ألبير قصيري والعيش بإحساس المنفى

القاهرة ـ «القدس العربي»: «لست في حاجة إلى أن أعيش في مصر، ولا أن أكتب بالعربية، فإن مصر هي ذاكرتي» (ألبير قصيري).
رغم رحيل ألبير قصيري (3 تشرين الثاني/نوفمبر 1913 ــ 22 حزيران/يونيو2008) عن القاهرة في العام 1945، إلا أنه لم يستطع أن يحيا ــ كشخوصه ــ إلا من خلال القاهرة وعالمها، ربما ناقما عليها وعلى مترفيها وأفاقيها، وفي الأول والأخير السُلطة التي تحكم وتتحكم في مخاليق الله.
ورغم روايات عدة جسد فيها قصيري قاهرة الأربعينيات من وجهة نظر شخصياته المتفلسفة على الدوام، مثل «شحاذون ومعتزون» و»العنف والسخرية»، إلا أن قاهرة الإسمنت ونهر البشر الذي فاق نهر النيل، والجو الخانق المميت، وجد صداه في روايته «ألوان العار» كاستشراف وشعور عميق بمدى التحولات التي حدثت في المجتمع المصري بعد انهيار منظومة الستينيات. وقد برع قصيري، الذي كان يرى القاهرة من خلال ذاكرته، أكثر من روائيين وأدباء يعيشون في القاهرة ويتبارون في صخب فج بمدى معرفتهم بأحوال البلاد والعباد، بل ويتبجحون بأنهم حرّاس المدينة الرمادية. وبمناسبة الذكرى العاشرة لرحيل قصيري، نظم المركز الثقافي الفرنسي في القاهرة ــ من دون أن نسمع لوزارة الثقافة المصرية ذكرا له، فقصيري ضد السلطة وضد الأناشيد الرنانة والعبارات التافهة، التي يرددها خدم السلطة في كل وقت ــ احتفالية بهذه المناسبة، تضمنت قراءة فقرات لبعض أعماله، وعرض فيلم «شحاتين ونبلاء»، وإصدار رواية «شحاذون ومعتزون» في صيغة الرواية المصورة، ومعرضاً لمخطوطات روايات قصيري ومراسلاته، وروايته الأخيرة التي لم تكتمل، وفي الأخير ندوة عن الرجل وعالمه، شارك فيها العديد من المهتمين بالأدب الفرانكفوني وأعمال قصيري في الأساس، منهم إيرين فينوجليو، مديرة بحوث فخرية في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، وحاصلة على دكتوراه في أعمال قصيري، جويل لوسفيلد، ناشرة أعمال قصيري، مترجمة الرواية المصوّرة منى صبري، الناقد والمترجم بشير السباعي، الصحافي الفرنسي كريستوف عياد، وحنان منيب، التي تعرّفت إلى قصيري وأصدرت مؤلفاً عنه وعن شخوصه.

أن يكون هو!

بداية أشارت إيرين فينوجليو إلى أن قصيري طوال حياته لم يكن يبحث عن شهرة أو أي شكل من أشكال السخف التي يهرول خلفها الأدباء على اختلاف أعمارهم وتجاربهم. فهذه الحياة اختارها عن قناعة تامة، فهو كما قال عن نفسه «أكتب لإمتاع ذاتي»، وهو بذلك كان يطبق أفكاره على نفسه أولاً ومن خلال مواقفه من الحياة، وهو موقف ثقافي تجاه الحضارة المادية، التي تمسخ الفرد، وتسعى إلى تنميطه وتحويله إلى شيء ضمن مفرداتها، وبالتالي تمحو فرادته، فالرجل كان موقفه موقف وجود في الأول والأخير.

واقعية قصيري

الأمر نفسه أكده بشير السباعي، الذي يرى أن قصيري من القِلة في عالم الأدب الذي طبّق أفكاره من خلال نفسه أولاً، فهو ليس مثل كثيرين يتحدثون عن الإنسان ومأساته، لكنهم في الحقيقة مجرد لصوص أكثر خِسة مما يحاربونهم على الورق، ويتحدثون بلسان الفقراء، لكنهم يزدادون شهرة وثراء بحديثهم الزائف هذا. الأمر الآخر الذي أكده قصيري والخاص بجماعة «الفن والحرية» ــ لسان حال الحركة السريالية المصرية ــ أن الحركة كانت تضم جنسيات مختلفة، وكانت على تواصل دائم بالسريالية العالمية، لذا لم تكن تهتم بالقوميات، أو تنزع كغيرها من الحركات إلى الشوفينية المقيتة، التي في الأغلب تولد عمياء وأصولية، وتجعل من الآخر مختلفاً. فقد كانت الحركة تضم مصريين وأجانب، يكتبون بأكثر من لغة ويهتمون بالقضايا الاجتماعية، مثل المرأة وتحريرها، والعادات والتقاليد، ونقد المرجعية في الثقافات التقليدية. إلا أن قصيري رغم اشتراكه وهذه الجماعة، ونشره لنصوص في مجلة «التطور» إلا أنه لم يكن سريالياً، بل يميل إلى تجسيد الوقائع من خلال رؤيته الخاصة جداً، والتي تختلف عن معظم مَن ادعوا الكتابة عن الواقع. ويستشهد السباعي بشخصيات حقيقية عرفها قصيري وكتب عنها ــ جسدها ــ كشخصية يكن، في روايته الأشهر «شحاذون ومعتزون»، وهو الشاعر فولاذ يكن، وهو ابن الشاعر ولي الدين يكن، وعمه السياسي المصري عدلي يكن. وقد التقى قصيري في ثلاثينيات القرن الفائت، والذي انحدرت حياته، ومات في العام 1947 بسبب جرعة زائدة من الأفيون.

دائماً مصر

ويضيف كريستوف عياد ملمحا آخر من ملامح قصيري، فيصفه بأنه رجل عجيب، يكتب بالفرنسية عن عالم غير فرنسي، عالم من ذاكرته فقط، لكنه حي وصادق إلى حدٍ بعيد. فهو كان يعيش في باريس بإحساس الشخص (المنفي) وليس بإحساس (المغترب). الأمر نفسه أكدته حنان منيب، التي التقت قصيري مرّات عدة، فهو لم يحصل على الجنسية الفرنسية وقد عاش في فرنسا أكثر من نصف قرن، وكان دائماً يحمل جواز سفره المصري، رغم عرض الجنسية الفرنسية عليه أكثر من مرّة. وقد حاز على جوائز فرنسية، كما كانت أعماله قياساً إلى غيره معروفة تماماً ومحتفى بها دوماً في الأوساط الأدبية الفرنسية، رغم أنه يحدثهم عن عالم وثقافة لا يعرفونها.

المتخفي وراء شخوصه

وألمحت منيب إلى أن قصيري دوماً ما كان يتحدث بذاته من خلال الشخصية الرئيسية في رواياته، فهو المتفلسف والمعتزل الحياة، وقد كتب نفسه من خلال هيكل في العنف والسخرية، إلا أن جوهر في «شحاذون ونبلاء» هو أقرب شخص يمثله ويكاد يطابقه من خلال خياله الروائي. هنا قصيري يصرّح بأفكاره في وضوح شديد، ويسخر من السلطة ورجالها، بل يصل به الأمر حد الانتقام، فاللحظة الوحيدة التي يتحقق فيها الضابط نور الدين إنسانياً، عندما يخلع زيّه الرسمي، وينضم إلى جوهر في المقهى يتأمل العالم من حوله، وقد أدرك في النهاية حقيقة وتفاهة ما يحياه.

ألبير قصيري والعيش بإحساس المنفى
كتب بالفرنسية عن عالم غير فرنسي:
محمد عبد الرحيم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية