وضع حقوق المرأة في تونس وأبرز قضايا الفكر الإسلامي والحالة الراهنة في العالم العربي، أبرز محاور هذا اللقاء مع المفكرة والباحثة التونسية في الحضارة الإسلامية زهية جويرو أستاذة الدراسات الإسلامية في كلية الآداب والفنون والإنسانيات في تونس. تعتبر جويرو في حديثها لـ «القدس العربي» ان هناك حالة من التوتر في تونس بين القوى الرجعية والاجتماعية المطالبة بتفعيل الدستور التونسي وما ينص عليه من مبادئ المساواة والحريات الفردية. مشيرة إلى ان الحركة النسوية التونسية استأنفت العمل من أجل تثبيت حقوق النساء وتدعيمها في اتجاه إقرار المساواة على قاعدة مبدأ المواطنة. وشددت على أهمية إيجاد قاعدة للانسجام بين المرجعيات الحقوقية الكونية والمرجعية القرآنية من قبل النخب في البلاد العربية والإسلامية. كما تطرقت إلى أسباب ارتماء الشباب العربي في أحضان الفكر التكفيري والحركات المتطرفة. وقد اشتغلت جويرو طويلا على أبرز القضايا الإسلامية وأهم مؤلفاتها: «القصاص في النصوص المقدسة» و«قراءة تاريخية» و«تونس 2006» و«الإسلام الشعبي» و«الإفتاء بين سياج المذهب وإكراهات التاريخ» و»الوأد الجديد، مقالات في الفتوى وفقه النساء».
وفي ما يأتي نص الحوار.
○ في البداية أين وصلت معركة تحرير المرأة في تونس؟
• أشير بدءا إلى أن معركة تحرير المرأة في تونس ذات تاريخ وليست وليدة اليوم، فقد بدأت نخبة الإصلاح التونسية في التفكير في أوضاع النساء منذ مطلع القرن العشرين مقترنا بالتفكير في إصلاح الأوضاع العامة من جهة وفي تجديد التفكير والتشريع الإسلاميين من جهة أخرى. كما أشير إلى أن دولة الاستقلال قد أخذت على عاتقها منذ فجر الاستقلال تحويل مطالب النخبة لصالح النساء إلى قوانين نافذة وجدت تعبيرها في «مجلة الأحوال الشخصية» التي صدرت في 13 آب/أغسطس 1956 قبل صدور أول دستور للجمهورية التونسية. وقد أحدثت بعض القوانين الواردة في مجلة الأحوال الشخصية ثورة حقيقية في أوضاع المرأة التونسية وفي الرؤية للعلاقة بين القوانين الحديثة التي تنظم وضع المرأة والأسرة والأحكام الفقهية التي كانت قبل هذه المرحلة أحد مصادر التشريع الأساسية. فمنع تعدّد الزوجات قانونيا وجعل الطلاق حقا للطرفين لا يتمّ إلا عن طريق المحاكم المختصة وتحديد السنّ القانوني للزواج وبعض قوانين الميراث وضعت حدّا لانفراد الرؤية الفقهية التقليدية في تنظيم وضع النساء والأسرة عموما ودفعت إلى تبلور اتجاه يذهب مذهب الفصل بين التقنين للدولة الحديثة وللمجتمع الجديد الذي بدأ يثبت في تونس والمرجعية الفقهية التقليدية. وبالرغم من تقدم الوضع القانوني والاجتماعي للنساء في تونس على وضعهن على الصعيد الإسلامي عموما فإن ذلك لا يعني أن الوضع مثالي وأن كل مطالب النساء قد تحققت أو أن كل المشاكل قد تمّ تجاوزها فعليّا، لذلك استأنفت الحركة النسوية التونسية العمل من أجل تثبيت حقوق النساء وتدعيمها في اتجاه إقرار المساواة على قاعدة مبدأ المواطنة. وقد ظل العمل في هذا الاتجاه مركّزا على واجهتين أساسيّتين: واجهة القوانين وهدفه تحوير كل القوانين التمييزية ضدّ النساء طلبا للمساواة، وواجهة العمل الميداني الرامي إلى تجاوز الثغرة بين ما أقرته القوانين من حقوق والواقع الفعلي للنساء الذي يظل دون سقف ما تقرّه القوانين وحيث تواجه النساء أشكالا كثيرة من التمييز ضدهن وحيث يعانين من مشكلات حقيقية مثل العنف المادي والرمزي المسلط عليهن. والعمل في هذا المجال يضطلع به طرفان هما الجمعيات التنموية المحلية ومنظمات المجتمع المدني التي تعمل على مساعدة النساء خاصة في البيئات الفقيرة في المناطق القروية والريفية المهمشة على توفير موارد رزق وعلى الاستفادة من عملهن خاصة في القطاع الفلاحي حيث تمثل النساء أغلبية اليد العاملة، أما الطرف الثاني فتمثله النخبة التونسية النسوية والمثقفة وعملها متجه خاصة نحو مقاومة الذهنية الذكورية والتصورات المعادية لحقوق النساء ولمبدأ المساواة، وتركّز أكثر في الفترة الأخيرة على مقاومة أطروحات الإسلام السياسي التي ظلت تتمسك بالرؤية الفقهية التقليدية وتنادي بالعودة إلى ما تعتبره أحكاما شرعية، وذلك باعتماد منهجية تقوم على قراءة تأويلية تحررية للقرآن مركزها الاقتناع بعدم التعارض بين مطلب المساواة في الحقوق ورفض كل أشكال التمييز بين النساء والقيم والمقاصد الشرعية العامة، وأعتقد أن هذا المحور هو المعركة الأساسية التي تخوضها النخبة التونسية منذ حدث الثورة.
○ ألفت العديد من الدراسات حول دور المرأة والفتاوى المتعلقة بحياتها الاجتماعية ضمن الأحوال الشخصية، فما النتائج التي توصلت إليها؟
• بالرغم من أن فضاء هذا الحوار لا يسمح بعرض ما توصلت إليه من نتائج، فإنني أوجز القول بأن المفتين ومؤسسة الإفتاء بصفة عامة تظل اليوم فاعلا رئيسيا في تقرير واقع النساء بكل مشكلاته، كما تظل شديدة التمسك بسلطتها في مجال الأحوال الشخصية. فهؤلاء قد لا يولون اهتماما لمجالات أخرى مثل المجال السياسي وتنظيم المعاملات الاقتصادية ولا يتدخلون عادة في كل ما يتخذ من إجراءات وما يقرّر من قوانين في هذا الصدد، ولكن عندما يتعلق الأمر بالنساء وبالأحوال الشخصية، تجدهم الأشدّ معارضة لأي تغيير ولأي مراجعة بدعوى ارتباط هذا المجال بمسائل الهوية والأخلاق والشرف وغيرها من المقولات التي يستند إليها في معارضة مبدأ تمكين النساء من حقوقهن وردّ ما يتعرضن له من وجوه التمييز والعنف المتعدد الأشكال والمظاهر. بل إن عموم المفتين، أفرادا أو ضمن مؤسسات لا يعترفون إطلاقا بما تعانيه النساء تحت غطاء الشريعة وباسمها من ضروب العنف والحرمان من الحقوق، فتجدهم يروجون صورة للمرأة المسلمة مثالية فهي ملكة في بيتها وسيدة على عرشها وهي في وضع أفضل من أوضاع نساء العالمين، وأن الإسلام كرمها وهي لا تحتاج إلى قوانين وحقوق «مشبوهة» في نظرهم ومتهمة بكونها تعمل على تفتيت المجتمع وعلى فتنة النساء وغير ذلك من التعبيرات التي ما زالت تلقى صدى لدى أعداد من النساء أنفسهن ممن لم تتح لهن فرص للوعي بحقيقة أوضاعهن. فضلا عن ذلك فإن الأخطر في نظري هو أن هؤلاء المفتين يقفون في كثير من الحالات موقف المناهض لمشاريع الإصلاح التي تحاول الدول ومؤسساتها التشريعية إرساء قواعدها، فيفتون بخلاف ما ترمي إليه تلك المشاريع مما يخلق حركة رفض ومعارضة لها تهدد استقرار الدول والسلم الاجتماعي. ومثال واحد في هذا الشأن ما حصل ويحصل في تونس منذ أن شكل رئيس الجمهورية لجنة من المختصين كلفها مراجعة القوانين ضمن تمشّ هادف إلى تثبيت المبدأ الدستوري الذي ينصّ على المساواة بين المواطنين وعلى مبادئ الحريات الفردية وذلك بمراجعة القوانين التنفيذية التي قد تتعارض مع هذه المبادئ، إذ تجندت القوى المحافظة من رجال الدين ومن أعلام الإسلام السياسي بإصدار فتاوى تعارض هذه المبادئ مما خلق حالة من التوتر بين هذه القوى والقوى الاجتماعية المطالبة بتفعيل الدستور وما ينص عليه من مبادئ المساواة والحريات الفردية. وهذا التوتر بالرغم من كل سلبياته فإنه سمح بإطلاق نقاش ثري حول هذه المسائل التي أرى أنه آن أوان معالجتها جذريا وحسمها قانونيا.
○ أي مقاربة تحملينها للتشريعات وكيفية استجابتها للحظة التاريخية؟
• أعتبر أن المسألة التشريعية في البلدان العربية بصفة عامة قابلة لأن تطرح من زاويتين:
– زاوية فكرية واسعة تأخذ بعين الاعتبار العلاقة التاريخية في المجال الإسلامي بين التشريع وتنظيم المجتمع من جهة والمسألة الدينية – الفقهية من جهة أخرى. فقد استقرت في الوعي التشريعي الإسلامي على مدى قرون طويلة جملة من المسلمات تحكمت في هذا الوعي ووجهته، ومنها التسليم بالتماثل والتساوي بين الأحكام القرآنية والأحكام الفقهية واعتبار الفقه ممثلا للتشريع الديني الواحد، والحال أن بين المرجعيتين اختلافات جوهرية يتغاضى عنها عادة ومنها أن الاختلاف البنيوي بين ما هو إلهي منزل جاء في القرآن الكريم وما هو بشري تاريخي يتمثل في اجتهادات الفقهاء وتأويلاتهم اعتمادا في الغالب الأعم على مصادر بشرية هي الأخرى، مثل الأحاديث النبوية – التي يتناسى عموم المسلمين أنها هي الأخرى بشرية بشهادة الرسول نفسه صلى الله عليه وسلم عندما كان يؤكد دائما على الفارق المشار إليه آنفا بقوله «ما أتيتكم به من الله فخذوه وما أقول به من نفسي فإنما أنا بشر» وكذلك تأكيده «أنتم أعلم بأمور دنياكم» ومثل الإجماع والقياس والمصالح المرسلة وغيرها من المصادر ذات الطبيعة البشرية والتي تمثل المصدر الفعلي للغالبية العظمى من الأحكام الفقهية. ومن تلك المسلمات أيضا الاعتقاد في أن المجتمعات قد انتظمت كليا طبقا للأحكام الشرعية وهذا أعتبره في الحقيقة وبناء على دراسات دقيقة وهما من الأوهام الكبرى التي تحكمت وما زالت تتحكم في الوعي الإسلامي، لأن الحقيقة أن أغلب هذه المجتمعات قد انتظمت طبقا لما فرضته حقائق الواقع وإكراهاته وإكراهات السلطة ومتطلبات المصالح وكان كل هذا يتمّ إخراجه إخراجا شرعيا بإيجاد أدلّة بعدية بواسطة القياس والتأويل والحيل الفقهية. إضافة إلى هذا علينا أن نكون على وعي، وبفضل الدرس التاريخي النقدي، أن هذه الأحكام الفقهية هي وليدة ذهنية مخصوصة هي الذهنية الذكورية التي أنتجت هذا التراث الفقهي، وهي موسومة بسمات الطبيعة الاجتماعية لمجتمعات تقليدية أبوية، ولذلك فإن مجمل هذه الأحكام تعكس مصالح المنفردين بالسلطة وهم الرجال وتخدمها.
إن الوعي بهذه الحقائق سيسمح لنا أن نعيد طرح إشكالية التشريع في أفق نقدي يمكننا من تجاوز العوائق التي ظلت تحول دون تحديث القوانين التي تنظم المجتمعات الإسلامية ودون أخذ حقوق النساء بعين الاعتبار في القوانين، كما سيسمح لنا بإعادة قراءة الأحكام القرآنية بالأدوات التي تتيحها لنا معارف عصرنا وفي ضوء أسئلته ومطالبه وتطلعاته، فلا نظل سجناء أقوال السلف التي كانت هي الأخرى محكومة بعصرها وبطبيعة العقول التي أنتجتها. إن التمسك الحرفي بتلك الأقوال والأحكام يضعنا في علاقة متوترة مع عصرنا، نعيش فيه بأجسادنا ويراد لنا أن نعيش في الماضي بعقولنا وبوعينا، وهذا هو جوهر أطروحات التيارات المحافظة السلفية وتيارات الإسلام السياسي. كما يجعل علاقتنا بالعالم متوترة كذلك، فالكثيرون لا يخفون عداءهم لمنظومة حقوق الإنسان بدعوى أنها منظومة غربية مختلفة عن منظومة التشريع الإسلامي، ولمنظومة حقوق النساء بدعوى أنها منظومة تهدّد الهوية والخصوصيات الدينية والثقافية. والحال أن في مقدورنا إيجاد قاعدة للانسجام بين هذه المرجعيات الحقوقية الكونية والمرجعية القرآنية. وهو العمل الذي تسعى إلى إنجازه نخب في البلاد العربية والإسلامية ما زالت للأسف تعاني من التهميش وتتعرض لشتى أنواع التهم والتشكيك.
– أما الزاوية الثانية فهي عملية – إجرائية تتمثل في إرجاع التشريع إلى مؤسسات مختصّة وممثّلة لعموم المجتمع، يتمّ اختيارها ديمقراطيا، وهذا أمر مشروط بوجود دولة تحتكم إلى القانون والمؤسسات، وهذا الشرط مفقود أو منقوص في مجمل البلاد العربية حيث ما تزال الدولة في طور ما قبل الحداثة، ولذلك تلجأ إلى حلول تلفيقية تعيد إنتاج المشكلات بدل حلها، وما زالت أغلب القضايا الجوهرية معلقة ومنها قضية التشريع الموزعة بين مطالب أصحاب السلطة وأقوال المفتين، وبالرغم من ذلك تجد هذه الدول نفسها مجبرة بضغوط داخلية – ذاتية وخارجية على إدخال بعض الإصلاحات في القوانين وخاصة منها ما له صلة بالنساء والأحوال الشخصية.
○ بالنسبة لمسألة الشباب الذي ارتمى في الفكر التكفيري، كيف ترين أسباب ذلك؟
• نحتاج أولا إلى تنسيب الأمور حتى تكون أكثر موضوعية في التعبير عن واقع الشباب سواء في تونس أو في عموم البلاد العربية. فمثلما يوجد عدد هام من الشباب الذي ارتمى في أحضان الفكر التكفيري وتوابعه من الحركات المتطرفة والإرهابية، وهذا الأكثر ظهورا لأنه الأعلى صوتا والأكثر استقطابا إعلاميا، توجد أعداد أخرى من الشباب الناجح والمبدع والخلاق ومن ذوي الخبرات العالية في ميادين مختلفة تضطرها الأوضاع وتدفعها تطلعاتها المقموعة داخليا إلى «الهرب» نحو آفاق أخرى قد يجدون فيها تقديرا لمواهبهم وخبراتهم مما شكل نزيفا حقيقيا يعرف بهجرة الأدمغة العربية، ويكفي النظر إلى المؤسسات الغربية في مجال الصناعة والعلوم الصحيحة والبحث العلمي وعلوم الحاسب والطب وغيرها من التخصصات لترى نسبة هامة من العاملين فيها من الشباب العربي الذين سدّت أمامهم الآفاق في بلدانهم. فالخسارة إذن من الجانبين وإن كانت مختلفة الطبيعة ولكن ارتداداتها على البلدان العربية مخيفة في الحالين. وللظاهرتين سبب مشترك هو انسداد الآفاق أمام الشباب وانتشار البطالة بنسب مرتفعة والواقع المعقد الذي يصعّب على الشباب إمكانيات التعايش. أما ارتماء الشباب في أحضان الفكر التكفيري والحركات المتطرفة فله أسباب أخرى إضافة إلى الأسباب المشتركة المشار إليها آنفا. ومنها خاصة ما له صلة بالأنظمة التعليمية وهي أنظمة تدفع من جهة بأعداد كبيرة من الشباب نحو الانقطاع المبكر عن التعليم ليكونوا لقمة سائغة للأفكار المتطرفة المسلحة بالمال الفاسد والمسنودة سلطويا أحيانا ليتمّ استقطابهم وتجييشهم لخدمة مشاريع لا مصلحة لهم فيها، وهي من جهة أخرى أنظمة لا تسلح الشباب بالمعرفة الحديثة وبالعقل النقدي الذي يحميهم من أن يُتلاعب بهم داخليا وخارجيا، ويكفي أن نعرف أن نسبة هامة من هؤلاء هم من خريجي الشعب العلمية التي لا تمنح تكوينا في مجال العلوم الإنسانية التي تصنع العقل النقدي حتى نتبين أحد أسباب هذه الظاهرة. وحتى «المعرفة الدينية» التي يتلقاها هؤلاء الشباب في مستويات تعليمية أدنى هي معرفة تقليدية غالبا ولا تخلو بدورها من أفكار متطرفة تصنع أرضية خصبة لمزيد من التطرف، ويضاف إلى ذلك نوعية الخطاب الديني المروّج في كثير من القنوات وعبر الفضاء المعلوماتي وفي أغلب المساجد والجمعيات الدينية وهو خطاب لا يخلو هو أيضا من التطرف، وفي المقابل نلاحظ انحسارا مخيفا للخطاب الفلسفي والعقلاني وهو الخطاب المؤهل لإحداث شيء من التوازن، كل هذه العوامل مجتمعة تفسر هذه الحالة من الارتماء في الفكر المتطرف الذي لا يمكن مقاومته إلا بوضع استراتيجية تعليمية وإعلامية وثقافية معقلنة تحمي الأجيال الجديدة من ذلك الفكر وتسلحه بأدوات مقاومة.
○ هل وصلنا إلى مرحلة تحرير العقل العربي؟ وما توصيفك للوضع الراهن عربيا؟ لماذا وصلنا إلى هذه المرحلة من الدمار والحروب؟
• عندما نتبين أن العقل العربي ما زال إلى اليوم محكوما بالمحددات نفسها التي حكمته على مدى قرون بالرغم من كل التحولات التي شهدها العالم نستطيع القول إن العقل العربي ما زال مرتهنا إلى نظم «لا تاريخية». العقل المنتج للمعرفة ما زال يفكر في مواضيع لم يستطع الحسم فيها وما زال يفكر بآليات عفا عليها الزمن، وكل المشاريع الفكرية التي حاولت تشخيص وضع هذا العقل واقتراح حلول لتغييره ظلت دون نتائج تذكر لأن «السلطة» ما زالت لصالح الخطاب الآخر المحافظ والتقليدي والمنغلق دون كل دعوات التجديد والتحديث، العقل السياسي ما زال هو الآخر محكوما بأنظمة «القبيلة والعقيدة والغنيمة» كما يقول الجابري وهي الأنظمة التي تشكلت منذ 14 قرنا، العقل الديني ما زال عقلا طائفيا سكونيا منغلقا مكتفيا «بفتوحاته» الوهمية رافضا كل محاولات الإصلاح متحصنا ضد كل الفتوحات المعرفية التي أتاحتها علوم الإنسان والعلوم الدينية الحديثة. وبالرغم من هذه العتمة الغالبة لا نعدم محاولات للتجديد والإصلاح والتحديث الرامية جميعها إلى تحرير العقل وهي محاولات تنتظر من يمتلك الجرأة لينقلها من مجال العمل الفردي إلى مجال العمل المؤسسي المخطط له تخطيطا جيدا. ووضع العقل هو صورة للوضع العربي العام وسبب من أسبابه. وضع ما زال قابلا لإنتاج حروب طائفية لأننا لم نحسم هذه القضية بعد ببناء دولة الحداثة السياسية، دولة القوانين والمؤسسات، وهو وضع تزيده التدخلات الأجنبية التي تستفيد من هذا النزيف تعقيدا لأن المهيمنين على السلطة السياسية لم يحسموا بعد الأمر بشأن مصدر المشروعية: هل هو شعوبهم فعلا أم القوى الأجنبية التي يستعينون بها على شعوبهم؟ وبالرغم من كل هذه العتمة مرة أخرى لا نعدم محاولات للبناء الديمقراطي وللإصلاح بالرغم من كل التعثر الذي تعانيه.
○ ما جديدك البحثي في قضايا الفكر الإسلامي وقضايا المرأة؟
• أشتغل حاليا على مشروع إعادة قراءة التراث الفقهي عنونته مبدئيا «نقد العقل الفقهي» أحاول فيه توظيف منهجيات ومقاربات جديدة منها خاصة المقاربة السوسيو- أنثروبولوجية للتشريع، كما أشتغل ضمن حركة «مساواة» العالمية لمراجعة الأحكام الخاصة بالنساء من منظور نسوي، وهو مشروع لا يهدف إلى إقرار حق النساء في المساواة فقط بل يرمي كذلك إلى إثبات جدارة النساء في إنتاج معرفة دينية ظلّت على امتداد قرون محتكرة من الرجال.