من الصعب ألا نتذكر القول القاطع لألبرت آينشتاين عن الكون والغباء الانساني، في ضوء المحاولات لإثارة النقاش عن بناء ميناء لغزة. ما يجعل هذه المبادرات الخطيرة مقلقة هو هوية العاملين عليه ـ ضباط الجيش الإسرائيلي في الماضي وفي الحاضر بل ووزراء في الحكومة.
في الماضي تركزت هذه الفكرة الخرقاء على بناء جزيرة اصطناعية (يمكن قطعها عند المواجهة) في البحر، على مسافة نحو 3 كيلو متر عن شواطيء غزة، يكلف بناؤها المليارات ويستغرق سنوات.
وحسب هذه الرؤيا، ستقام منشآت للتحلية، محطات توليد للطاقة، بل ومطار ـ وكأن هذه المشاريع لم تقم على اليابسة داخل القطاع، فقط بسبب غياب الجزيرة الاصطناعية، وكأن احتمالات نجاحها ستكون أعلى، إذا ما أُقيمت على مسافة كيلو مترات عن الشاطيء وليس على الشاطيء نفسه.
مؤخراً، ظهرت رواية أكثر غرابة، على ما يبدو بإقرار من وزير الدفاع ليبرمان، جرى فيها الحديث عن جزيرة أخرى، بعيدة على نحو بارز عن غزة ـ قبرص.
وحسب هذه الفكرة الالمعية الجديدة، ستعمل إسرائيل على أن تبني من اجل أعدائها الألداء رصيفا في قبرص «يتضمن آلية رقابة إسرائيلية، كي لا تستغل حماس الثغرة كي تهرب مواد قتالية ووسائل إرهاب».
(1) كيف ستراقب إسرائيل استخدام المواد «ثنائية الاستخدام»، مثل الاسمدة (التي تستخدم ايضا لانتاج المواد المتفجرة)، المعادن (لاستخدام الصواريخ) والاسمنت (لانفاق الإرهاب)؟ اليوم أيضا ـ برقابة إسرائيلية ـ نحو 90 في المئة من الاسمنت الذي يتم إدخاله تصادره حماس لأغراضها «غير المدنية»، فكيف لن تتفاقم المشكلة إذا كان سيكون لهم ميناء خاص بهم؟
يجدر بالذكر بأن الفلسطينيين وسعوا جداً مفهوم «ثنائي الاستخدام»، والذي يضم اليوم الطائرات الورقية، البالونات، المسامير، الوقود، سكاكين المطبخ ومقدمات السيارات ـ التي تحول لتصبح آلات سحق، تدمير الاملاك والاصابة للارواح.
(2) في صيغة الجزيرة القابلة للقطع ـ ماذا سيكون مصير فريق الرقابة الإسرائيلي (او الدولي)، المعزول على تلك الارض الاصطناعية المحوطة بالبحر، في حالة تعرضه للاعتداء من جموع غزية؟ وفي صيغة قبرص ـ كيف سيمنع رفع عتاد حربي إلى سفينة في قلب البح، من دون مرافقة ملاصقة من «الاحتلال الصهيوني» على طول الابحار من قبرص إلى غزة؟ كيف لن يعتبر هذا «استمراراً للاحتلال»؟
(3) أي سبب كاف لوقف عمل أو قطع الميناء؟ إذا كان هذا هو القرار الحصري لإسرائيل، فكيف يقلل هذا من سيطرتها على الغزيين؟
ما يثير القلق الاكبر هي التبريرات لمثل هذا التأييد: الميناء المقترح سيؤدي إلى التخفيف من الضائقة الاقتصادية في القطاع وتهدئة العنف تجاهنا، هو سيكون مقابل جثتي مقاتلي الجيش الإسرائيلي وتحرير المواطنين الإسرائيليين المحتجزين لدى حماس.
النقطة الاولى هي إقرار للرواية الفلسطينية الكاذبة بأن الإرهاب هو نتيجة «الاحتلال»، وبالتالي فإن الذنب فيه ملقى على إسرائيل. أما الحقيقة فهي النقيض التام! فالعداء العربي تجاه إسرائيل هو المسبب للضائقة وليس نتيجتها.
لو كانوا في غزة راغبين في تحسين وضعهم، فإن كل ما كان يتعين عليهم أن يفعلوه هو الكف عن محاولة قتل اليهود والسماح بالمبادرات والابداعات الإسرائيلية للعمل على ازدهار غزة.
النقطة الثانية هي تشجيع واضح على استمرار الابتزاز. فإذا كان احتجاز الجثامين والاسرى المدنيين الضالين يساوي لمنظمات الإرهاب ميناء (!)، فلماذا لا يرون في ذلك دعوة واضحة لاستمرار خط العمل هذا؟ ولا يزالون يقولون ان ليبرمان «يتحدث العربية».
العبث الاكبر هو حقيقة أن لغزة يوجد ميناء منذ الان! وهذا يسمّى «ميناء أسدود» الاقرب إلى غزة من معظم مدن إسرائيل. في وقت السلام والهدوء، يمكن لأسدود أن يلبي احتياجات غزة، وفي أوقات المواجهة والحرب، فهل يرغب أحد ما في أن يكون لهم ميناء؟
إسرائيل اليوم 28/6/2018