“فورين بوليسي”: خطة كوشنر للتسوية كارثة في طريق الانفجار

حجم الخط
0

مستشار ترامب وصهره جاريد كوشنر، إلى جانبه السفير الأمريكي في إسرائيل ديفيد فريدمان

لندن – “القدس العربي” – إبراهيم درويش

يرى إيلان غولدينبرغ، الزميل الباحث ومدير برنامج أمن الشرق الأوسط في معهد الأمن الأمريكي الجديد، وأحد المسؤولين البارزين في فريق وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري للمفاوضات إن آخر ما يريده الإسرائيليون والفلسطينيون محادثات سلام فاشلة والأهم من كل هذا هو بناء الاستقرار في غزة.

وفي مقال بمجلة “فورين بوليسي” قال فيه إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي انهى جولة من المفاوضات مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ- أون قد يحرف انتباه الشهر المقبل لما أطلق عليها “صفقة القرن”. وزار مستشاره وصهره جاريد كوشنر مع مبعوثه الخاص للمنطقة جيسون غرينبلات دول الشرق الأوسط، الأسبوع الماضي، لفحص واستكشاف عدد من الأفكار المتعلقة بالخطة التي قال كوشنر إنها “ستكون جاهزة في وقت قريب”. وانتقد بشدة الرئيس الفلسطيني محمود عباس ولمح إلى هدنة محتملة وطويلة بين حماس وإسرائيل.

ويعتقد غولدينبرغ أن تقديم الخطة في هذا الوقت سيكون خطأً فادحاً. ويجب على البيت الأبيض تأجيل الإعلان عنها والتركيز على تحقيق الإستقرار في غزة. فمن المستحيل التوسط في نزاع أو الإعلان عن خطة في وقت يرفض فيه طرف التحادث معك. فلم يلتق القادة الفلسطينيون المسؤولين الأمريكيين منذ إعلان الرئيس ترامب عن نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس قبل ستة أشهر. ومهما كانت الخطة وتفاصيلها فهي مرفوضة من الفلسطينيين. وقد تترك آثاراً سلبية طويلة الأمد تتمظهر عبر مسارين.

الأقل سوءا

فالمسار الأقل سوءاً هو أن تقوم الولايات المتحدة باقتراح خطة سلام تتناسب مع الفهم الدولي للوضع والسياسة الأمريكية السابقة. وبناء عليه فستكون مناطق للدولة الفلسطينية في المستقبل على معظم الضفة الغربية وقطاع غزة وتبادل أراض لضم المستوطنين اليهود إلى إسرائيل وعاصمة لفلسطين في القدس الشرقية وتعويض دولي للاجئين دون حق العودة، مع السماح لعدد رمزي منهم بالعودة إلى إسرائيل وللبقية حق العودة إلى الدولة الفلسطينية الجديدة أو البقاء حيث يقيمون او التوطين في دولة ثالثة. وبالمقابل تحصل إسرائيل على تطمينات دولية بعدم سيطرة حماس على الضفة الغربية. وفي ضوء الوضع الحالي فمن العبث التقدم بهذه الخطة التي قامت عليها مبادئ كلينتون عام 2001 وجربها جون كيري في عهد باراك أوباما. وسترفضها القيادة الفلسطينية نظراً لعدم ثقتها بترامب وكذا الحكومة اليمينية في إسرائيل.

وعليه فالسيناريو الأكثر احتمالاً هو التقدم بخطة متحيزة بشكل كبير لإسرائيل. وقد تشمل بقاء الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية ولأجيال والسيطرة على نسبة 60% من أراضيها وخلق الظروف لدولة فلسطينية في غزة. وقد يجد رئيس الوزراء الإسرائيلي الخطة جذابة وتمنحه في الوقت نفسه مرونة للتفاوض. وهذا المدخل خطير لعدد من الأسباب، أولها سيحرج يسار الوسط الإسرائيلي الذي سيتعامل مع خطة ترامب بأنها غير واقعية لكنه لن يكون قادراً على الوقوف أمامها لأنها في صالح إسرائيل. وسيظهر محدد جديد في إسرائيل للحل لا يقبله الفلسطينيون أبداً مما يدفع الطرفين للابتعاد عن بعضهما البعض أكثر. وفي حالة رفض الفلسطينيين أياً من الخطط فستتذرع إسرائيل بالقول إنه “لا شريك فلسطيني” للحديث معه وتبدأ والحالة هذه عمليات ضم مستوطنات الضفة الغربية والتي يدعو اليها اليوم علناً عدد من قادة اليمين الإسرائيلي بشكل يقضي تماماً على فكرة حل الدولتين. ولن تحصل الحركة الاستيطانية في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية وإدارة ترامب التي تميل بقوة لصالح إسرائيل على فرصة أفضل من الوقت الحالي.

حرف المعادلة

ويبدو أن إدارة ترامب تعول كثيرا على دور الدول العربية، خاصة السعودية لإجبار الفلسطيينيين على القبول بالحل. والموقف قائم على نظرية أن الدول العربية لم تعد مهتمة بالقضية الفلسطينية قدر خوفها من إيران. صحيح أن السعوديين المهتمين بإيران ربما استعدوا لحرف المعادلة الإسرائيلية – الفلسطينية لكنهم واجهوا مشاكل عندما حاولوا فعل هذا. ويشير إلى محاولة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وبطلب من كوشنر الضغط على عباس عندما دعاه في الخريف الماضي للرياض. لكن عباس حسب التقارير رفض الخطة. وعندما تسربت للإعلام أثارت ردة فعل عكسية أجبرت السعودية لاحقاً على تسمية القمة العربية التي عقدت في السعودية بقمة القدس لتأكيد أهمية القضية.

وأكثر من كل هذا فقد استثمرت إدارة ترامب كثيراً في السعوديين أكثر من أي طرف عربي. فالمصريون والأردنيون هم أكثر ارتباطاً بالقضية الفلسطينية خلال ربع القرن الماضي ولديهم نفوذ على عباس نظراً لسيطرتهم على الحدود مع غزة والضفة الغربية. ولن يعبروا عن مرونة لأن أي خطة تؤثر على مصالحهم القومية خاصة الأردن التي تعتبر نسبة الأردنيين من أصل فلسطيني ما بين 50-70%. وأبعد من هذا فلا يمكن للدول العربية عمل أكثر مما عملته في السنين الماضية، فالدول العربية دائما تقول نعم لكل ما يطلبه الرئيس الأمريكي أو وزير خارجيته لخطط التسوية لكن قادتها لا يتبعون القول بالفعل إما من خلال حوافز إيجابية للفلسطينيين أو ممارسة الضغط السياسي عليهم. وفي الحد الأدنى فإن الدول العربية لا تعتبر القضية الفلسطينية أولوية ولا تحب التعامل مع عباس، ولهذا فهي لا تقدم حوافز كبيرة او تقوم بالضغط على عباس بشكل تعرضها لمخاطر داخلية خاصة إن كانت الخطة الأمريكية فاشلة منذ البداية.

وضع غزة

وبدلاً من التركيز على خطة سلام طويلة الأمد لا حظ لها من النجاح فيجب أن تركز على الوضع العاجل في قطاع غزة الذي لا يحصل فيه السكان إلا على أربع ساعات طاقة كهربائية وتعتبر نسبة 90% من المياه ملوثة وغير صالحة للشرب والوضع خطير بحيث يؤذن بحرب جديدة بين إسرائيل وحماس. وهناك نقطة لصالح إدارة ترامب وهي انها ركزت على الموضوع حيث عقدت في مارس/آذار اجتماعاً في واشنطن لبحث الأزمة الإنسانية في القطاع وتدفع دول الخليج للإستثمار في مشاريع بسيناء تنفع اقتصاد القطاع. ونظراً للشائعات التي ترددت عن فصل خطة التسوية ما بين الضفة والقطاع وإقامة دولة فلسطينية عليه فقد تردد معظم اللاعبين من أصحاب الرهانات عن المشاركة في الحل. فقد رفضت السلطة الوطنية الخطة واعتبرتها مقدمة لفصل غزة عن الضفة وإقامة اقتصاد مستقل فيها ولن يقبل المصريون بالخطة حيث يخشون من تبعية القطاع الإقتصادية لهم بشكل يجعله مشكلة مصرية لا إسرائيلية.

ويدعو غولدينبرغ إدارة ترامب لتبني خطوات عاجلة بدلاً من ذلك منها الإفراج عن 300 مليون دولار كمساعدة امريكية لوكالة أونروا. وقد قادت مبعوثة ترامب في الأمم المتحدة نيكي هايلي هذه الجهود انتقاماً للتصويت في المنظمة الدولية بشأن نقل السفارة الأمريكية. ولا ينفي الكاتب أن المعارضة للأونروا خاصة في إسرائيل وأمريكا عميق لأنها تؤيد عقلية اللجوء لدى الفلسطينيين. ولكن الجواب ليس قطع نسبة كبيرة من المساعدات عن منظمة تقدم الدعم الضروري في القطاع وبدون أن يكون هناك بديل شرعي وعملي. والحقيقة هي أنها (الأونروا) هي الخيار الوحيد هناك فهي تعلم 250 ألف طالب في المدارس الذين قد يبحثون بدونها عن مدارس أخرى تديرها حماس. وتقدم معظم الدعم الإنساني الذي يصل إلى غزة. كما أنها اللاعب الوحيد خلافًا لمناطق اللجوء الفلسطيني الأخرى.

خطة ملادينوف

ويجب أن تدعم الإدارة مبادرة يعمل عليها الدبلوماسي البلغاري، نيكولاي ملادينوف، منسق الأمم المتحدة الخاص للشرق الأوسط، والتي تحاول تجاوز الاعتماد على السلطة الوطنية أو حماس لنقل المساعدات إلى غزة والاستثمار في الكهرباء والمياه. وتتجاوز الخطة الخلاف الفلسطيني الداخلي الذي كان سبباً في حجز السلطة المساعدات عن غزة في محاولة للضغط على حماس إلا ان الخطة لن تنجح بدون استعداد وتعاون مصري وإسرائيلي يسمح بدخول المساعدات الدولية للقطاع وهي بحاجة لدعم مالي من الدول المانحة خاصة دول الخليج.

ويمكن أن تضغط الولايات المتحدة على الدول هذه لدعم خطة مالدينوف الذي يثق به الجميع. وفي النهاية فحل الدولتين هو الخيار الوحيد الذي سيسمح بتعايش بأمن وسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. كما أن سياسة فلسطينية تدمج غزة والضفة الغربية تحت قيادة واحدة هي الحل الوحيد المقبول فلسطينياً. وهما هدفان يستحقان المحاولة إلا ان الوضع الحالي يقتضي من الإدارة الأمريكية التحرك نحو بناء استقرار في غزة قبل ملاحقة هذين الهدفين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية