قبل حوالي الشّهر، توفيّ المترجم مارسيل بوا(1925-2018). بعد أربعة عقود قضاها في ترجمة الرّواية الجزائرية، إلى الفرنسية، وفي نقلها للضّفة الأخرى من المتوسط، وفي خدمة الأدب والكتاب. وليس هذا فقط، بل كان أيضاً مدرّساً للغة العربية، ورجل دين مُخلص، في علاقته النّقية، مع البلد الذي اختار الانتماء إليه: الجزائر. مات مارسيل وشّيّع في جنازة متواضعة، تماماً كما عاش، بعيداً عن الجدل والصّخب. وتوقّعنا أن تُصدر وزارة الثّقافة – كأضعف الإيمان – برقية تعزية، لروح فقيد خدم الأدب أكثر مما فعلت المؤسسة الرّسمية، لكن الوزارة لم تفعل.
والمفارقة أن وزير الثّقافة عز الدّين ميهوبي نفسه نشر تغريدة، على تويتر، في تأبين الرّاحل. كيف نفسّر هذا التّناقض؟ وزير ينعى المترجم، في السوشيال ميديا، في صمت، ويتمنّع عن ذلك، في العلن، كما تستوجب فعله البروتوكولات المُتعارف عليها؟ هناك من همس، في خضم هذا التّململ الرّسمي، أن تواري وزير الثّقافة، وتمنعه عن تأبين مارسيل بوا، في العلن، يرجع إلى ديانة الفقيد. فهو رجل دين مسيحي. هل هذه الفرضية صحيحة؟ هل تعازي وزارة الثّقافة تحقّ للمسلمين فقط، لا غيرهم؟
في علاقة المسيحيين ببلدهم الجزائر هناك أشياء كثيرة يمكن أن تُقال، لكننا سنركز فقط على الشقّ الثّقافي، فخسارة مترجم من طينة مارسيل بوا، تستدعي – على الأقلّ – أن تقف الوزارة للترحّم عليه، فبغض النّظر عن أصله أو معتقده فقد كرّس حياته في خدمة الأدب الجزائري. من سيترجم الأدب الجزائري للفرنسية من بعده؟ ويُصالح بين طائفتين متنافرتين من قراء البلد ذاته؟ من المفارقة، قبل أسبوعين من وفاة مارسيل بوا، وبتاريخ 16 أيار/مايو، انطلقت مهرجانات وحفلات وسهرات وأمسيّات، في مختلف مدن البلاد، احتفاءً بما أطلق عليه «اليوم العالمي للعيش معاً في سلام»، وهو احتفال جديد، أقرّته الأمم المتحدة، نهاية العام الماضي، بمقترح تقدّمته به الجزائر. قبل أربع سنوات، بدأت «الزّاوية العلوية»(من مدينة مستغانم، غرب الجزائر) مساعيها، لتمرير هذا المقترح، مستندة في ذلك على ورقتين اثنتين: دور الزّوايا الصّوفية، في شمال افريقيا، في تدعيم السّلم، وقانون المصالحة الوطنية، الذي دعا إليه الرّئيس بوتفليقة، وصوّت عليه المنتخبون عام 2004، لوقف سنوات الدمّ والموت. أخيراً وافقت الجمعية العمومية للأمم المتحدة على المقترح. وجاء في القرار الأممي رقم 72/130 ما يلي: «فكرة العيش معاً في سلام تتلخّص في تقبّل الاختلافات وامتلاك القدرة على الاستماع إلى الآخر والاعتراف به واحترامه وتقديره، إلى جانب العيش في سلام واتّحاد». هكذا تعرّف الأمم المتحدة خلفيات اليوم العالمي للعيش معاً في سلام، الذي دعت إليه الجزائر.
وفي يوم 16 أيار/مايو الماضي، انطلقت احتفالات شاملة، في البلد كلّه، لتكريس «هذا الانتصار الدّبلوماسي» كما عبّر عنه البعض، لكن بشكل لا يتّسق مع القرار الأممي 72/130، حيث دارت الفعاليات حول شخص رئيس الجمهورية، أكثر مما لامست جوهر العيش في سلام، وأطلقت وزارة الثّقافة، بقيادة الوزير، فيديو كليب، يفتقد للحسّ الفنّي، تظهر فيه صورة الرّئيس، بشكل غير مبرّر، ونسي المحتفلون الرّسميون، في نشوة فرحهم ﺑ»رجل السّلم» أن يستوعبوا أنّ العيش في سلام هو مفهوم زئبقي في البلد، يظهر فقط في المناسبات الرّسمية، ويغيب في اللحظات الأكثر حرجاً.
فالتّضييق على الأقليّات الجنسية، في الجزائر، ما يزال متواصلاً، شرطة الأخلاق ترفع من حالات التّأهب، في كلّ مرّة، ومحاكم التّفتيش الدّينية لم تتوقف عن التّوسّع، ولاحظنا في رمضان الفارط ما تعرّض له غير الصّائمين، دون أن ننسى ما تتعرّض له المرأة، في الجزائر، من تعنيف، وتوظيف فجّ لجسدها، كأرض للخصومات السّياسية، بالإضافة إلى ما يتعرّض له المدوّنون وأصحاب الرّأي من محاكمات، وحملات تشهير والإساءة إليهم. كيف للجزائر أن تدعو ليوم عالمي للعيش في سلام بينما هي تسير عكس هذا الخيار؟ وتوظّفه فقط في التّرويج لرئيس الجمهورية، الذي بدأ – باكراً – حملة الدّفاع عن كرسيه، والخطو في مواصلة الحكم تحت مظلّة عهدة رئاسية خامسة! ألا يستوجب العيش في سلام تداولاً على السّلطة؟
يواصل قرار الأمم المتحدّة في تعريفه لليوم العالمي للعيش معاً في سلام: «هو احترام وتفهّم التّنوع الدّيني والثّقافي». هذه الفقرة بالذّات تتناقض مع شكل الاحتفالات، التي عمّت الجزائر، فاحترام التّنوع الدّيني لم يعد من الأولويات (أمكنة عبادة بروتستانتية أغلقت هذا العام)، ولا حتّى احترام التّنوع الثّقافي وحريّة الرأي، فوزير الثّقافة نفسه، الذي تبنّى فيديو كليب بالمناسبة، أصدر قراراً، قبل شهر، يقضي بغلق قاعة سينما، بسبب عرضها فيلماً شاركت فيه الممثلة الكندية باميلا أندريسون، بحجّة أنّها ممثلة «إباحية». مع العلم أن الفيلم لا يتضمن أي مشهد مخلّ بالحياء. هكذا يكون وزير الثّقافة قد خالف توصيات يوم العيش في سلام، وفرض رقابة مبتذلة على حريّة المشاهد.
يبدو أن الجزائر التي تبنّت الإقرار ﺑ «اليوم العالمي للعيش معاً في سلام»، لم تستوعب التّوصيّات الأممية، وقولبت الاحتفالية بما يتوافق مع السّياسة العامّة، في الاحتفاء بشخص الرّئيس، بصفته رجل السّلم الأوحد، لا شريك له. فمن الغرائب أن ينتظم حفل كبير، في أوبرا الجزائر، يتضمن «لنعش معاً في سلام.. تكريماً لرئيس الجمهورية». هكذا يبدو أن اليوم العالمي المذكور صار يوماً لشخص واحد بعينه.
مع ذلك، ستكون البلاد، في الأسابيع المقبلة، في مواجهة امتحان آخر، للتّأكيد على حسن نواياها، في «العيش في سلام»، بمناسبة زيارة بابا الفاتيكان فرنسيس، بغرض «تطويب» رهبان تيبحيرين، وهم سبعة رهبان، راحوا ضحية الجماعات الإرهابية المسلّحة، عام 1996، في بلدة تيبحيرين (حوالي 80 كلم جنوب الجزائر العاصمة)، ومعهم أحد عشر رجل دين مسيحي آخر، جرفتهم سنوات القتل في تسعينيات القرن الماضي. هذه الاحتفالية كان يفترض أن تُقام في كاتدرائية وهران، الخريف المقبل، مع زيارة مرتقبة للبابا إلى الجزائر، ثم تأجّلت. دون تقديم أسباب واضحة. اغتيال رهبان تيبحيرين غدراً، كانت واحدة من أكثر اللحظات المؤلمة، في عشرية الدّم، في الجزائر، وتداعياتها ما تزال متواصلة، فقبل ثماني سنوات، حين صدر فيلم «آلهة وبشر» للفرنسي كزافيي بوفوا(الذي يستعيد الأيام الأخيرة من حياة هؤلاء الرّهبان)، والحاصل على جائزة لجنة التّحكيم في مهرجان كان، تعذّر عرضه في الجزائر، وفشلت الشّركة الموزّعة في الحصول على ترخيص، كما إن قانون المصالحة الوطنية، الذي يستند إليه الإعلان الأممي لليوم العالمي للعيش معاً في سلام، يدعو لتجاوز تلك الحقبة، وتناسيها، وزيارة البابا المرتقبة، ستكون باباً يُفتح على أسئلة مؤجّلة عما حصل. فهل ستتحمّل السّلطة النّظر إلى الماضي، وتتقبّل مفهوم «العيش في سلام» على حقيقته؟ يبدو الوقت مبكراً للوصول إلى هذه القناعة، والرّاهن لا يُبشّر بتغيير محتمل، لا سيما حين يؤبن وزير في الحكومة رجل الدّين المسيحي والمترجم مارسيل بوا في السرّ، خلف هاتفه المحمول، ويعجز على ذلك في العلن.
٭ كاتب من الجزائر
سعيد خطيبي