عمان- «القدس العربي»: كل أصناف الأشباح التي كانت السلطات الأردنية تخشى منها القت بظلالها وعلى نحو سريع بعد تطورات الاحداث الدراماتيكية في الجنوب السوري خلال الاسبوع الأخـير.
المسار العملياتي والعسكري في جنوب سوريا دفع الواقع الميداني على الحدود شمالي الأردن إلى مناطق حساسة جديدة لكنها كانت متوقعة عند المخططين في المؤسسة العسكرية الأردنية ضمن أسوأ الاحتمالات والسيناريوهات بالرغم من ان الموقف لايزال غامضاً ومن ان الاتفاق حصل على إطار ثنائي في التعاطي مع تطورات الموقف الامنية والعسكرية على هامش زيارة بنيامين نتنياهو الشهيرة لعمان.
في مقاربات وزير الداخلية الاسبق الخبير في شأن الحدود الشمالية مازن القاضي الوضع خطير ويحتاج إلى قرع كل اجراس الانتباه.
التلميحات في المقابل في مربع القرار الأردني تنمو وتتزايد في الوقت الذي يترنح فيه تماماً سيناريو خفض التصعيد بعدما بدأت شظايا المدفعية الثقيلة تسقط في حدود مدينتي الرمثا والطرة الأردنيتين وبصورة تؤكد اخفاق الأردن في تنفيذ الوعد الذي اطلقه سابقا النظام السوري وبضمانات روسية تحت عنوان الحرص على عدم استخدام السلاح الثقيل .
الوضع في مدينتي الطرة والرمثا بدأ يصل إلى مستويات توتر أمني غير مسبوقة والتقارير بدأت تتحدث عن تحليق الطيران الروسي أثناء القصف في أقرب نقاط الجغرافيا مع سماء الحدود الأردنية وهي معطيات تحاول إحتوائها السلطات العسكرية الأردنية عبر تذكير غرفة العمليات التنسيقية المشتركة ببروتوكول الاشتباك الجوي الموقع بين الجانبين قبل عامين.
وفيما تنشط الدوائر الأمنية الأردنية النافذة في عمق عشائر درعا تحديداً يتجه الوضع العسكري والإنساني إلى ما وصفه مسؤول أردني أمني تحدث «للقدس العربي» إلى حافة الهاوية في الوقت الذي لا تبرز فيه مؤشرات على عملية سياسية وشيكة يمكن ان تحتوي أحداث الجنوب.
عملياً وحسب المسؤول نفسه خرج سيناريو خفض التصعيد من الخدمة ولا حوافز يمكن ان تقدم للنظام السوري لإجباره على تأجيل الاستحقاق العسكري مقابل عملية سياسية من أي نوع.
تكتيكياً وضع هذا المناخ المنفلت الأردن دبلوماسياً أمام خيارين الأول يتكثف في الحديث عن عملية سياسية متفق عليها وتضمنها موسكو لاستبدال سيناريو خفض التصعيد بسيناريو احتواء العمليات ببعدها الاجتماعي والأمني تحت عنوان تثبيت برتوكول غرفة التنسيق المتعلق بالحرص على مواجهة الإرهاب.
أما الخيار الثاني فهو الصمود حتى اللحظة الأخيرة في استراتيجية إغلاق الحدود أمام حركة نزوح عارمة بدأت تضغط وبشدة مع فجر يوم الجمعة على أعصاب المؤسسات الأردنية العميقة حيث يوجد حتى فجر الجمعة وحسب لجان الرصد الاممية ما لا يقل عن 120 ألف نازح سري متجهين نحو الحدود مع الأردن.
هذا العدد الضخم مرشح للزيادة إلى 200 ألف نازح على الأقل واستراتيجية الأردن معلنة بإغلاق الحدود تماماً ورفض استقبال أي لاجئ جديد وهو ما عبر عنه رئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز وبعده وزير الخارجية ايمن الصفدي.
الصفدي تحديداً يجتهد الان في العمل على خطة طوارئ سريعة لإيواء اللاجئين السوريين في مناطق امنة داخل حدود بلادهم ومنع تسربهم إلى الاراضي الأردنية.
ويواجه الجانب الأردني ضغطاً عنيفاً من الداخل والخارج والتحديات التي تحول دون الالتزام الحرفي بالموقف السياسي المعلن عبر إغلاق الحدود تماما لم تعد سهلة.
خبراء عديدون يشيرون إلى ان النوايا الإجرامية والانتقامية للنظام السوري وسياسة الأرض المحروقة عسكرياً عناصر قد تؤدي إلى كارثة إنسانية تطال على الأقل 400 الف مواطن سوري بعدما حصل المحظور الأردني الأخطر وهو الحسم السريع شرقي درعا وانتقال القوات النظامية السورية وسط غطاء جوي روسي إلى إخضاع غرب درعا والتي تشكل نقاط التماس المباشرة مع الحدود الأردنية.
الأكثر تعقيداً هو أن المجتمع الأردني في الشمال تحديداً يتحدث عن أقارب وصلات دم مع أهالي القرى السورية المنكوبة بالحرب والعلاقات العشائرية والاجتماعية متشابكة وتاريخية وكل القيادات الأساسية في شمال الأردن تضغط على الدولة والحكومة في عمان لفتح الحدود على القل للجرحى والنساء والأطفال.
التعقيد في هذا الجانب وصل إلى مستويات غير مسبوقة خصوصاً أن الحديث عن أهالي وعشائر منطقة نفوذ أردني تاريخي وبالتالي المجازفة بصمود سياسة إغلاق الحدود تعني في النتيجة في حال استمرار الأزمة ووقوع ضحايا إنتاج مشكلة كبيرة تهدد النفوذ الأردني القديم في وسط أهالي غرب درعا وبادية الشمال حصرياً حيث علاقات قديمة وصلات قربى وساحة مناورة للأمن الأردني طوال عقود وهي نقاط يعرفها تماماً النظام السوري.
لذلك تبدو خيارات الأردن معقدة خصوصاً وان جهات متعددة في الشارع الداخلي بدأت تضغط لفتح الحدود عبر حملتين على وسائط التواصل الأولى باسم «افتحوا الحدود» والثانية باسم «بنقسم الخبزة بالنص».
وفي الأثناء ثمة شعار تواصلي يخاطب رئيس الوزراء عمر الرزاز بصفة خاصة بعدما تمسك بإغلاق الحدود عبر عبارة يقول فيها مئات المتواصلين «يا رزاز لو أقفلنا الحدود لما وصل أبوك إلينا» مثل هذه الضغوط الاجتماعية تنتج المزيد من التعقيدات خصوصاً وان نظام دمشق لا يظهر أي رأفة او رحمة تجاه نتائج العمليات العسكرية وحظي بوضوح بغطاء روسي للحسم العسكري في الجنوب السوري بالتلازم مع غطاء إسرائيلي ايضاً لان تل ابيب غير معترضة وفي مقايسات الغرفة الأردنية لا يوجد لإسرائيل مشكلة مع النظام السوري الحالي لكن مشكلتها مع النفوذ العسكري الايراني داخل سوريا فقط.