خصوصية اللون وعموم المعنى في أعمال التشكيلية المغربية شمس صهباني

حجم الخط
0

تتفاعل الذات المبدعة مع الواقع في عنفوان هدوئه الصاخب بالمعاني، لترتسم على اللوحة بلغة اللون واشتقاقاته وانشقاقه عن الهوية وصراعاتها وانصراعاتها في احترابات تاريخ الإنسانية الذي شكل بإشكالاته مادة تعبيرية فنية مؤرخة لقصة الإنسان بجمال عنفه وعنف جماله. فليس الإبداع التشكيلي بأقل قدرة على اختراق عتم الظواهر ومبهماتها ليقدم لنا رؤى جمالية تصيح بمضمون القضية في مراتع لذة النظر وسرور التعبير.
كل هذا وغيره يتجلى بوضوح في أعمال التشكيلية المغربية شمس صهباني التي ينزع الانطباع لديها إلى الغوص في أعماق العوالم حيث تندس سرائرها، أين تستخرج بريشتها جميل ما شكلته من صيد الخيال السابح في ملكوت الجمال، عبرت فيه عن صرخة الأنثى على أرض صهباء عطشى من سيل ظل المرأة، فجل الأعمال تتبدى فيها رغبة الحضور وانزياح الغياب الذي سببه اكتساح صوت الذكورة في منافي الثقافة العربية بأرضها وزمنها لكل مرافئ الإبداع.
شمس صهباني، التي تجمع في تكوينها المعرفي والفني بين لغتي الفن الأدبية منها اهتماما والتشكيلية ممارسة، تشرق بحر ألوانها في سماء التشكيل العربي والمغاربي لتضيء محفل القضايا وبطول إشعاعها الإبداعي لتطل بضيائه هناك على الضفاف القصية خلف البحار، أين تقفز الريشة في ممشى تطور فلسفتها بشكل جنوني يوما بعد يوم في التزام تام مع تطور نسق المعرفة الفنية ، تلامس كل القضايا المؤجلة حلحلتها أو حتى خلخلتها بسبب سيادة المسكوت عنه أو المعبر عنه باحتشام في وعائنا الثقافي الخاص، وهذا بصوت الأولين الأعنف والأغزى للرؤية وللتأمل، لكن بلمسات فنية تذيب صخر اللون فينساب ناعما في أخيلة التأويل والتذوق للمتلقي. فكل التشظيات الشكلية تلبس في لوحات شمس، القتامة اللونية بتكثيف متقصد في المركز، في حين تغدو منفرجة، خافتة في الأطراف في سلاسة تعبيرية تغري بالتماهي أو حتى التناهي إلى عمق ومركز اللوحة وبؤرة لونها الحار!
ومن دون إسفاف أو إسراف في محاولة تفسير ذلك الافراط الملاحظ في استعمال الألوان الحارة للتعبير فنيا عن مكنونات الذات المخاطبة والمسائلة لفلسفة الواقع وواقع الفلسفة، وإحالة ذلك للتكوين النفسي للمبدع، وفق ما يمليه المنهج النقدي النفسي، حيث كثيرا ما يشطط في تقييم الأعمال الفنية وملازم ذات المبدع بموضوعاته قسرا، فإن طبيعة مجتمع النشأة وبناه الثقافية ومنظومته المجتمعية والسياسية، لا بد وأن تترسب كمعيار ومعطى معرفي في التكلم فنا على سطح الإبداع. شمس صهباني لا تشكل الاستثناء، فكل تعبيراتها هي صدى مرئي بدوي القتامة وانسيابية اللون على اللوح المعروض في أكثر من قاعة للعرض.
ليست تختزل معاناة الأنثى الشرقية في دهاليز الهامش حيث الصوت الصائح والنائح يرى ولا يسمع، فهي تعيد وفق لعبة الألوان بشظايا أشكالها لملمة أجزاء الهوية المنشطرة التي شكلت بانشطارها حالة اغتراب للإنسان تستلزم عنف الجمال أحيانا منه عنف اللون كي يصحو وعيه في جمالية تراتبية الحضارة وترتيب أشياءها وما يشيع منه من انبهار، الجمال الحار هو أبرز آلية للتعبير عن القضية عندما تغرب الذات وتسقط شمسها في حمأة الغربة داخل الديار خاصة.
وعلى الرغم من أولوية الانتماء بلا مواربة للمدرسة الكونية والاندراج في الخطاب التشكيلي الإنساني، الذي تؤكد عليه من خلال إنتاجها، فإن ثمة أيضا حضور صارخ للون البيئة الشعبية بل والإبداعية أيضا لشمس الصهباني، وهو ما يؤكد النزوع التلقائي الفطري إلى عبقرية المكان، وقيمة أشيائه التاريخية في التعبير عن الذات الفنية والملكة الجمالية الموروثة بتلقائية الانتماء والتنشئة، الأمر يتعلق هنا بخصيصة الاختيار والتوزيع اللوني الذي تنزع إليه الهوية الأمازيغية حين تروم الارتسام المادي والانصرام من فراغات التهميش الذي عادة ما تلاقيه وسط تقاطع الثقافات الحية وتفاعلها الجدلية والمتواصلة في الحظيرة الفنية المغاربية، الأولون في التعبير الفني عبر كل أجناس الفن لها خصوصيتها بل وقدسيتها، ما جعلها ترتبط ارتباطا وثيقا بالهوية وتغدو تعبيرا دلاليا متصلا بكل الأحقاب عليها، وربما من حيث تدري شمس صهباني أو لا تدري، غاصت ريشتها في حض هاته الألوان الخاصة أكثر مما غاصت في باقي الأحواض الأخرى المعبرة عن ثقافات الزمان والمكان لقومها.
تؤكد صهباني أن «الانتماء إلى الثقافة الخاصة ليس يصادم في مسار توظيفه الإبداعي، ولا ينبغي له ذلك، الثقافة الإنسانية، بل يُستلزم أن يكون رافدا يصب في المصب الإنساني الكبير والأعم، حتى وإن كانت النزعة للخاص طاغية على الخطاب الفني للمبدع، ذلك لأن أي عالمية أو إنسانية إنما تتفتق من الأماكن الضيقة والخاصة لا سيما في هوامش الحضر والمدن الصاخبة بخرس الليل وضجيج النهار».
لذا فهي تحمل معها في كل غاليريات العالم التي حفلت بعرض لوحاتها، صوت الثقافة المغاربية والعربية لا من حيث خصوصيتها بل من حيث كونها رمقا إنسانيا نابض الحيوية، يروم بلوغ الأفق الكلياني العام حيث يكتمل الإنسان بذاته بوصفه إنسانا واعيا بالفن ومتفننا بالوعي، ويكتمل ويتكامل بتنوعه ويتنوع بكماله. شاركت بحرّ لوحاتها في معارض كبرى في أقاصي الأرض وتصر على أن مكنون الثقافة العربية ومخاضات قضاياها الاشكالية على كل صعد الوجود العربي، هي مادة فنية دسمة تحتاج فقط إلى حركة نقد وعرض منظمة، مكثفة وخاصة مدعمة من كل الأطراف.
  

خصوصية اللون وعموم المعنى في أعمال التشكيلية المغربية شمس صهباني

بشير عمري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية