لندن ـ «القدس العربي»: استقبلت مختلف القطاعات الاقتصادية والأسواق فوز رجب طيب اردوغان الذي يوصف بأنه مهندس تركيا الجديدة، بإيجابية ملحوظة. وكان الاقتصاد التركي قد سجل نسبة 7.4 في المئة في مؤشر النمو خلال عام 2017 متجاوزاً الاقتصاد الصيني ليتصدر عالمياً المؤشر. وكان نمو الاقتصاد التركي إيجابياً خلال 8 سنوات متتالية منذ 2009، ومن المتوقع أن يواصل الإيجابية في مؤشر النمو حتى عام 2020. لكن تقديرات المؤسسات المالية الدولية تظهر أن نسبة نمو الاقتصاد التركي ستنخفض تدريجياً رغم أنها إيجابية، وأن السبب في ذلك هو المخاطر المختلفة التي تحيط بالاقتصاد والبلاد، فضلاً عن أن المؤشرات تؤكد أن الازدهار الذي تحققت بفعل تنفيذ السياسات الإصلاحية الاقتصادية خلال فترة 2001 إلى 2006، بدأ ينتهي. وأحد أهم الخطوات التي من المتوقع أن يعمل عليها اردوغان خلال ولايته الجديدة، هي وضع حد لعلاقات البلاد المتأزمة مع بعض القوى الإقليمية والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية.
وأنعشت التوقعات بالاستقرار السياسي داخل البلاد بعد إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية والتشريعية، أسواق المال والبورصة وأدوات الدين، خاصة تعزيز السندات المعروضة بالدولار في الأسواق الدولية. وفي الجانب الخارجي، أعلن وزير الاقتصاد التركي، نهاد زيبكجي، أن بلاده وقعت النسخة المعدلة لاتفاقية التجارة الحرة مع دول رابطة التجارة الحرة الأوروبية «أفتا»، وأن الاتفاقية الجديدة تعدل من موازين التجارة بين تركيا وأوروبا، حيث ستكون أكثر حداثة وشمولا من اتفاقية الاتحاد الجمركي مع الاتحاد الأوروبي. وأكد نائب رئيس الوزراء التركي للشؤون الاقتصادية، محمد شيمشيك، أن تتوصل بلاده والاتحاد الأوروبي إلى اتفاق بشأن توسيع اتفاقيتهما الجمركية قريباً.
وسجلت الليرة التركية مستويات إيجابية أمام جميع العملات الصعبة، فضلاً عن تراجع معدل التضخم. وارتفعت قيمة العملة المحلية غداة إعلان نتائج الانتخابات بنسبة 3 في المئة لينخفض سعر صرف كل الدولار إلى 4.54 ليرات، بينما كانت قد خسرت خمس قيمتها مقابل الدولار الأمريكي منذ مطلع 2018، بفعل خروج مبالغ غير قليلة من الاستثمارات الخارجية من تركيا. كما سجل اليورو انخفاضا أمام العملة التركية بنسبة 1.5 في المئة ليصل إلى 5.3055 ليرات، وتراجع الجنيه الإسترليني بنسبة 1.6 في المئة، وتم تداوله مقابل 6.1070 ليرات.
وارتفع مؤشر بورصة إسطنبول المئوي في تداولات الأسبوع الماضي بعد الانتخابات، بنسبة 3.55 في المئة، وبلغ 99.255.76 نقطة، بعدما بدأ المؤشر عند 3.403.66 نقطة.
ومن زاوية أخرى، ستنعكس نتائج الانتخابات التركية بالإيجاب على المستثمرين في المشاريع الكبرى المتعلقة برؤية 2023 لتنمية البلاد. وتخطط تركيا لبناء 10 مطارات كبيرة ومنها المطار الثالث لمدينة إسطنبول الذي هو أكبر ثلاث مرات الحالي، وإنشاء قناة بحرية جديدة بطول 48 كيلو مترا وعمق 25 مترا وعرض 150 مترا، وبناء وتحديث ما يقارب 15 مليون سكن، وبناء 10.000 كيلو متر سكك حديد سريعة.
وبدأ اردوغان وحزب العدالة والتنمية نجاحاته في الانتخابات التركية من خلال اعتماده على الطبقتين المتوسطة والفقيرة في البلاد، لكنه وبعد بسط سيطرتهما على مؤسسات دولة والقطاع الخاص، انخفضت شعبية الحزب بين قاعدته الرئيسية تدريجياً، خاصة الطبقة الثرية الحليف المهم له. ومن جهة أخرى شكل النمو الاقتصادي المتواصل خلال السنوات الخمس عشرة الماضية العامل الرئيسي في النجاحات المتتالية للحزب الحاكم في تركيا، لكن نسبة التضخم العالية وزيادة البطالة أثرت سلباً على شعبية اردوغان وحزبه، ومن المتوقع أن يسجل الاقتصاد التركي انخفاضاً في نسبة النمو، فضلاً عن تراجع ملحوظ في الدخل الأسري بالمقارنة مع السنوات الأولى لتنفيذ البرنامج الإصلاحي الاقتصادي، ما دفع الرئيس التركي إلى تقديم موعد الانتخابات عاما ونصف، بهدف تفادي خسارة محتملة لو تم إجراء الانتخابات في موعدها المقرر.
والسؤال الرئيسي الذي يطرح نفسه هو أنه إلى متى ستستمر موجة الانتعاش التي خلفتها نتائج الانتخابات الرئاسية والتشريعية؟ وتوضح لغة الأرقام مشهد ما بعد انخفاض الموجة هذه إلى حد ما. وارتفعت نسبة التضخم خلال شهر أيار/مايو الماضي إلى 12.15 في المئة وتتحدث المصادر غير الرسمية عن تضخم بنسبة 20 في المئة، فضلاً عن أن المصرف المركزي التركي رفع سعر الفائدة البنكية إلى أكثر من ضعف بالمقارنة مع صيف 2016 ليصل إلى 17.75 في المئة، ما أدى إلى إثارة المزيد من الشكوك وعدم الثقة في قدرة المصرف المركزي على وضع حد لزيادة نسبة التضخم، بينما كانت نسبة التضخم تتراوح بين 6 إلى 8 في المئة خلال فترة ما قبل الانقلاب الفاشل في عام 2016. وسجل مؤشر البطالة نسبة عالية بالمقارنة مع العقد الماضي حيث بلغ ما يقارب 13 في المئة خلال السنتين الماضيتين، أي ما يقارب 3 ملايين و600 عاطل عن العمل.
وسيرتفع عجز الحساب الجاري إلى 6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي التركي حتى نهاية عام 2018. وحسب تقرير المؤسسات المالية والمصرفية الدولية في شهر آذار/مارس الماضي، بلغت ديون الشركات التركية من العملات الصعبة خاصة الدولار الأمريكي واليورو أكثر من 181 مليار دولار، ويعادل هذا المبلغ ما يقارب 20 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وارتفعت قيمة الالتزامات والديون الخارجية التركية إلى 443 مليار و700 مليون دولار أمريكي. ويقدر خبراء في الاقتصاد التركي أن تركيا لديها ما يقارب 230 مليار دولار ديون خارجية حان موعد دفعها.
رغم أن تركيا تتمتع بحالة اقتصادية جيدة بالمقارنة مع العديد من الدول، وأنها قد نست بالكامل أزمتها الاقتصادية خلال عامي 2000 و2001، لكنها بحاجة كبيرة إلى التعامل الإيجابي مع القارة العجوز، وإنهاء أزمتها مع الدول الأوروبية الرئيسية على وجه السرعة. وليست العلاقات التركية الأمريكية في حالة جيدة لأسباب معروفة، ولا يزال لا يوجد أفق معين لعودة هذه العلاقات إلى ما كان عليه. وأعطى الدستور الجديد صلاحيات كبيرة إلى «المهندس اردوغان» ليهندس تركيا الجديدة لتصبح ضمن القوة الاقتصادية العشر الأوائل كما حدد حزب العدالة والتنمية ذلك ضمن شعاراته.
محمد المذحجي