إن الصراعات والحروب التي جرت بين دولة إسرائيل والعرب، عكست في نهاية التحليل والمطاف صراعا بين مؤسسة الدولة الإسرائيلية وأنظمة حكم عربية. فمنذ عام 1947، تاريخ إنشاء الدولة الإسرائيلية والاعتراف الأممي بها، والصراعات والحروب بينها وبين العرب تتم على خلفية بناء الدولة الإسرائيلية وكيانها اليهودي، ضد أنظمة حكم عربية لا تلتئم أبدًا في كيان عربي واحد يطلق عليه الدولة العربية.
نشدد على هذه الحقيقة ونعتمدها كمقاربة لتحليل تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، فالدولة الإسرائيلية كيان سياسي لا يكف عن إضافة رصيده القانوني الوطني والدولي، لصالح رسوخ شرعيته الدائمة والثابتة، وعلى خلاف ذلك يتم التطور العربي نحو مزيد من الكيانات المختلفة والمتصارعة، وأبدا لا تلتقي في الكيان السياسي والقانوني الواحد، المعبّر عن الدولة العربية بكافة ملامحها وقسماتها الذاتية.
وعليه، كما نحاول أن نثبت من خلال هذه المقاربة، أن الصراع العربي ـ الإسرائيلي، يندرج في صراع أسطوري وهمي، لوجود كيان عِبْري واحد وكيانات عربية مختلفة تحمل صراعات داخلية، أكثر مما تحمل أو تَحْتَمل صراعات مع اسرائيل. فالكيان الواحد كان معبأ بكل الذخيرة والتراث ومقومات الدولة الحديثة، خاصة الدعم الدولي، إلى حد الاستفادة من شرط الدولة الأكثر رعاية، على ما فعلت الدول الأوروبية ومن حام في فلكها من الدول الأمريكية والآسيوية. بينما الوضع العربي اختلف اختلافا بينا في النشأة والسياق والنهاية، لأنه جاء في سياق الاعتراف بكيانات عربية مختلفة، كرست تاريخ الاختلاف والتشرذم وعدم الاتفاق السياسي، يتعارض في المطلق مع الأيديولوجية العربية والثقافة العربية الواحدة. ومن هنا يمكن قراءة تاريخ العرب الخاص على انه تاريخ للصراع العربي – العربي، أو صراع لأنظمة عربية مع شعوبها، وليس صراعا اسرائيليا عربيا، بل الخطاب الواهم للصراع العربي الإسرائيلي وظّف لتقوية الأنظمة العربية واستبدادها، مقابل تمكين الكيان الصهيوني من مؤسسات الدولة الثابتة والمستقرة التي لا تزول بزوال الحكام.
تلك هي حقيقة الصراع الواهم والأسطوري الذي ساد عقوداً من الزمن العربي الإسرائيلي الخائب. ومن هذا المدخل يجري التقييم التاريخي لوجود إسرائيل كحالة لإبقاء الكيانات العربية، في حالة من التباعد والاستقلال الضار بحاضرهم ومستقبلهم، الذي يحفظ في نهاية المطاف الدولة الإسرائيلية الواعدة لكل يهود العالم. ولعلّ الشاهد القوي على ما نذهب إليه هو أنه في اللحظة التي جرى الاعتراف بالدولة الإسرائيلية، عبر قرار التقسيم المشؤوم عام 1947، سارعت هي إلى بلورة سياسة حرمان الشعب الفلسطيني من حق وجود الدولة الفلسطينية، الكيان المرشح بأن يواجه إسرائيل بكل ما يملك من ذخيرة وتراث ومقومات. فالدولة الفلسطينية الموعودة هي التي ستستوفي شرط الكيان الواحد، الذي بإمكانه أن يحقق الانتصار على إسرائيل، ولو عبر السياسة والمدنية والفن والتراث والتاريخ. إسرائيل تخشى دائما الكيان الذي يجمع القوة الذاتية في دولة مؤسسات، ولا تقوى على أي مواجهة عسكرية، ولا على مستوى الهوية والشرعية الدولية، لأن دلائل وشواهد الحق موجودة وبينة للعالم أجمع، وتخسرها إسرائيل إذا ما تم اللجوء إلى التحكيم الدولي. والشاهد البيّن، هو تنكر السلطة الإسرائيلية لمسار ونتائج المفاوضات مع الفلسطينيين، حيث شعرت بأنه كلما اقترب الفلسطينيون من تشكيل دولتهم استشعر الإسرائيليون الخطر لعدم طاقتهم على تحمّل كيان عربي يستوفي شرط تماهي الدولة مع كافة مقومات الأمة، والأرض الفلسطينية تتكلم عربي أكثر ما تتكلم عبري، وسوف يزيد هذا الوضوح في دولة ديمقراطية، لأن الديمقراطية قوة إجرائية للتَّبَيّن والوضوح والإنصاف.
في المشهد الذي يقدمه لنا تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي الواهم، هو أن العرب لم يشنوا حروبا ضد اسرائيل، إلا حرب أكتوبر 1973، التي استجمع فيها الرئيس المصري السادات قوة ذخيرته الوطنية، وأعد العدة لشن حربه الوطنية ضد إسرائيل، ويسجل حقيقة تبطل أسطورة «إسرائيل التي لا تقهر». وكان عبوره لقناة السويس بمثابة الانتصار الذي تشفع له الشرعية الوطنية والرعاية الدولية ليتوج في نهاية المطاف باتفاقية السلام مع الكيان العبري، ويحظى بنوع من الرعاية من الدول التي ترعى اسرائيل. أما باقي الحروب فكانت المبادرة فيها دائما لإسرائيل ضمن سياستها التوسعية التي لا تريد أن تقف عند حدود معينة، لعدم وجود دستور يحدد إقليمها ولا نوع الشعب الذي يشكل قوام دولتها، ولا نوعية الصلاحيات التي تَتَحلَّى بها مؤسساتها، كل شيء معلق بالقدرة على تفتيت الجهد العربي نحو الكيان الواحد، وضد الدولة الفلسطينية المستقلة.
ومن الشواهد الأخرى التي يمكن سياقتها في موضع خوف إسرائيل من الكيان الواحد، هو تجربة حزب الله اللبناني، الذي راح يستجمع ذخيرته الكاملة، عقب اجتياح إسرائيل للبنان صيف 1982، وارتكابها لمجزرة صابرا وشاتيلا. خاض حزب الله حروبا متوالية انتهت إلى خروج منكسر وخائب لإسرائيل من جنوب لبنان، كسب على إثره حزب الله قوة ممثل جيش لبنان الشرعي، فقد اقتفى حزب الله نمط السياسة الإسرائيلية نفسه الذي يجمع بين العقيدة والأيديولوجية والدعم الخارجي من أجل تحرير الأرض. والتجربة نفسها اليوم تقودها حركة حماس، التي تستجمع قوتها الذاتية من مقاومتها للسياسة الاستيطانية والتوسعية، لتجبر إسرائيل على وقف العدوان الممنهج والمبرمج، للحيلولة دون وصول الفلسطينيين إلى دولتهم المستقلة. فقد ظهرت حركة حماس، على أعقاب الانتفاضة الكبرى التي خاضتها الجماهير الفلسطينية تسعينيات القرن الماضي، وأجبرت النظام الإسرائيلي على الجلوس إلى مفاوضات مع الفلسطينيين انتهت إلى إرساء سلطة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، لكنها لم تكلَّل بالدولة الفلسطينية المستقلة، بسبب الهاجس المتَأَصَّل في النفسية الإسرائيلية التي تخشى الكيان الواحد القادر على التعبير عن كل الذخيرة المتوفرة لديه. الأمر الذي اضطر الكيان العبري معاودة السياسة التفتيتية نفسها إزاء السلطة الفلسطينية، عبر دك إسفين الشقاق الداخلي وبلورته إلى حرب أهلية محلية بين الفلسطينيين أنفسهم، كأفضل سبيل إلى إنقاذ إسرائيل من الورطة الكبرى ككيان غير شرعي زرع في المنطقة.
اسرائيل مولود استعماري، وشرعيتها تتضاءل مع مرور ابتعادنا عن عصور الاستعمار. ومن هنا مأزقها الحقيقي، إنها تحاول دائما الإبقاء على العصر الاستعماري لتداري وتحمي بها نفسها، لكن منطق العصر وقوة الراهن هي التي تجبرها على التنازل والاعتراف بالأمر الواقع. ومن هنا استشعارها بأن الحقيقة آية إلى الكشف عن نفسها، وأنها هي الملاذ الأخير والحل النهائي بتصفية منطقة الشرق الأوسط من الاستعمار الإسرائيلي كجبهة أمامية لحرب الغرب على العرب في عصرها التكنولوجي الفائق.
كاتب وباحث جزائري
د. نورالدين ثنيو