الحماسة التي تسيطر على المحللين والمواطنين في إسرائيل إزاء المظاهرات الصاخبة التي جرت هذا الأسبوع في إيران تولد الانطباع وربما الأمل بأن النظام في إيران سينهار، وأنه قريباً جداً سيتم استبدال نظام آيات الله بديمقراطية غربية كاسحة، وأن الاتفاق النووي سيلغى وأن إيران ستخرج قواتها من سوريا وستوقع على اتفاق سلام مع «الشيطان الأصغر». ولكن حسب التعليقات في الشبكات الاجتماعية التي ما زالت تعمل في إيران يبدو أن الحلم الإسرائيلي ـ الأمريكي ما زال بعيداً عن التحقق.
المظاهرات هذا الاسبوع ليست الأكبر التي جرت في هذه السنة في إيران. فقد سبقتها مظاهرات قاسية وقاتلة في مدن كثيرة في كانون الثاني/يناير. في الاشهر الاخيرة كانت هناك اضرابات حيث اضرب العمال إضراب جلوس أمام المكاتب الحكومية، وهكذا ليس هناك ما يدعو لأن نرى في المشهد الاخير الذي فيه أغلق تجار البازار الكبير حوانيتهم والمتظاهرون صرخوا «الموت للطاغية» و«الموت لخامنئي وروحاني» (مثلما صرخوا قبل نصف سنة)، إشارة من السماء بأنه ليس فقط البازار بل إيران جميعها ستغلق.
ومثلما أن المظاهرات والاضرابات في إيران لم تولد في الاسبوع الاخير، فإن الأزمة الاقتصادية ايضاً هي وليدة تاريخ طويل من الرشاوى والادارة الفاشلة وصراع قوة سياسي وبالطبع عقوبات شديدة فرضت على إيران خلال أربعة عقود. البيانات الجافة محزنة ومهددة: سعر الدولار في هذا الاسبوع قفز إلى اكثر من 90 ألف ريال، بعد أن قفز من 40 ألفاً إلى 70 ألفاً وأضاف 10 آلاف ريال أخرى في يوم واحد.
نسبة البطالة الرسمية هي 12 في المئة، وتصدير النفط انخفض بنحو نصف مليون برميل في اليوم ويمكن أن ينخفض كلما تعمق تأثير العقوبات الأمريكية. الاتحاد الاوروبي الذي أجرى معه وزير الخارجية محمد ظريف محادثات مكثفة يكتفي في هذه الاثناء بالتصريحات ولا يفعل أي شيء من أجل تنفيذ تعهده بالالتزام بالاتفاق النووي. الدين الوطني آخذ في الزيادة. شركات أجنبية تسحب نشاطاتها من إيران، والقوة الشرائية للمواطنين تنخفض مع زيادة التضخم المالي.
ولكن إيران ليست دولة فقيرة. احتياطي العملة الخارجية لها يقدر بأكثر من 140 مليار دولار، صندوق التطوير القومي الذي يضخ اليه 5 في المئة من مداخيل النفط لديه عقارات بقيمة اكثر من 50 مليار دولار. اضافة إلى ذلك فإن الصين وروسيا تعهدتا بمواصلة حجم التجارة مع إيران، حيث أن بكين، مستوردة النفط الكبرى، ستزيد حجم مشترياتها، وحتى أنها ستستثمر في تطوير حقول نفط جديدة. أيضاً تركيا لن تطبق حتى الآن العقوبات التي فرضتها الادارة الأمريكية، ومخططات التخفيض في نفقات الدولة من شأنها أن تساعد أيضاً في الحفاظ على أنبوب الاوكسجين لإيران.
لكن الازمة الاقتصادية لا يمكن قياسها فقط حسب معطيات الاقتصاد الكلي. إيران غارقة في أزمة ثقة وأزمة إحباط. أزمة الثقة تنبع من أن الرئيس روحاني لم ينجح في تنفيذ معظم وعوده: ليس التي تتعلق بإيجاد أماكن عمل جديدة أو خطة الاصلاحات الاقتصادية أو وعوده لتحسين وضع حقوق المواطن في الدولة. وحتى قبل انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي فقد ارتفع منحنى عدم الثقة عندما قررت الحكومة إلغاء جزء من الدعم الحكومي واستبعاد ملايين الاشخاص من أبناء الطبقات الفقيرة الذين كانوا يحصلون على مخصصات شهرية. عدم الثقة زاد أيضاً بسبب غرق النظام في الحروب في سوريا واليمن بدل تحويل الاموال لصالح المواطنين.
وتضاف إلى ذلك أزمة الاحباط، التي تنبع من أن الاتفاق النووي لم يحدث الثورة الاقتصادية التي تعهد بها. المواطنون الإيرانيون كانوا مستعدين لتلقي حقيقة أن الاصلاح الاقتصادي يحتاج إلى وقت بصبر، لكن على الاقل الافق الاقتصادي يبدو كقابل للتحقق وملموس اكثر مما كان دائما. إن افتتاح ممثليات لشركات أجنبية وشراء طائرات «بوينغ» و«إير باص» أعطت إشارات على فتح السماء وتطوير قطاع السياحة. الشراكة مع شركة السيارات «بيجو» و«ستروين» ـ منجم الثراء الذي تتمتع به وكالات السيارات، التخطيط لميناء جديد يربط إيران بالصين والهند، والرفوف المليئة بالبضائع المستوردة، ولد الشعور بأن الاتفاق النووي يعطي ثماره.
الاحباط الذي تسبب بالمظاهرات في كانون الثاني/يناير نبع أساساً من أن وتيرة التطوير والاصلاح الاقتصادي كانت بطيئة جداً وليست شاملة بما يكفي لاشباع جوع المواطنين ورجال الاعمال. ولكن قرار ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي وتوقعات الكارثة قطعت المهرجان دفعة واحدة. النظام حظر استيراد أكثر من 1400 سلعة بذريعة أنه يوجد لها بديل في إيران، وتم الطلب من المواطنين عدم شراء الدولارات وخفض سفرهم إلى الخارج، وتم اعتقال صرافين بتهمة رفع سعر الدولار، أسعار السيارات ارتفعت بعشرات النسب المئوية. وذعر الحفاظ على قيمة الاموال دفع المواطنين إلى شراء المزيد من الدولارات والذهب، ومن استطاع عقارات، الامر الذي رفع أسعار الشقق.
التأثير الفوري للخوف على سعر الدولار هز أسس الخطة الاقتصادية للحكومة، والتوحيد بين سعر الدولار الرسمي وسعره في السوق السوداء وتثبيته بـ 42 ألف ريال للدولار. من أجل مواجهة الازمة استلت الحكومة اختراعاً مشكوكاً في نجاعته ويعارض السياسة الرسمية. والذي يقضي بأن يتم إنشاء سوق للعملة الصعبة موازية يكون فيها ثلاثة أسعار للدولار: الاول هو 40 ألف ريال تقريبا، والثاني 60 ألف ريال تقريبا والثالث السوق السوداء. وليس واضحا كيف ستعمل السوق الموازية وهل ستنجح في تهدئة الذعر للدولارات.
المتحدثون بلسان النظام في إيران يعزون الازمة لاسباب نفسية وليس لامراض اقتصادية حقيقية. الهدف الآن هو تهدئة سعر الريال. كجزء من هذه الجهود سيعلن الرئيس أيضاً عن تعديلات في أعضاء حكومته، كما يفعل ذلك ملك الاردن عبد الله والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في كل مرة تنشأ أزمة اقتصادية. ولكن خلافا للاردن ومصر فإن ادارة اقتصاد إيران لا توجد بصورة حصرية في أيدي الرئيس. فأمامه يعمل «مجلس اقتصاد المقاومة» الذي أقامه الزعيم الاعلى علي خامنئي من أجل مواجهة أضرار العقوبات الأمريكية. توزيع السلطات بين الحكومة والمجلس غامض، لكنه يضع خامنئي عميقا داخل الازمة. لذلك فإن كل ادعاء للجمهور ضد الوضع الاقتصادي هو أيضاً ضد خامنئي.
تكمن هنا أيضاً المعضلة الصعبة التي يغرق فيها خامنئي والتي تحتاج منه تحديد سلّم أولويات. تدخل إيران في سوريا واليمن هو في نظره ليس فقط موضوع أمن قومي لا يجب التنازل عنه، بل أيضاً موضوع مكانة، بالاساس على خلفية الصراع الشديد الذي يديره مع السعودية. هذه الحروب تنهب مليارات الدولارات من الميزانية الإيرانية، لكن قرار الانسحاب منها من شأنه وضع خامنئي في جبهة أمام حرس الثورة الإيراني الذي يسيطر على أكثر من نصف اقتصاد إيران. تهديد مشابه سيقف أمامه إذا قلص ميزانية حرس الثورة، الذي ارتفع بـ 44 في المئة في ميزانية هذه السنة مقابل السنة السابقة.
تقليص نفقات الحكومة سيخرج إلى سوق البطالة مئات آلاف الموظفين، والطموح إلى جباية 55 مليار دولار من الضرائب سيختفي. تقليص أعمق للدعم من شأنه أن يثير تمرداً عنيفاً. الرئيس روحاني يأمل أن الأزمة الحالية ستهز القيادة العليا وتدفعها للسماح له بتنفيذ الاصلاحات المطلوبة. ولكنه لا يستطيع أن يكون على ثقة من أن خامنئي لن يقوم بإقالته من أجل أن يلقي عليه وعلى حكومته المسؤولية عن الازمة. تأكيد على ذلك يمكن إيجاده في تقارير عن جلسة مغلقة عقدت في الاسبوع الماضي في البرلمان بمشاركة ستة وزراء وأعضاء من البرلمان، الذين توسلت حفنة منهم للرئيس روحاني من أجل الاستقالة أو إقالة وزير الاقتصاد في حكومته ومستشاره للشؤون الاقتصادية.
في هذه الحالة من شأن جهات راديكالية أن تقدم بديلاً من صفوفها، وهناك من يتحدثون عن قاسم سليماني قائد قوة القدس في حرس الثورة كرئيس قادم. هكذا عندما يتحدثون في الغرب عن احتمال إسقاط النظام فإنهم في إيران يتحدثون عن تغيير القيادة، بالذات من أجل حماية النظام.
تسفي برئيل
هآرتس 28/6/2018