تونس ـ «القدس العربي»: تزينت شوارع موسكو طوال الاسابيع الماضية بألوان العلم التونسي الحمراء والبيضاء عاكسة حماس الجماهير التونسية التي توافدت بأعداد كبيرة من تونس نفسها، وكذلك من مختلف انحاء اوروبا، لتشجيع القرطاجيين الذين حققوا نتائج مرضية خلال مرحلة التصفيات، وأيضا خلال المباريات الودية التي أجروها قبيل المونديال والتي جمعتهم بمنتخبات لها وزنها إقليميا ودوليا، على غرار إسبانيا والبرتغال، وحققوا معها نتائج مرضية. وجعل هذا التألق في الوديات المدرب نبيل معلول يعد التونسيين قبيل المونديال بالذهاب بعيدا وإدراك الدور ربع النهائي، متناسيا أن لديه غيابات هامة وركائز أساسية أثر غيابها بسبب الإصابات أو بسبب الخلافات على مردود نسور قرطاج.
ولعل غياب نجم المنتخب وهدافه يوسف المساكني، المكنى بـ»النمس»، نظرا لدهائه الكروي، بسبب الإصابة، أثر بشكل كبير على أداء النسور القرطاجية. كما لفت الإنتباه غياب رأس الحربة طه ياسين الخنيسي الذي أصيب أيضا قبيل المونديال وحرم من المشاركة بمعية رفاقه في روسيا. كما أن عدم دعوة هداف الدوري البلجيكي حمدي الحرباوي أثار الكثير من السخط، خصوصا في مباراة بلجيكا، حيث كان يفترض أن يزعج الحرباوي المنافس البلجيكي الذي يعرف جيدا قدرات هذا اللاعب. وبالتالي فقد سافر النسور إلى روسيا بدون رأس حربة قناص للأهداف الأمر الذي أثر سلبا على أدائهم الهجومي. أما دفاعيا فأثرت إصابة حارس نيس الفرنسي معز حسان، منذ الدقائق الأولى لمباراة انكلترا على الأداء الدفاعي للمجموعة، ناهيك عن مشاركة الظهير الأيسر علي معلول وهو مصاب، الأمر الذي جعل الخصوم يستغلون الرواق الذي يلعب فيه لبناء هجماتهم. وزادت الطين بلة إصابة الظهير الأيمن محمود برون صاحب الهدف التونسي الأول في مباراة بلجيكا، وكذا إصابة محور الدفاع صيام بن يوسف في المباراة ذاتها. ونتيجة لذلك تحولت كل الاحلام والورود الحمراء والبسمات التي اطلقها التونسيون في شوارع موسكو إلى حزن بلون الدم الأحمر والراية الوطنية الحمراء. موجة غضب عارمة واستياء سادا بعدما سقط الحلم وتكسرت اجنحة النسور في سماء أرض القياصرة امام منتخب بلجيكا بخماسية مقابل هدفين كان بالإمكان تسجيل المزيد منها لو آمن الهجوم التونسي رغم الغيابات بحظوظه… الهزيمة كانت مروعة وجاءت بعد نكسة أخرى وهي الهزيمة ضد الانكليز بعد الدقيقة تسعين في وقت كان الجميع ينتظر أن تنتهي المباراة بالتعادل.
ولعل من المفارقات أن هذا المنتخب البلجيكي نفسه وبنفس اللاعبين انهزم منذ سنوات في فئة الناشئين، أمام المنتخب التونسي في بطولة العالم للناشئين 1/4، ما يطرح التساؤل حول المتابعة للاعبين والمواهب في بلداننا بالمقارنة مع ما يحصل في الغرب، و هو ما يبرزه تطور المنتخب البلجيكي مقابل تراجع أداء التونسيين. يتساءل البعض في تونس هل خدع نبيل معلول التونسيين وباعهم الوهم؟ وما اسباب الهزيمتين؟ وهل أن الإنتصار في المباراة الأخيرة على بنما يمكن أن يحجب النقائص؟
يتفق الخبراء على ان الحظ لم يحالف المنتخب التونسي بتواجده في مجموعة صعبة مقارنة بباقي المنتخبات العربية. كما أن الحظ لم يحالف معلول بسبب كثرة الإصابات التي طالت ركائز أساسية فقد المنتخب بغيابها التوازن الذي عرف به وأهله ليحتل المرتبة الـ14 في ترتيب الفيفا متصدرا المنتخبات العربية والإفريقية. كما يفسر البعض ما حصل بهشاشة الشخصية التونسية الإنهزامية التي تخشى الكبار في الرسميات ولا تتألق أمامهم سوى في المباريات الودية. وللاشارة فان مجيء اكثر من 30 الف مشجع لحضور مباراة تونس مع انكلترا وبلجيكا يعكس مشهدا افتقده التونسيون طويلا بعد ثورتهم، وبعد حالة الاحتقان والانقسام والتصدع السياسي الواضح في المشهد السياسي. لقد مثلت لهم كرة القدم فرصة أخيرة للسلام والوئام مع انفسهم، حيث التفوا جميعهم حول علم بلادهم مرددين بصوت واحد «تونسي يا تونسي، معاك ربي والنبي».
بين لحظة واخرى تحولت كل وعود الانتصار، والاغاني المتوهجة بزهور الحلم الى لعنات وخيبة والى شتائم بالجملة على المنتخب ومدربه من عديد التونسيين المشجعين والمتابعين… فبعد اغنية «جايين يا روسيا»، تتردد اليوم في أرجاء تونس أغنية «مروحين يا روسيا». وحقيقة الحال فان انتكاسة فريق النسور تعكس حالة الهشاشة التي وصلت اليها مجتمعاتنا، فهي جزء لا يتجزأ من هزائم أخرى طالت مختلف الميادين ولم تشذ الرياضة هذه المرة عن القاعدة.
روعة قاسم