بعد كتابه «دور الإعلام العربي الإلكتروني في التصدي لقضايا الأمة» الصادر عن دار الكلمة للنشر والتوزيع في طبعة أولى (القاهرة/ مصر 2013)، يواصل الباحث والإعلامي المغربي عبد الحكيم أحمين، بتفان وأناة، مشروعه البحثي في قضايا الإعلام الجديد وآثاره المتفاقمة على الأجيال الجديدة، وما يمكن أن يحدثه هذا الوسيط الرقمي الجديد من هزات وخلخلات على مستوى القيم والهوية، وأنماط عيش الشعوب، والعلاقات الملتبسة بين الجغرافيات الثقافية، ومفردات التواصل البشريّ، معتمدا مقاربة بحثية جديدة متشبعة في إطار نظري ومنهجي متين، وعدة بحثية متنوعة تستقي البيانات من مظانها الأصل، وتنظر إلى المادة البحثية في شموليتها وتداخلها مع عدد من القضايا المجتمعية المتعالقة، بدون تفريط في الاحتراز من احتمال متواصل لدخول بعض العوامل المشوشة.
ويعالج أحمين في كتابه الجديد «الهويات الافتراضية في المجتمعات العربية: أي دور لمواقع التواصل الاجتماعي في تشكيل الهوية؟» الصادر عن دار الأمان (الرباط/ المغرب 2017) أزمة الهوية في ظل الهيمنة الإعلامية للوسائط التكنولوجية الجديدة، خاصة منها ما يتجسد عبر مواقع التواصل الاجتماعي المتنوعة، باعتبارها علامة العصر، والسوق التداولي الجديد الذي يجمع الهويات واللغات والجنسيات، في فضاء افتراضي شاسع يقرّب الجغرافيات، ويجعل التفاعل ممكنا من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، ومن أبعد نقطة في القطب الشمالي إلى أبعد نقطة جغرافيا في القطب الجنوبي؛ في سابقة لم تعرفها الإنسانية من قبل.
وقد تطلب العمل من الباحث بذل مجهودات جبارة؛ إن على مستوى ضبط الجهازين المفهومي أو النظري، أو على مستوى حصر المادة العلمية، والإحاطة بأدوات البحث وعدته من البيانات والمعلومات المهمة؛ أو على مستوى تحليل تلك البيانات واستخلاص النتائج المرجوة بهدف استثمارها في تحديد علاقتنا الملتبسة بوسائط التفاعل الجماهيري، والوعي بانعكاساتها على هويتنا؛ وعلى ممارساتنا اليومية؛ وتموقعنا في الزمان والمكان.
ونظرا لإيمانه المطلق بأهمية العمل التشاوري والجماعي؛ فقد وسع الباحث أحمين من دائرة المستجوبين على نطاق واسع عربيا، واستند إلى آراء وخبرة باحثين مميزين في مجال تخصصه؛ خاصة في ما يتعلق بالمصادقة على الأدوات المنهجية، وتعديل بعض العناصر فيها وتجويدها. فضلا عن كونه أسس تصوره على قاعدة بحثية متنوعة تعضد قوة مادته المرجعية والمصدرية، وتسهم في جعله يهتدي لخريطة الإضافة المرجوة من بحثه.
ضبط منهجي:
يشتغل عبد الحكيم أحمين في مجال صعب جدا، وجديد في الساحة؛ لذلك فهو يسعى أولا لخط مساره بصبر وتؤدة وتبصر لتكون له البصمة الخاصة في تخصص اختاره عن اقتناع وميول؛ مهنيا وبحثيا؛ وهو مجال الاتصال والإعلام وأثره البالغ على الفرد والمجموعات، ورسم خرائط جديدة للفكر والميول والرغبات الإنسانية؛ خاصة أن الوسائط الجديدة مغرية وتشتغل في الغياب؛ محركة أجندتها في اللاوعي الخفي لمرتاديها، وتزداد الخطورة مع انسيابية الوسيط الجديد الذي تطور ويتطور بسرعة كبيرة يصعب التحكم فيها، خاصة بالنسبة للمجتمعات العربية الإسلامية التي تلج هذا العالم بدون حصانة معرفية؛ أو وعي بعواقب الاستخدام الحر المطلق بالنسبة للأجيال الجديدة. الشيء الذي يجعلها شعوبا استهلاكية لا غير. وثانيا فهو مضطر للعودة للمراجع الأجنبية التي حققت السبق في مثل هذه المواضيع، لضبط العدة المنهجية، ووضع أساس نظري متين ومتماسك يؤسس عليه رؤيته وأهدافه القريبة والبعيدة؛ وهو ثالثا؛ يروم نقل التجربة الواعية إلى الممارسة العربية الإسلامية، ليصبح الإقبال على الوسائط والمواقع والتكنولوجيا المعلوماتية مقترنا بالخبرة المسبقة والوعي العارف بالمستجدات والآثار، والمحدد للغايات والمرامي المرجوة، وهو رابعا؛ يجعل من مشروعه البحثي أفقا للتفكير الجماعي في هويتنا المشتركة التي تتخللها التباسات عميقة على مستوى التحديد والفهم والضبط، تشوش بدون شك على علاقتنا بذواتنا وبمؤسساتنا وبحكامنا، وممثلينا وبأوطاننا وبخصوصياتنا المجتمعية، وبالآخر الذي نشترك معه المجال، وبعض العناصر، ومع الطبيعة المجالية والكونية والثقافية التي تؤطر وجودنا وتضمن لنا البقاء.
ومن هنا تكمن أهمية الموضوع الذي اختاره؛ وسلّط عليه الضوء، وجعل منه بؤرة مقلقة لمن اشترك معهم في المحاورة والتفاعل والقراءة والتلقي؛ لذلك يمكن القول إنه بحث سيظل متواصل الأسئلة حتى بعد طبعه ونشره وتداوله؛ لأنه موضوع مركب؛ له علاقة بالتمثيل المجتمعي؛ ولا سبيل للقبض عليه من قبل الفرد الواحد مهما امتلك من أدوات المعرفة العلمية؛ والتمكن المنهجي؛ وعليه فقد استند عبد الحكيم إلى عدة منهجية تستقي مادتها من الميدان الفعلي، والمجال الحيوي لنشاط المفاهيم والممارسات التي لها علاقة بالموضوع المختار؛ وتشرك الفئات المجتمعية المتفاعلة في بناء المعرفة؛ كل حسب إمكانياتها وخبراتها، من خلال تعبئة استمارات محددة بشكل علمي؛ فضلا عن شبكات ملاحظة، وارتياد متواصل للمواقع المحددة، بهدف اكتشاف طبيعة الأفكار المترددة فيها، والتعمق في رصد المادة العلمية الشبيهة التي سبق إنجازها في موضوعات متقاربة؛ في إطار عينات أخرى ومجتمعات دراسة مختلفة وبأدوات منهجية قد تختلف كثيرا أو قليلا، لكنها تبقى منورة للموضوع ومعززة لطموحه العلمي والمعرفي. حرص الباحث كذلك، على توفر عنصر الملاءمة والانسجام بين مفاصل البحث؛ من جهة، والشق النظري الذي أرسى المفاهيم وحدد الإجراءات والأسس والخلفيات؛ والشق التطبيقي الميداني الذي استقى البيانات وصنفها وحلّلها وعلق عليها؛ مستخلصا أحكاما ونتائج تلائم المنطلقات، والعدة المنهجية.
خبرة معرفية وذكاء تحليلي:
كما سبقت الإشارة إلى ذلك، فالباحث له خبرة في المجال، فهو صحافي متمرس في تطبيقات مواقع الإنترنت، ومتصفح بارع، وعارف بخبايا تكنولوجيا المعلوميات، لذلك فهو لم يأت للموضوع من جغرافيا غريبة، بل له إسهامات في الحقل الإعلامي؛ ومهتم منذ عقد ونصف العقد بالتغييرات السريعة التي تطرأ على المجتمعات العربية الإسلامية، بفعل تطور وسائل الاتصال، والشبكة العنكبوتية، وهيمنة الصورة والتقنية؛ والانتشار الواسع لتطبيقات مواقع التواصل الاجتماعي التي اكتسحت كل شيء، وباتت المعلومات سريعة الانتشار، بين أرجاء المعمور، حتى تلك الجغرافيات التي كانت مجهولة من قبل، حيث نشر عددا من المقالات ذات الصلة بموضوع الهوية والشباب، والآثار الكبيرة للوسائط على الأجيال الجديدة، التي باتت مهددة بفقدان هويتها أمام التدفق غير المحصن للأفكار والخلفيات الغريبة، التي تمر بدون رقابة إلى جيل متعطش ومنساق لنداءات الموضة الغربية بدون أدنى تحفظ.
تعامل الباحث أحمين بذكاء مع مادته الكبيرة، وخلاصاتها المتباينة، خاصة على مستوى مهارات التحليل والتركيب والتصنيف المتراكبة التي ما كان للبحث أن يستقيم عوده؛ بدونها، على اعتبار أن البيانات تعطي انطباعات عامة وعفوية في كثير من الأحيان، لذلك وجب قراءتها قراءة استبطانية تستنطق المضامين الخفية، وما يكمن وراء السطور، وهنا تلعب الخبرة بالموضوع، أهمية خاصة، ويبقى لثقافة الباحث المرجعية دورها في تحليل المضامين، ومقارنة الخلاصات؛ وتأويل المعطى، خاصة تلك المستقاة من مراجع أجنبية أنكلوساكسونية بالأساس؛ التي حققت تراكما كبيرا في المجال، وساعد تمكن الباحث من اللغة الإنكليزية في الإحاطة بمادة وفيرة تبرزها الإحالات المرجعية التي تعج بها الهوامش والحواشي.
سلك الباحث، في تحصيل نتائجه؛ عددا من المراحل؛ انطلقت بجمع المادة، من لدن العينة المستهدفة، وتنظمها وتبويبها وتصنيفها؛ ثم قراءتها وتحليلها تحليلا يتلاءم مع الإطار النظري والمفهومي للبحث، حرصا على انسجام الأطروحة وتناغم مفاصلها. وقد نجح أحمين إلى حد كبير في السيطرة على مادته، وتشييدها في استحضار لكل الأبعاد المحيطة بالسياق البحثي وأدواته المنهجية؛ وخلفياته المفهومية والمعرفية.
مساهمة قيمة:
لن يتجادل اثنان في كون مثل هذه البحوث ذات قيمة مضاعفة في مجتمعاتنا العربية الإسلامية، لكونها من جهة تموقعنا في سياق العصر وإشكالاته الكبرى، وكذلك تنبهنا لذواتنا المتصدعة بفعل التصادمات غير المتوازنة التي تفاجئنا في كون متسارع التحول، على الأقل بالدعوة إلى ما يجب أن نتصرف إليه لننقذ ما يمكن إنقاذه، ولنكون في وضع يسمح لنا برؤية مكانتنا ومآلنا، إن لم نكن قادرين على أن نكون فاعلين ومساهمين في الحركية الدؤوبة التي؛ على ما يبدو؛ تتجاوزنا بعقود من الزمن. ويمكن أن نجمل القضايا التي أخذها البحث على عاتقه مسؤولية معالجتها في:
– السعي إلى التعريف بالهوية من خلال تحديد مفاهيمها، مقوماتها وعناصرها، مع إبراز طبيعتها من حيث الثبات والتحول؛ والمركزية والهامشية.
– التعرف على أهم الهويات التي يتم الترويج لها على أرض الواقع وفي الفضاء الافتراضي الإلكتروني.
– رصد انعكاس وسائل التواصل الاجتماعي على الجيل الجديد، مع محاولة ضبط أبرز الظواهر التي ساهمت هذه الوسائل في إفرازها على هوية هذا الجيل.
– تحديد الفئات الأكثر اهتماما بقضية هوية المجتمعات العربية والإسلامية، واللغات التي تستعملها هذه الفئات في وسائل التواصل الاجتماعي.
– بيان طبيعة الأدوار الإعلامية التي تقوم بها مواقع التواصل الاجتماعي على مستوى تشكيل هذه الهوية.
– كشف المواد والمضامين الأكثر توظيفا في ما يتعلق بتكوين الهوية وتشكيلها على مستوى هذه المواقع؛ مع رصد طبيعتها من حيث القوة والضعف.
وتبرز أهمية هذا البحث من خلال عدد من المؤشرات، أولها التزايد المطرد لعدد مستخدمي الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي في العالم عامة، والمجتمعات العربية والإسلامية خاصة، في ظل الانتشار الكبير للأجهزة الإلكترونية التي تتصل بالإنترنت كالهاتف المحمول وغيره. وثانيها؛ انخراط الفئات الشابة والصغيرة في عالم الإنترنت وما توفره من معلومات ومعارف وثقافة لا يساهم المستخدمون العرب في إنتاجها، بل تستهلكها فقط، وبالتالي تستهلك الخلفيات المضمرة لتلك المعارف والثقافة من رؤية للحياة وأيديولوجيات وروح دينية وأهداف ومصالح خاصة وغيرها. وثالثها؛ التطور المتسارع للتقنيات التواصلية التي توفر أشكالا جديدة للتواصل الإلكتروني وتوسّع دائرة وعدد المستخدمين لمواقع التواصل الاجتماعي، بدون أن يواكب ذلك التسارع والتوسع دراسات تتعرف على طبيعة المواد التي يتم ترويجها بين هؤلاء المستخدمين وأثرها في هوياتهم الشخصية وما يرتبط بها من هويات دينية وسياسية وغيرها.
– تشظي العالم العربي والإسلامي؛ ودخوله مرحلة عصيبة بفعل تنامي الصراعات والتناحرات الفكرية والدينية والعرقية والإيديولوجية والطائفية؛ وما ينجم عن ذلك من إمكانيات تأجج الوضع واشتعال المنطقة. ويطمح البحث إلى أن تتكاثر أعداد الدراسات المندرجة ضمن حقل العلوم الإنسانية على تناول مسألة الهوية من خلال زوايا نظر متعددة، ومناهج بحث متعددة، مما سيضمن تعددا للمقاربات، ويسلط نظرة شمولية حول هاته المسألة عبر التوصيف العلمي الدقيق لهذه الظاهرة الإنسانية، لتجسير الصلات الإبستمولوجية الإيجابية بين الهوات الممكنة التي تزداد عمقا، وسد الثغرات الفكرية؛ وسوء الأفهام التي يمكنها مع مرور الوقت أن تشكل عوائق ومشكلات تواصلية ومعرفية على هذا المستوى.
وقد أقر البحث أنه بقدر ما نلفي تعددا على مستوى التعريفات في أطراف كل هوية، وبقدر ما نجد تداخلا بين بعض هذه الهويات في عناصر معينة، ونصادف ضبابية في طبيعة اشتغال هذه الهويات على أرض الواقع وفي فضاء الإنترنت، حيث تفاقم التمزق وبتنا في أيامنا أمام انتشار الهويات الصغرى على حساب الهويات الكبرى، كما تنامى النقاش حول مصطلح «هوية كونية» لم تكتمل بعد خصائصها ولا عناصرها، ولم تتوضح طبيعتها النهائية لكونها إفرازا لبيئة رقمية تتطور باستمرار، فضلا عن كون المتصفحين العرب، خاصة المتعلمين أو المثقفين، يتداخل لديهم الثابت بالمتحول، والانفتاح بالخصوصية أو الذاتية، والثقافة الحديثة بالتراث الحضاري، واللغة العربية باللغات الأجنبية، ما يجعل إمكانية الفهم متعسرة. أما الأجيال الجديدة فإن وضعها المستقبلي يظل غامضا؛ ويتراءى في شكل أسوأ من سابقه.
وبررت الدارسة هذا التناسل المتزايد للهويات في كون الهوية الوطنية تستند إلى ظلال الرموز الوطنية، وهو أمر يسمح للهويات الصغرى بأن تشتغل من جديد؛ مقدمة نفسها على أنها هي من تحدّد معنى الوطن ومصلحة الوطن. ويكفي أن يعمق النظر في حال بعض البلدان العربية، كالعراق ولبنان وسوريا واليمن وليبيا، يقف على حجم تلك الأزمة التي تعيشها الهوية الوطنية، وهي الحال التي تتهدد باقي المجتمعات العربية والإسلامية، إن لم يتم تدارك الأمر.
وبالنظر البانورامي لجغرافيا العالم العربي، ترى الدراسة أن الهوية العربية غائبة الفعل على أرض الواقع وفي فضاء الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي معا، في الوقت الذي ما يزال رواد القومية العربية يرددون الخطابات القديمة وبوسائل تقليدية وخطط سياسية وثقافية واقتصادية غير واقعية. أما الهوية الإسلامية فتتنازعها ممارسات متعددة ومتضاربة، سلوكا وخطابا، لكن ما يشير إلى أزمتها أنها تتراوح بين الانفتاح على ثقافة الإصلاح والانكفاء على ثقافة التراث، والانفتاح على الثقافة الكونية وعدم القدرة على تسويق الخصوصية الذاتية.
* كاتب من المغرب
إبراهيم الحجري