يروى أنه كان لأبي القاسم الطنبوري حذاء قديم كلما انقطع منه موضع قام بترقيعه بجلد أو قماش حتى امتلأ حذاؤه بالرقع واشتهر بين الناس. يشكل الحذاء مصدرا للمتاعب والشؤم والبؤس لأبي القاسم، حتى بعد محاولاته الحثيثة للتخلص منه.
بعد أن يفقره الحذاء ويدمر حياته، يتوجه أبو القاسم للقاضي ليعلن براءته من الحذاء، ومما يمكن أن يتسبب به. (كتاب» ثمرات الأوراق في المحاضرات» لتقي الدين بن حجة الحموي في حاشية كتاب «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي)..
إنّ ازدهار الأمم وألمعيتها، يبقى حقيقة قوية اللحمة بأوجه الثقافة على ثرائها وتنوعها وانعتاقها من القيود التي قد تضيّق الخناق على حرية الفكر والتعبير، على نحو يجرّ إلى ما يمكن تسميته باللوثة الإبداعية، أو الزّيف الذي سرعان ما يتنكر له التاريخ ويهمله. هذه الأوجه ومدى انتعاشها تبعا لدرجات تطوّر عقل الكائن ونضج شخصيته في انتسابه إلى حقبة معينة، لها خصوصياتها وينبوع اعتباراتها الذي تسكب منه في مخزون تجارب جيل يمثّلها، ممّا يقود مباشرة إلى جدلية الثقافة وأفق تجاذب الموضة والتقليد، كغريمين أزليين يخلعان على الذات نزوعها المحموم، صوب معطيات التفوق البشري، ومحاجة الراهن، اتكالا على منظومة ما ينسج من جهة، ملامح التنافر بين عاطفة مفتية بنوبات الحنين والعودة إلى ماضوية جاهزة، غالبا ما تؤخذ على مثالبها وأخطائها، وإن لم تك لتخلو من إيجابيات بالطبع، ومن جهة أخرى، منطق ركوب موجة التمدّن والقطيعة كليا مع الذاكرة والموروث.
إنها ازدواجية تغذيها الروح المغتربة في ألفية الجنون، قلّما تفرز هوامش من الربح الرمزي، جمالية أو معلوماتية تكتب لأصحابها الخلود، وهي بلورة إلى قيميّ ومكتسب من الأهمية بمكان، أو ملكية إنسانية والجة في التراث اللامادي، إذ يحيل على بصمة خارقة مؤثرة في الوعي والتاريخ.
وعموما، نجد الممارسة الإبداعية لا تنسلخ عن أحد أبعادها الثلاثة المتّفق عليها: الكلمة، اللون، النوتة، في إطار ما يُستلهم منه مجموع أو جملة العناصر الثقافية، كمركّب راسم لهوية النوع البشري، في انجذابه إلى كواليس المتطلبات الحياتية الاعتيادية، والأخرى الموازية التي يعكسها الغبن الذاتي أو الكبت القابع في ثنايا الكينونة، وقفا على فلسفة فرض الحضور وتفجير الطاقات والتّنفيس عن الماهية.
ضمن هذه الورقة سوف نقف على نماذج نخال أنها سارت في الحياتين، وفق التيار الذي يمنح لعبورنا الإنساني معنى وإضافة، وهوية وجودية تعتقد باشتراكية الملكية الرمزية أو اللامادية، نجرد أسماءهم تباعا على سبيل المثال لا الحصر:
1ـ ناجي سليم حسين العلي
لعل أول ما يتبادر إلى الأذهان لمجرد ذكر هذا الاسم النموذجي (1937/1987)، شخصية «حنظلة» على اتساع ما تولّده من رؤى تختزلها روح الصمود والمقاومة والنضال، باعتماد الفنّ الكاريكاتيري وسيلة ناجعة وطيّعة في الأنامل المنتصرة لقضية العروبة الأولى بحيث عكست رسوماته ثورة الفنّ، مذ تم الزج به في سجون الاحتلال الصهيوني، ولحظات سلبه حريته التي هي شرط أساس للإبداع في أريحية وانتعاش مخيال، لم يمنعه ذلك من تسويد جدران الزنزانات التي أدخل إلى ظلمتها جورا، شأن العديد من أبناء جيله البواسل، الذين ذادوا عن أرض فلسطين المغتصبة بالغالي والنفيس، ومازالوا، كونهم أبدا لم ولن يخونوا قضيتهم، أو يقبلوا المساومات الخسيسة الرامية إلى نشر ثقافة الاستقلال المنقوص والمشروط.
بالتالي، نجد الشهيد ناجي العلي، وقد جسّد أبرز الأصوات وأقواها على الإطلاق، إلى جانب الشاعر محمود درويش وزعماء روحيين وسياسيين آخرين، من طينة الشيخ أحمد ياسين، تصدوا للعربدة الصهيونية وما يغلّفها من سموم النعرات التهويدية والاستيطانية، ككيان غاشم تمّ فرضه بالحديد والنار والترسانة العسكرية المتطورة، بمباركة أمريكية حاقدة، ما فاقم ـ استراتيجيا ـ المزيد من المجازر وحروب الإبادة واسترخاص الدم العربي، عبر اغتيال مستقبل الجنس المقدس، بالاستهداف الصهيوني الجبان المقصود لأطفال عاصمة الأرض المباركة، السليبة فلسطين.
لم يقف ناجي العلي مكتوف اليدين، مُلجم الفم، بل حارب على جبهتين، ضدّ العدو المباشر، وأيضا الأطياف السياسية الفلسطينية التي تشاطر البعض من الأنظمة العربية، مسبةّ ومعرّة اسمها التطبيع كواقع مخز فوّت الشيء الكثير، على الشعب الفلسطيني الحر الأبي والأعزل إلاّ من إرادة فولاذية تمتّع بها شهداؤه وأبطاله الشجعان. انشطار ذيله اغتيال هذا الفنان الأسطوري في ظروف جد غامضة، مفرّقا دمه على خريطة من الملابسات، لم يجلُ نور الحقيقة طلاسمها، لحد الآن. دم زكي تفرّق بين العدو المحتل والإخوة الذئاب، سدنة العجز وأنصاف الحلول والتبعية والتطبيع.
ولناجي العلي شخصيات أخرى، جميعها سخّرت للقضية، فركبت هذه الأخيرة عليها، لا العكس مما هو حاصل مع أشباه الوطنيين، والخونة والدجالين والمتاجرين بدماء تراب فلسطين. المرأة فاطمة الثائرة على الدوام في رسومات هذا الفنان العبقري، وكيف أنها تترجم إلى أبعد الحدود، رؤى الفنّ المكشوفة، في مناهضة المستعمر وعمق الإخلاص للقضية والحقّ المشروع.
2 ـ فيديريكو غارسيا لوركا
«وعرفت أنني قتلت
وبحثوا عن جثتي في المقاهي والمدافن والكنائس
فتحوا البراميل والخزائن
سرقوا ثلاث جثثٍ
ونزعوا أسنانها الذهبية
ولكنهم لم يجدوني قط».
كأنما اختار هذا الشاعر الشهيد ميتته، زركش بالقصيدة المأتم آخر أيام نحسه، وتمّت مؤاخذته بجريرة والده. بعد أن وهب حياته للإبداع في فنون مختلفة، وإن كانت متجاورة، الموسيقى، المسرح، الرسم. وهو المتشبع بتفاصيل الحرب الأهلية الإسبانية، حدّ الثمالة، ما عساه يحشره بمعية ناجي العلي وغيرهما من الخالدين؟ في معمعة النضال الواحد الأوحد المشترك، تقريبا، على نحو ينم عن هوية إنسانية «مُعوْلَمة»، إذا جاز لنا التعبير. إنها لذة الإبداع في انتمائه لشجرة الإنسانية العابرة فروعا وقطوفا، لقارات الأعراق والألوان والأديان.
على طريقته مات بشرف، تمّ اغتياله دونما خدش حتى، عنفوان القصيدة فيه، القصيدة المزدانة بنرجسية الغجري المتصادية مواويله مع روح الإنسانية الهشة حيثما حلّت الذات وارتحلت، وأقام أو هبّت فيه رياح المنفى، الكائن الرافض للظلم والاستبداد والاستعباد.
3- سنمّار
حسب ما تفيده كتب السير، عاشت هذه الشخصية الأسطورية، في عهد الملك النعمان، أي ما يعرف بإمارة الحيرة المنتسب إليها جيل ما بعد انهيار سدّ مأرب العظيم، جيل ذو أصل يمني. نزولا عند رغبة النعمان، استطاع المهندس سنمار أن يبني قصرا ضخما للتباهي والأدوار الاستعراضية إزاء الفرس. وقد استغرق بناء ذلك العمران، من الوقت ما يربو على العشرين سنة، حسب رواة التاريخ العربي، بيد أن سنمار اغترّ إلى أبعد الحدود بعبقريته ونبوغه، بحيث تعمّد رهن مصير تلك المعلمة الخارقة بلبنة أو طوبة، لو زالت لانهار القصر بالكامل، ولم يكتف بذلك، بل أفشى إلى ملكه السّر المرّ، هذا الأخير الذي من خشية أن يطّلع على السر شخص ثالث ربما يقدم على هدم «الخورنق» كمعلمة تاريخية وإضافة نوعية عجائبية إلى منشآت دولة العراق التراثية ومآثرها الثمينة، لم يتردد بقتل مهندسه الأسطوري، ولم يراع له معروفا، وهكذا بات مضربا للمثل، من يومها والعرب تقول: «جزاء سنمّار».
وصلب ما يهمنا ههنا، نقاط التقاء خيوط هذه الرواية مع ما يمكنه إماطة القناع عن تلكم التجليات، التي من شأنها أن ترشد عقل التأويل إلى نواة الإنساني، الدال على قيمة الانتماء والولاء ثقافيا كأغوى وأغرب ما يكون الفعل الإبداعي، منتصرا للقضية المقدسة السامية التي ترعى التوجه الملائكي في أسئلة وجودنا لتبارك وتمجّد المشترك.
4 ـ أبو القاسم الطنبوري
من لا يملك فكرة عن هذه الشخصية الأسطورية؟ خاصة الجانب المتعلّق بمداس أبو القاسم الطنبوري. سيرة حذاء، عبرها تدغدغ الذاكرة الشعبية بجملة مشاهد يلوّنها الغرائبي. الحذاء المترهّل والمثقل بالرّقع كيف يغدو استفزازيا إلى هذا الحد، ينمّ عن بخل رجل متبغدد، نسبة إلى بغداد عاصمة الثقافة العربية بامتياز، ومدينة العجائب والمتناقضات والأضداد، على مرّ العصور.
رجل يمرّ بالعديد من المواقف التي يحرج فيها مداسه، كأبلغ وأينع ما تكون الطريفة المنقوعة في رحيق الفانتازيا العربية، كضرب من سخرية ومحاسبة دمثة تطبع فصول التعاطي مع إكراهات الراهن وضغوطاته، وتغدق بمقاربات يدشنها الجنون العاقل، على أسلوبية ومقاسات هؤلاء العابرين بجروح في الهوية والذات.
وعموما، نلفي أنها حتّى في مثل هذه الحالات المرضية التي تعاود فيها هذه الشخصيات الظهور، وهي تحاول أن تحاصرنا ببرزخية جنون العبقرية والنبوغ، مقدّمة منظومة وأيقونة تشهد لمثل هؤلاء بالفردانية وعدم التكرر، ما يشدّ إلى مغامرة تثوير المخزون الشعبي وتوجيهه صوب حيّز الاستقطابات المشبعة بأبجديات إنسانية متماهية مع حلقات المفقود، تقبع رافلة في عذريتها كأنّما تحرس بعين الأبد ،هذا المعنى الزئبقي الذي قد نعلل به حضورنا، والذي ما ننفك ننشده في أعماقنا ونسميه هوية إنسانية مشتركة بصلاحية غير منتهية ورمزية طاغية ووجود ضمني مغر بمزيد من شيطنة التنقيب والتجاوز.
وإذن… طوبى لهؤلاء بموتهم الآخر، كمعادل للولادة الثانية مثلما تُستلهم من سجلات الخلود، ملامحهم، وعلى إيقاع هوية لامّة، تقفز فوق مضايق الأعراق والألوان والألسن والمعتقد، لتحقّق انتهاء، انتماءها الثقافي إلى فراديس القضايا الإنسانية الأكثر تركيبية وقداسة وقلقا.
٭ كاتب مغربي
أحمد الشيخاوي