي منحت السلطة للمتلقي، وعدلّت من علاقته بالمؤلف والنص، عن كونها علاقة منتج ومستهلك، وعلى أمل الوصول إلى القارئ صاحب التجربة، الذي يمتزج بالنص وينزع عنه كسله لينتج الدلالات، وكما تخيله أمبرتو أيكو، أصبح بالإمكان الاقتراب من الرؤية التي تزعم أن التلقي للنص الإبداعي هو نزوح إدراكي لاستقبال المنتج الجمالي، من خلال تقييمه النقدي وتكييفه واستيعابه، فلا يمكن للنص أن يكون هو الإنتاج، حيث تتجلى سلطة القارئ في تحليق خيالاته عبر خبراته، ومتعته تبدأ عندما يصبح هو نفسه منتجاً لا مستهلكاً.
وسلطة القارئ التي نادى بها ياوس ألمح لها بارت حين قال بأن مولد القارئ يجب أن يعتمد على موت المؤلف، عاداً القارئ منتِجاً أيضاً للنص، لأنه يقوم «بتفكيكه وإعادة بنائه ولملمة مكوناته لاستنطاق صمت المعاني الكامنة». وبموازاة مؤلِف مغيب وفق بارت، وقارئ يمتلك السطوة، بحسب ياوس وايزر، يبقى النص وحيداً في مواجهة المتلقي، خاضعاً لتأويلاته واستجاباته واشتغالاته، وهو ما وجدناه مناسباً للمشاهِد، حين ينفرد بمتابعة فيلم «شكل الماء» للمخرج ديل تورو، الذي حصد أربع جوائز في الدورة التسعين للأوسكار، كونه يُحدِث اضطراباً في ذهن المشاهِد ويفجّر نشاطه المكون كالذي تحدث عنه أيزر، وجاء مخالفاً لتوقعات المتلقي التي ساقها ياوس.
الفيلم كتبت له السيناريو فانسيا تايلور والمخرج ديل تورو، وصُنف على إنه خيالي تأملي ورومانسي لما طرحه من إحالات وتساؤلات وقصص انجذاب وحب مغايرة، فالبكماء إليزا (سالي هوكينز) تقع في حب برمائي (دوغ جونز) جُلب من الأمازون إلى مختبر سري تعمل به منظفة، وجارها الرسام غايلز (ريتشارد جينكينز) بميلوله المثلية التي تضرب طوقاً على صلته بالمحيط ومهنته الملاحَقة بلعنة الكاميرات، وزميلتها زيلدا فولر (اوكتافيا سبنسر) وما تواجهه من تجاهل زوجها والمحيطين لدورها ووجودها ولون بشرتها، والكولونيل المتغطرس ريتشارد ستريكلاند (مايكل شانون) وهو يحمل شكلاً آخر للحب المرتكِز على القسوة والعنف في ممارسة الجنس مع زوجته إلين (لورين لي سميث) مفضلاً أن تبقى صامتة أثناء ذلك، مثلما يعتمد على العنف للتعبير عن رغبته في النجاح بعمله عبر تعذيبه للبرمائي وتحرشه باليزا البكماء، فيما يحمل الجاسوس الروسي هوفستلتر (مايكل ستولبارغ ) نمطاً مغايراً من الحب، فيساعد اليزا لإنقاذ حياة البرمائي وتهريبه، صراعات تجري في بيئة الفيلم ومشاهده التي ألح فيها المخرج على الاستعانة باللون الأخضر وتدرجاته، لينقل المُشاهد صوب أحاسيس من الرتابة إلى الأمل والخلاص، ومن بعدها التطلع إلى مقبل أكثر نقاءً، وكأن الفيلم بركة جمالية خضراء من دون الاستعانة بنبتة أو شجرة.
عين الكاميرا الغاطسة وهي تنزلق بإيقاع واهن في منزل غارق تحت الماء يشبه للوهلة الأولى سفينة تغمرها المياه منذ عقود، حيث تتجول أسماك ومصابيح وأثاث تعوم بدبيب كالمجرة، فالكل قد انسل من عاصفة مهلكة، وعين الكاميرا تبحث ملتذة عن كنز ثمين تكشف عنه موسيقى الفيلم، التي اختيرت بإتقان، لكن الإرهاصة الصادمة وسط انعدام الوزن للأشياء وكأنها سفينة فضائية هي في عودة الساعة من سباحتها والاستقرار بالقرب من أريكة نوم اليزا، التي تمد يدها وتوقف جرس الساعة عن الرنين وتؤشر لعودة الزمن من غيبته (موته) فينكشف الغرق ويضمحل انعدام الوزن بافتضاح الضوء الخافت وتنهض للعمل، انتقال سلس من الحلمي إلى الملموس، وبروز منزلها بعد مزج خيالي فتح كوة التأويلات التي صارت خرقاً لفضاء التوقع ولبنة لتشييد نصوص مفتوحة.
الاستعلاء الرؤيوي الذي يمتزج في خطاب الفيلم من خلال بنيته البصرية والسمعية، استنفر مجسات التلقي بحثاً عن التركيب والمعنى، اليزا المهملة والمنسية في منزل يستقر على قاعة للعرض، التي وجِدت ملقاة وهي صغيرة قرب النهر تستيقظ من لذة الضياع في نوم غارق لتستقر في حوض الاستحمام الذي تراه مهماً لعوالمها، وتمارس طقسها الحلمي فيما البيضات تنضج في إناء الغلي، ثلاثة خدوش كالحراشف على جانبي رقبتها وكأنها كائن مائي، تنام في الباص متكئة على الزجاج المبلل بالمطر بدون أن يلمحها أحد، ولغة الإشارة والأصابع لم تسعفها في التواصل مع العالم المحيط، إلا مع المهمشين والثانويين لكنها كانت خيطاً تواصلياً مع البرمائي، الذي جُلب مقيداً بالسلاسل كمهمش آخر في حوض ماء، مارست معه الحب في حوض الماء وأغرقت الغرفة وكأنها تشيد بيتاً لحبها وسريرا مائياً كبيراً، فالحب ينمو وما عاد الحوض كافياً.
الاستهلال الآسر والتبئير الدلالي والرؤى الحدسية أسهمت في بناء نصوص إبداعية متخيلة في ذهن المشاهد، فاليزا الكائن الهامشي غالباً ما يفصح عن نفسه حين يكون وحيداً، فهي ترقص في الممر وترى ما لا يراه غيرها، لقد سبرت واحة السلام في قلب البرمائي، على الرغم من شاكلته المخيفة وحراشفه وقطعه لاثنين من أصابع الكولونيل، حيث وضعت الاصبعين في كيس الأكل، فيما البرمائي الذي كان آلهة للنهر في الأمازون ويستطيع شفاء الجروح وإعادة إنبات الشعر يتعرض للتعذيب ومحاولات التصفية على يد قوتين لا يهمهما سوى التدمير ولا يمكن لهما اكتشاف مكامن الإشراق والحب والسلام عند الآخر.
هذه التمظهرات يمكن أن تعمل كمجسات ومشارط وبدايات منفلتة ومتشعبة لبناء تمظهرات أخرى منفصلة عن جسد الفيلم، كونها خارجة عن أفق خبرات المشاهد وسجله في التلقي، الذي يحتوي على نهايات معتادة، وبالنظر لقدرتها على التشظي والانزياح الأفقي لتنتج نصوصاً جديدة ومغايرة في ذهن المتلقي، الذي صار منتجاً وبحسب الأرضية التحليلية لكل مُشاهد، فيما الإشارة إلى اللقطة السينمائية بدلاً عن المقطع أو المتوالية كحد أدنى يقبل الاشتغال التحليلي تبدو مناسِبة لمثل هذا النوع من القراءات، التي تتماهى مع اللقطة السينمائية كضربة فرشاة عابقة بتشظيات استدلالية وإحالات صوب عوالم مغايرة وأحاسيس مختلفة لا تحفل كثيراً بالبنى السردية المعتادة والعلامات السيميائية، وإن كانت تستعين بها كوحدات دلالة ومعنى.
وفي السينما والأشكال الإبداعية الأخرى فإن المُشاهَدات المتواصلة للنص الأصلي/ الفيلم تفتح المزيد من التأويلات، وإذا كانت إعادة إنتاج النص هي عملية حشو أنيق للفراغات فيه بوصف يقترب ولا يتطابق مع أيزر فإن من الواجب اليوم أن نقول إنها عملية استيلاد نصوص متعددة لا تشبه النص الأصلي، الهدف منها ردم هوة سحيقة في ذات المتلقي صوب لذة الاندماج بالعمل الفني وإذابته لضمان التجانس والتوافق والاتزان، وهو ما يضعنا في مواجهة عملية إبادة أو قتل أو تفتيت للنص الأصلي، لتصبح الكتلة الجمالية هي كم النصوص الإبداعية التي أنتجها وينتجها المشاهد/ القارئ في رأسه أثناء وبعد فعل القراءة / المشاهدة، وما يسبق ذلك من موت للنص الأصلي. وما يؤكد ما نذهب إليه هو أن سيناريو»شكل الماء» مبني على حطام نصوص أخرى أسهمت في سبغ تهمة التناص عليه، فقد استمده الكاتبان من رواية راتشيل انغول»السيدة كاليبان» وثيمة فيلم «الفضاء بيننا» مضافاً إلى ذلك ما ذكره المخرج ديل تورو أثناء حفل استلام الجوائز عن تأثير ذكريات طفولته وتجربته مع فيلم «مخلوق من البحيرة السوداء» حيث يُعتقد بأنه ومن خلال استجابته للفيلم السابق بنى»شكل الماء» وأفلامه السابقة.
الناقد سيكون كائناً فائضاً عن الحاجة ومتطفلاً على تجربة المتلقي، لأنه يسوق اشتقاقاته كناتج عرضي لتجربته التي لا تتواءم مع تأملات المُشاهد، يقول سارتر»إن عملية الكتابة تفترض عملية القراءة كتلازم جدلي، وهذان الفعلان المرتبطان هما: المؤلف والقارئ». وتبدو موجة التلقي كظاهرة ذهنية وفكرية مسورة بتنظيرات موت المؤلف الذي يفضله بارت، واعلاءٍ لسلطة المتلقي، بحسب ياوس، والإتيان بقارئ ذكي كالذي يلاحقه أمبرتو أيكو، قارئ يستطيع غلق مسامات النص، وكما وصفه أيزر، ومع عزل ضمني (موت) يمكن اجتراحه للناقد كي يحلق المتلقي في فضاء النص، حيث وجدنا إمكانية أن يتجاوز المُشاهِد مهمة إعادة تدوير النص الأصلي وفك شيفراته إلى فضاء إنتاج نص أو نصوص مغايرة في ذهنه، اعتماداً على خبراته وتجاربه التي حفزتها واستفزتها مشارط النص الأصلي والمعزول، بدون مؤلف أو ناقد، حيث سيختفي النص الأصلي ويتبخر أو يموت في غمرة استيلاد النصوص الجديدة وفق إنتاجية جمالية ستؤدي حتماً إلى ولادة مؤلف جديد ونصوص جديدة مع إعلان موت النص الأصلي بعد تغييب المؤلف والناقد، وهو ما وجدنا إمكانية تحققه وتوافر شروطه في فيلم «شكل الماء» كميدان مجز لبرهنته.

٭ ناقد سينمائي عراقي

موت النص في فيلم «شكل الماء»… حين يكون المُشاهِد منتِجا

يوسف المحسن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية