جاء قرار المملكة العربية السعودية بعدم قبول العضوية غير الدائمة في مجلس الأمن، اعتبارا من اليوم الأول لسنة 2014 ولغاية 31 كانون الأول/ديسمبر 2015 مفاجئا للجميع، خاصة أن السعودية قبلت ترشيح المجموعة الآسيوية لها، وتم التصويت عليه يوم الخميس 17 تشرين الأول/أكتوبر داخل الجمعية العامة بغالبية 176 صوتا من أصل 193، ورحب بذلك الممثل الدائم للسعودية لدى الأمم المتحدة السفير عبد الله المعلمي، الذي كان قد صرح لجريدة ‘الحياة’ اللندنية يوم الأربعاء 16 تشرين الأول /أكتوبر قائلا:’المملكة تدخل مجلس الأمن وهي في حال توافق كامل مع الأمم المتحدة. نحن عضو مؤسس وملتزمون بميثاقها، دعمنا كل أنشطتها على مدى العقود السبعة الماضية، وما زلنا ندعمها بكل ما نستطيع مادياً ومعنوياً وبشرياً’. إذن ما الذي جرى ولماذا هذا الموقف الغريب؟ وهل حقيقة أن السعودية منزعجة جدا بسبب ازدواجية المعايير داخل المجلس، التي اكتشفتها مؤخرا بينما اكتشفها العالم منذ إنشاء المنظمة الدولية ومنح الدول الخمس، حلفاء الحرب العالمية الثانية، لأنفسهم المقعد الدائم وحق استخدام الفيتو.
بيان وزارة الخارجية صباح الجمعة أعلن عدم قبول العضوية وبرر ذلك بثلاث حجج: فشل المجلس في حل القضية الفلسطينية، وفشل المجلس في حماية الشعب السوري من المجازر التي يتعرض لها على أيدي النظام، وفشل المجلس في إعلان منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل. هذه الأسباب مجتمعة لم تقنع أحدا هنا في الأوساط الدبلوماسية والصحافية ومراكز البحوث لأنها ببساطة ليست جديدة، وراح الجميع يفتش عن أسباب أخرى لهذه الصرخة المدوية من نظام تعود أن يعتمد الأسلوب الهادئ، وأن يعمل في الظل ويعتمد نفسه إزدواجية المعايير في ما يقوله للخارج وما يطبقه في الداخل.
العضوية غير الدائمة وتنافس الدول عليها
هذه سابقة لم تحدث في تاريح المنظمة الدولية. وعلى العكس من هذا التصرف تتسابق الدول صغيرها وكبيرها لاحتلال هذا المقعد المهم داخل المجلس، لما يمثله من موقع رفيع ومهم لتلك الدولة ويضعها في دائرة الضوء في عالم اليوم المتشابك والمترابط، خاصة في مسألتي الأمن والسلام الدوليين والقضايا المتعلقة بحل النزاعات بالطرق الدبلوماسية، أو باستخدام فصل العقوبات والإلزام والتهديد باستخدام القوة أو اللجوء إلى القوة الفعلية لتطبيق قرارات المجلس، ومنظومة العقوبات التي تفرض على المعتدي أو المتمرد، كما كان الحال في كوسوفو والكونغو والعراق وليبيريا وسيراليون وكمبوديا ونظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا والسودان وهايتي والصومال وغيرها، بل شاهدنا دولا تحاول أن تساوم الآخرين على مقعدها غير الدائم، وذلك بالاتفاقات الثنائية والعقود والزيارات لعواصم تلك الدول، ورفع وتيرة التبرعات لمنظمات الأمم المتحدة. وقد قدمت السعودية نفسها تبرعات إضافية لصندوق الأمم المتحدة للسكان قبيل انتخاب مواطنتها الفذة القديرة السيدة ثريا عبيد مديرة تنفيذية للصندوق، كما تقدم اليابان تبرعات ضخمة لإعادة انتخابها مرة وراء مرة عضوا غير دائم في المجلس.
وقد أوضحت دراسة أجراها أستاذان من جامعة هارفرد عام 2006، أن مساعدات الولايات المتحدة للدول التي تجلس في المقعد غير الدائم ترتفع بنسبة 59′ أثناء سنتي العضوية، كما تزيد نسبة مساهمات تلك الدول في ميزانيات المنظمة الدولية بنسبة 8′. وتشير الدراسة إلى أن الولايات المتحدة وعدت الدول غير دائمة العضوية بحوافز ومعونات كبرى، إذا ما صوتت معها في تأييد غزو العراق عام 2003. ومن بين تلك الدول الكاميرون وتشيلي وأنغولا وغينيا وسورية. لكن الولايات المتحدة فشلت في إقناع أو إجبار هذه الدول على تأييد مخططات الرئيس الأمريكي جورج بوش في إضفاء شرعية على احتلال العراق، وبالتالي سجل التاريخ أن احتلال العراق لم يكن شرعيا ولا قانونيا ولا أخلاقيا.
أسباب داخلية وأخرى خارجية
هناك نوعان من الدول لم تنتخب أبدا في مجلس الأمن. النوع الأول هو الدول الصغيرة جدا التي لا تستطيع تحمل مثل هذه المسؤولية وليست لديها طواقم البحث والمتابعة والتحرك والتكتل والضغط والمناورة، وليس لها أصلا قضايا أساسية تدفعها للترشح لمثل هذا الموقع مثل أندورا، توفالو، بليز، فنواتو، سانت فينسنت، دومينيكا، ماكرونيزيا، جزر المارشال وغيرها الكثير. أما النوع الثاني فلأنها إما طرف في صراع مع دول أخرى وهناك تكتلات كبيرة ضد تلك الدولة أولأسباب تتعلق ببنيتها الداخلية وانتهاكاتها الواسعة لمبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان، ويعتبر منعها نوعا من العقوبة على عدوانيتها أو عزلتها أو تصرفاتها الداخلية.
فمثلا إسرائيل لم تنتخب أبدا في المجلس بسبب مواقفها وعدوانيتها واحتقارها للقانون الدولي، وانتهاكاتها المتكررة لقرارات المجلس واتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين أثناء الصراعات المسلحة. ومن بين الدول التي حرمت في الماضي من هذه الفرصة كل من ليبيا والسودان، بعد ترشيحهما من قبل المجموعة الأفريقية، إلا أن اعتراض الولايات المتحدة على البلدين في حينها أدى إلى استبدال ليبيا بمصر (1996/1997) والسودان بموريشيوس (2001/2002). وعادت ليبيا ودخلت المجلس (2008/2009) بعد إعادة تأهيلها من الدول الغربية. كما أن دولا مثل كوريا الشمالية وزمبابوي وجورجيا وأرمينيا وقبرص لن يسمح لها بدخول المجلس بسبب الأوضاع الداخلية، أو كون البلد طرفا في صراع غير محسوم ومشاركتها في المجلس تثير حساسية عالية.
بالنسبة للسعودية نعتقد أن قرارها في التراجع عن المقعد بعد انتخابها أولا من قبل المجموعة الجغرافية الآسيوية، وثانيا بعد التصويت عليها داخل الجمعية العامة جاء نتيجة تفاعل العاملين الخارجي مع الداخلي.
بالنسبة للعامل الخارجي فقد تعرضت السعودية مؤخرا لمطبات كبرى في سياستها الخارجية، التي كانت تراهن على الموقف الأمريكي في حسم الصراع داخل سورية لصالح المعارضة، وذلك عن طريق استخدام القوة ضد نظام بشار الأسد، فقد تراجعت إدارة أوباما عن هذا التوجه بعد التوصل لاتفاق مع روسيا يؤدي في النهاية إلى تدمير ترسانة سورية من الأسلحة والمعدات ومختبرات المزج ووسائل إطلاق الأسلحة الكيميائية. كما تعرضت سياستها الخارجية لكبوة أكبر حجما عندما أعيد تأهيل النظام الإيراني بقيادة حسن روحاني، واستعداد الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي لدعوته إلى مؤتمر السلام المتعلق بسورية، وتراجع أية إمكانية لمواجهة عسكرية مع النظام و’قطع رأس الأفعى’، كما كانت تتمنى القيادة السعودية.
أما المطب الثالث فيتمثل في التراجع الميداني للمعارضة السورية المسلحة المدعومة سعوديا، وتشتت القوى المعارضة لنظام بشار الأسد لدرجة أنه بات أكثر ثقة في نفسه وأكثر ظهورا على وسائل الإعلام، بل ويبدي استعداده للترشح لرئاسة الجمهورية في الانتخابات القادمة. أما الخيبة الرابعة فتتمثل في موقف الإدارة المصرية التي أفرزها انقلاب السيسي على حكم الإخوان المسلمين المبارك والمدعوم سعوديا، حيث عارضت الحكومة المصرية أية ضربة عسكرية أمريكية ضد سورية، بل وراح رموز الحكم الجديد يقارنون ما يحصل في سورية بما يحصل في مصر، وأن كلا النظامين يخوضان معركة واحدة ضد ما يسمونه بالإرهاب. ‘ألهذا قدمت السعودية ملياراتها إذن لإسقاط حكم الإخوان ؟’ إذن كانت الخطوة في جوهرها صرخة احتجاج عالية ضد الإدارة الأمريكية وإعلانا عالي الوتيرة عن خيبتها من حليفها الأساسي طوال 80 سنة أو يزيد.
أما عن الأوضاع الداخلية فمن البديهي أن من يحتل مقعدا في مجلس الأمن سيكون موضع مراقبة وتمحيص ومتابعة دائمة حول ما يجري داخل ذلك البلد. وقد أشارت تقارير أوضاع حقوق الإنسان في السعودية، التي تناولها مجلس حقوق الإنسان وثبتتها منظمة العفو الدولية في تقرير مفصل قدم للمجلس، أن هناك انتهاكات كبرى في خمسة مجالات: حقوق المرأة وحقوق العمال الأجانب، وفي معاملة ناشطي حقوق الإنسان والمعارضة السلمية، وفي ممارسة التعذيب داخل السجون، وفي منظومة العدالة وتطبيق الأحكام والمحاكمات السريعة وتنفيذ حكم الإعدام بطريقة فظيعة في جرائم لا تستحق الإعدام، كالسرقة المسلحة مثلا أو بيع المخدرات أو جريمة الزنى. وقد وعدت المملكة أن تعمل على تحسين الأوضاع عام 2009، عندما انتخبت لمجلس حقوق الإنسان لمدة ثلاث سنوات، إلا أن الأمور ساءت كما يقول التقرير. فكيف ستجلس في أعلى سلطة دولية في العالم وبيتها من زجاج من السهل نقر الحجارة باتجاهه؟ لهذه الأسباب مجتمعة نعتقد أن السعودية آثرت عدم دخـــــول منطقة الضوء الساطع المسلط على قاعة مجلس الأمن، وآثرت أن تحافظ على أسلوبها التقليدي في العمل من خلف الكواليس وفي الظل، من دون جعجعة أو صراخ.
كنا نتمنى على السعودية أن تخوض التجربة كي تعرف قيمتها، فمن لا يشارك باللعب لا يمكن أن يسجل الأهداف. ولا نتوقع أن تترك هذه الخطوة أي أثر يذكر لا على سياسة إزدواجية المعايير التي تتبعها الدول الكبرى من خلال مجلس الأمن، ولا على تجديد آليات عمل المنظمة الدولية وإصلاحها، بعد أن فشلت الجهود الدولية لإصلاح المجلس منذ انتخاب الأمين العام الأسبق بطرس غالي عام 1992 ولغاية الآن. لكن الخطوة هذه بالتأكيد ستعطي نوعا من الراحة النفسية المؤقتة لدولة قلقة داخليا وخارجيا بسبب التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة التي لن تنتظر طويلا قبل أن تكتشف أن القطار قد فاتها، إذا لم تقوم بعملية الإصلاح الداخلي الشامل والجذري والمنسجم مع العصر الذي نعيش فيه قبل الاحتجاج على عدم إصلاح المجلس الدولي غير القابل للإصلاح أصلا.
أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك