«سيدة الحواس الخمس» رواية الأردني جلال برجس:إيقاعات بوليسية تسجل انهيار الأحلام
«من شأن الأفكار الغريبة أن ترمي حجرا في المياه الراكدة».
انطلاقا من العبارة السابقة، تحضر فكرة الغاليري الذي يبنيه سراج، في مدينة عمان، وفي جبل اللويبدة تحديدا بعد عودته إليها قادما من أمريكا إثر حادثة تفجير البرجين 2001. ويبدو أنه اختار هذا البناء رغبة منه في مجابهة هذه الهندسة المعمارية الشرهة التي أصابت عمان. أما أن يتخذ الغاليري شكل امرأة «فلأن المدينة لا يمكن أن تنمو دون حرية نسائها أو دون شرفات تسقي النساء فيها الورد». وحين يتخصص كل طابق في الغاليري للتعبير عن حاسة ما، فلأن الرواية أرادت أن تطرح الأسئلة التالية: هل بإمكاننا النجاة من الخراب المحيط بنا باستخدام الحواس؟ إلى أي حد يمكن أن تكون حواسنا ضوءا في حقل مظلم نعيش فيه؟ هل بإمكاننا مواجهة وحوش الزمن الجديد بالفنون التي تعبر عن حواسنا؟
بطل الرواية الآنف الذكر سراج، من مواليد عام 1970، كان أبوه قد رسم صورة استثنائية للوطن، لكنها بدأت بالتداعي شيئا فشيئا، ففي العام الذي ولد فيه سراج أصيب الأب برصاصة حالت بينه وبين الإنجاب مرة أخرى. لنبقى في إطار سلسلة من الخيبات، يبدو أن ثلة من الرجال الذين يخونون الوطن هم أول من يتحمل مسؤوليتها، ذلك أنهم ما فتئوا يحملون الأفكار الكبرى ومن ثم يتراجعون عنها لصالح صفقات تدر عليهم الربح، يستمدون قوتهم من بشر يمكن بسهولة شراء ذممهم، ولا أدل على هذه المعادلة من بطل هذا الفساد سليمان الطالع، ولكأنه الطالع السيء الذي رافق سراج منذ الطفولة حين ضربه ابنه وهو طالب في المدرسة، وظل هذا الطالع يلاحقه حين تسبب في دخول أبيه للسجن ومن ثم وفاته، ليأتي الأسوأ بعدها حين يكون سببا في انتزاع امرأته وحبيبته منه.
وإذ يختار النص السردي صيغة المذكرات، فإنه يثبت أكثر من مرة أن نار الذاكرة لا تخبو، وأنها تختبئ فقط وتستريح ألسنتها، أما نهضتها فمجنونة. ومع هذه الصيغة تحضر أكثر من امرأة؛ الأولى زوجة سراج ريفال، التي خانته مع الرجل المتنفذ سليمان كي تصل الثانية وداد، ربة بيته التي تحبه. الثالثة كندة، وهي زوجة لصحافي انقلب على مبادئه وأصبح مستشارا إعلاميا لسليمان من أجل المال، الرابعة المغنية سوار، التي تقيم علاقات غير مشروعة انتقاما من زوجها. وأخيرا الخامسة غادة، أم أحد الأطفال الذي كان يبيع المحارم على الطرقات، والذي يشبه سراج في حب الرسم وفي كثير مما يتعلق بحواسه. الرواية إذن تضعنا أمام عالم النساء الذي يموج بالأحاسيس والعذابات الإنسانية المتنوعة التي يكون الرجل سببا فيها، كل واحدة تحكي قصتها التي تعيننا على معاينة المدينة وفقا لعبارة «إذا أردنا أن نعاين مدينة لا بد أن نعرف كيف تعيش النساء فيها».
في هذا السياق وعلى الرغم مما ذكرت سابقا، فإني لا أخفي إحساسي بقدر من نرجسية ذكورية في علاقة سراج مع كل النساء اللواتي التقى بهن، بل وانتابني شعور في لحظات معينة أنني أمام عملية كتابة جديدة لتاريخ شهريار، خصوصا حين لاح لي أنه كان يرى في وجه كل امرأة يلتقيها وجها أضاعه، لدرجة أن ملامح هؤلاء النساء كانت تختلط بملامح امرأة سراج التي خانته. «كلكن تحملن الصفات نفسها». من هنا حضرت المرأة الشهوانية، وتلك التي تجري وراء الشهرة والمال. من هنا أيضا وقفنا على خيانات تعددت أسبابها، فلدينا تلك التي تخون ردا على خيانة زوجها لها، أو تلك التي تخون لأن زوجها لم يتقبلها أن تكون فنانة وسخر منها، وأخرى لأنها غير مشبعة جنسيا، حتى كاتبة القصص التي تتحدث مع سراج عبر التشات كانت خائنة، وبالمثل فإن مديرة المنزل تخونه مع حارس القصر. من هنا يحضر الثعلب مرارا وتكرارا في الرواية رديفا لفعل المكر والخيانة غير المنفصلة عن الشخصية الميكافيللية، ومعها لا يعدم الخائن تبريرا لخيانته، كما هو منطق السياسي الذي يخون وطنه ويتنطع بحبه.
مع هذا التكرار لفعل الخيانة يصبح بإمكان القارئ تلمس حالة رمزية تحضر فيها المدينة كما الحبيبة التي يمد متنفذ يده إليها ويسرقها، وكما إن الخيانة العاطفية فساد، فكذلك الخيانة السياسية. وفي كلتيهما وجع يصيبنا حين نشعر بأياد تتسلل لتعلن فينا الانهيار «مؤلم أن تحس بأن النهر الذي كنت تعول على جريانه الأبدي ينقطع مرة واحدة». يبقى لافتا أن الرواية وإن كانت تدين فعل الخيانة، إلا أنها تفتح بابا للتسامح حين أعطتنا علامات بأن الوقوع في غرام عمان، واقع لا يمكن التخلص منه، كما وقوع سراج في غرام ريفال التي خانته. علما أن الخيانة بغض النظر عن مصدرها (المدينة أو المعشوقة) يقف وراءها رجال نهبوها يكونون أول من يغادرها حين تتعرض للخراب. ما تقوله الرواية أننا لو أعجبتنا مدن أخرى فإننا لا نقع إلا في غرام مدينة واحدة، وكذلك بالنسبة للمرأة، وفي الحالتين لا نملك إلا أن نسامح، لذلك فمهما غبنا عن الوطن، فإننا عائدون إليه رغم أشجار تحترق، على أمل أن تطفئ الجذوع شيئا من هذه النار. لكن لا ننسى ما تقوله الرواية نفسها من «أن الثعلب لو رأى وجه الصياد وهو يحمل بندقيته سيهرب».
ما يهمنا من ناحية أدبية وفنية أن الرواية إذ ترتكز على الحدث، فإنها لا تهمل اللغة الأدبية، لذلك وجدناها تستدعي محسوسات لا تنتمي إلى طبيعتها العضوية أو حتى طبيعتها الفيزيائية، وبالتالي يصبح بإمكاننا متابعة سلسلة من الانحرافات أو الانزياحات التي تخرج الدال عن مدلوله المادي المباشر إلى آخر يدخل في إطار الوظيفة الفنية الجمالية. وعليه فإن الأنف يشتم رائحة الحب والحزن والخوف والفرح والكذب، والعين ترى «دمعة تختبئ وراء ابتسامة عريضة، فتصاب بحيرة تخلفها تلك الابتسامة، وهي تعاند دمعة تنفح في ناي الأسى». ومما يلفتك هنا أن الحواس كلها تتعاون وتتعالق مع بعضها البعض «السمع ليس هنا في الأذن، ولا في أجزائها الداخلية فقط، إنه جهد كل أعضاء الجسد وتآلفها مع بعضها لتنجز هذه المهمة». من هذا الباب كان للأصوات ملمس الحرير، والعطر يتحول مقطوعة موسيقية. وفي هذا تعزيز لفكرة أن الأشياء في جوهرها متشابهة وهي تحدث في النفس انفعالات متشابهة؛ من هذا الباب كانت حركة الأشجار والورود توحي بتدفق موسيقي لا يمكن لأحد ان يسمعه سوى من يراقب الأشياء عبر روحه.
لا يفوتنا ملاحظة ما تضمه الرواية من تشخيص ترتفع فيه الأشياء إلى مرتبة الإنسان مستعيرة صفاته ومشاعره، ومن هذا الباب نرى «العطر مهرا أبيض يركض في مرج أخضر». وكذلك استحالت لوحة السقف «سكاكين تهبط على صدر سراج». ولا غرابة إذ تتعالق رائحة زهر البرتقال والرمان والليمون بصوت البيانو، أو عبق العود والمسك وخشب الأرز بصوت تشيللو، وكثيرا ما تستخدم الرواية المكان بديكوراته المكانية ليلعب دور المنبه المثير لحواس الشخصيات ومن ثم لحركتها النفسية الداخلية. كما حين نشم في المكان رائحة عطر تجعل المخيلة تذهب باتجاه شخص بعينه. ونجد في الرواية ما يدلل على أن قوة الحواس من ضعفها هي مفتاح للشخصية تدلل عليها، كما حين ظهر سراج ضعيفا بالتوازي مع فقده لحواسه، «يضغط على مفاتيح البيانو فلا يسمع صوته. تسقط زجاجة العطر فلا يشم أي رائحة. يفقد رائحة التذوق».
من بين ما يذكر عن الرواية أنها تحمل إيقاعا بوليسيا، بمعنى أنها تستثمر مكونات الرواية البوليسية أو الحبكة البوليسية من دون أن تكون قصة بوليسية كما حددها منظرو هذا الجنس الأدبي. وحتى دون نية كتابتها. ومن خلال هذه الحبكة سعت للتعبير عن أسئلة وتناقضات المجتمع والتعقيدات المرتبطة بالحياة. من هذا الباب تابعنا سفاح عمان واختفاء النساء وتوالي الأحداث الملغزة التي رافقتها عمليات مطاردة من الشرطة، بما يرفع من عنصر التشويق الذي يحضر بالمثل ونحن نستقبل الشخصية الأولى في الرواية، بكل ما يكتنفها من أسرار، وبالذات تلك المتعلقة بأسرار ثروته. كذلك يحضر المكان غير بعيد عن الغموض الذي لمسناه في البطل؛ فلدينا
(القصر والممر الذي يضم ست غرف لا يدخلها غير سراج والتي تضم زجاجات عطر نسائي. كل يوم جمعة يأوي إلى واحدة منها). ويلفتك في هذا السياق عملية ربط التحليل النفسي بالمحكي البوليسي، لكن وللحق هنا، فإن عودة النساء المفاجئ في النهايات لم تجد ما يبررها على الصعيد النفسي ذاته الذي اختطته الرواية، وترك فجوة ما فيها.
يبقى أن الرواية، وإن كانت قد انتهت بلحظات تراجيدية واكبت فعل التفجير الإرهابي، فظني أنها تريد أن تقول إن العالم ربما يتهاوى في لحظة واحدة، دون أن نكون قادرين على فعل أي شيء، وأن الأحلام في المدن من الممكن أن تموت بتأثير من أيد خفية تعمل على اختطافها وإعادتها جثثا هامدة. وظني أن «سيدة الحواس الخمس» رغم هذا الاحتفاء الكبير بالحواس تفاجئنا بالتشكيك فيها، لتظهر وكأنها خدعة، لذلك ينهار الغاليري بكل محمولاته الجميلة.
جلال برجس: «سيدة الحواس الخمس»
المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 2017
400 صفحة.
«سيدة الحواس الخمس» رواية الأردني جلال برجس:إيقاعات بوليسية تسجل انهيار الأحلام
د. رزان إبراهيم