‘في السنوات الاخيرة أصبح الجدال بين مؤيدي الدولة الواحدة ومؤيدي الدولتين فرع الرياضة المحبب لدى النخبة السياسية ـ الثقافية. فقبل بضعة اسابيع نشر البروفيسور ايان لوستينغ، يهودي امريكي وصهيوني سابق مقالا في ‘نيويورك تايمز’ يدعي بان حل الدولة الواحدة بقي الوحيد ذو القابلية للتنفيذ فاشعل موجة جديدة من ردود الفعل والفعل المضاد. في اسرائيل الادعاء بان ‘لا بديل عن حل الدولتين’ اصبح كليشيه وخط مواصفات للمركز السياسي في اسرائيل، اما في الاكاديمية والنخبة اليمينية فالدولة الواحدة هي المنتصرة. ‘ولكن الجدال نفسه سخيف، تماما مثل التحذيرات من ‘موت’ حل الدولتين. من، باستثناء كل أنواع الديماغوجيين، بقادر على أن يرسم بجدية خطا قبل الاخلاء ممكن وبعده غير قابل للتنفيذ؟ في نهاية المطاف كل شيء هو مسألة قوة سياسية وتصميم قرار. ثمة سيناريوهات وزعماء بالنسبة لهم ازاحة بيت واحد في ميغرون ليس ممكنا، وتوجد أوضاع في التاريخ يكون فيها حتى اخلاء مئات الالاف وأكثر مثل الفرار الفرنسي من الجزائر ليس غير مسبوق. التحذيرات من ‘موت حل الدولتين’ هي نوع من العدمية السياسية، وسيلة يائسة من اليسار لخلق احساس بالفزع وتجنيد المقترعين: فهذا الموت موجود دوما حقا خلف الزاوية، ونحن لا نصل اليه ابدا. اذا لم نصل الى ‘موت الدولتين’ حتى الان، حين تكون السلطة الفلسطينية منقسمة الى اثنتين ويوجد نصف مليون اسرائيلي خلف الخط الاخضر، فيبدو اننا لن نصل اليه ابدا. كما أن الجدال سخيف لان احدا لم يكلف نفسه عناء الشرح ما الذي يقصده من ‘الدولتين’ او ‘الدولة الواحدة’. فحل الدولتين لنتنياهو يختلف تماما عن صيغة جنيف، وبالتأكيد يختلف عن تطلعات السلطة الفلسطينية. والدولة الواحدة أحد لا يكلف نفسه عناء رسمها بجدية. اليمين الاسرائيلي يتخيل دولة يهودية مع قدر اكبر بقليل من العرب، اما الفلسطينيون فيتخيلون دولة عربية مع اقلية يهودية، وفي الوسط يوجد مثقفون يبقون على قدر كاف من الانقطاع عن الميدان. ‘باختصار، يمكنني ان اتخيل نفسي اؤيد الدولتين في صيغة معينة واعارضها في صيغة اخرى. وكما اسلفنا بشأن الدولة الواحدة. في النقاش العام يلزمونك بان تتخذ موقفا دون أن يكون شيء يسنده. ولكن السبب الحقيقي لعبثية هذا النقاش هو أننا بتنا عميقا داخل ‘حل’ الدولة الواحدة. بين البحر والنهر توجد فقط سيادة واحدة اسرائيلية وان كنا نحيل بعض الصلاحيات الى السلطة. اسرائيل تحمي الحدود، تجبي الضرائب، تحتفظ بالجيش الوحيد وتدير العملة المحلية على طول وعرض البلاد. تحت هذا النظام يوجد لليهود، في كل مكان في البلاد، كامل الحقوق، بينما العرب يتوزعون على كل انواع المكانات حسب مكانهم في منظومة معقدة’ ترتبط بمكانتهم المدنية ومكانهم الجغرافي. يوجد مواطنون يكاد يتمتعون بكل الحقوق، يوجد سكان شرقي القدس الذين لا يمكنهم ان يقترعوا، يوجد عرب في المناطق هم تحت حكم عسكري، يوجد من هم تحت حكم عسكري وحكم ذاتي، وكذا دواليك. ولكن رغم التفريقات، ليس لاي من الفلسطينيين لحظة من شك من هو الحاكم الحقيقي على الارض. وهذا بالتأكيد تعريف الدولة الواحدة. باستثناء ان هذه الدولة ليست ديمقراطية، او انها ديمقراطية لليهود فقط. هذه هي الحقيقة الاساس التي يرغب الجميع في ان يكبتها، باستثناء أقلية يمينية على الاقل مستقيمة بما يكفي كي تقول انها تعتقد أن اليهود يستحقون حقوقا اكثر. هذا هو السبب الذي لا يكف فيه اليسار الصهيوني الثرثرة عن اليوم الذي تكف فيه اسرائيل عن أن تكون ديمقراطية، ولكنه لن يذكر ابدا موعدا ان يقول متى يحل هذا اليوم. وهم بالتأكيد لن يعترف باننا اجتزناه منذ زمن بعيد، وان كل الحلول على أنواعها تستهدف اعادتنا الى الديمقراطية وليس العكس. فلمثل هذا الاعتراف سيكون أثر جدي جدا على الاعمال المرغوب والواجب اخذها من أجل تغيير الوضع. وهذا أحد ليس مستعدا له بعد.’